فجأة ظهرت دعاوى قضائية من محامين مغمورين، لم يقصدوا بها رجل أعمال فاسدًا أو سياسيًّا مزورًا، أو محترف إجرام، ولكنهم قصدوا بها هذه المرة إمامًا من أئمة العلم لقي ربه منذ قرون، وخلَّف من ورائه علمًا انتفعت به أمم قد سبقتنا إلى الدار الآخرة.
لقد قدَّم أحد المجاهيل دعوى قضائية طالب فيها الأزهر الشريف بتنقيح صحيح البخاري من الأحاديث التي قال إنها تطعن في القرآن الكريم، وجاء آخر ليطالب مجمع البحوث الإسلامية بإعادة النظر في صحيح البخاري، زاعمًا "أنه يحتوي على أحاديث غير صحيحة تطعن في كتاب الله".
هذا التواطؤ العجيب الذي تبدَّى من محامين مغمورين ونشرته واهتمت به صحف ومواقع سيارة يستوجب التأمل حول الأسباب التي دفعت هؤلاء للتوافق حول قضية واحدة اجتمعا عليها كلٌّ من جانبه، وكانت المصادفة أن تنال دعاوى المغمورين اهتمام وسائل الإعلام فتنشرها وتعبأ بها وتُروِّج لها.
وقد ذكرني ما حدث بقصة واقعية حكاها لي أحد الزملاء الذين قادوا مؤسسة صحفية مستقلة في وقت قريب قبل أن يغادرها من سوء ما طالع ومن هول ما رأى، ولم تصدقه عينه أو يسعفه عقله لاستيعابه؛ حيث طلب أصحاب الصحيفة وملاكها من الزميل الاستفادة من كتابات السيد جمال البنا واستكتابه، وعدوا ذلك توصيةً واجبة النفاذ بفعل التمويل والإنفاق، ولكن ظن الزميل أن الأمر خاضع لتصوراته وتقديره كمسئول عن التحرير فأبى أن يفعل؛ حيث لا يجد في الرجل مادة ذات صلة بالفكر أو قريبة من المنطق فلم يعبأ بالتوصية.
ولما أدرك القوم أن الزميل لن يستجيب، وأنه ظنَّ أن هناك استقلالاً تامًّا عن رءوس الأموال وأهدافها ومراميها أرسلوا له جمعًا من كتب السيد جمال في لفافةٍ كبيرةٍ قادمة من إحدى السفارات المعنية بإحداث تحولات في الظاهرة الإسلامية، ومشفوعة بضرورة النشر، حينها أدرك الزميل أن معركة رأس المال لا تسير بعيدًا عن معركة الإعلام أو دوَّامة السياسة.
الدعاوى التي خرج بها المغمورون الجدد أتصور أنها خرجت والتعليمات الشفوية لرئيس التحرير المذهول من مستنقعٍ واحدٍ؛ لتروج فكرًا واحدًا يستهدف التشكيك في ميراث الأمة الثابت من الكتاب والسنة.
ولعل ما حدث في الصحيفة "المستقلة" وما يحدث من نشر ناجز لدعاوى قضائية يقودها المجاهيل كل ذلك يعطي رسالةً واحدة، أن هناك تناسقًا وتناغمًا بين أطراف تتوحد حول هدف واحد ووجهة هم مولوها.
ونحن في حل من الحديث عن قامة مثل البخاري أو ندافع عن صحيحه أو نذب القالة عنه، فالرجل أجلُّ من ذلك، وما أبعد ما يقولون من قيمته العلمية ومكانته التربوية، يقول أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: ما أعرف أني اغتبتُ رجلاً منذ عرفت أَنَّ الغيبة حرام.
ويُحكى في ورعه أنه جلس أمام أحد شيوخه يتعلم منه العلم فأحسن شيخه الحديث فابتسم الشيخ فرحًا بالفائدة العلمية التي وصَّلها لتلاميذه فابتسم البخاري لابتسامته، ثم خشي أن تكون هذه الابتسامة نوعًا من الغيبة فذهب بعد الدرس لشيخه يَتَحَلَّلُهُ ويطلب أن يعفو عنه، يقول: ابتسمتَ، فابتسمتُ لابتسامتكَ ووقع في قلبي أني اغتبتك، فقال الشيخ: اذهب رحمك الله فأنت في حِلٍّ.
هذه هي القامات التي تلوك الحديث عنها المجاهيل، ويتفوه بالكلام عنها قصار القامة في العلم والتربية والسلوك إلى الله، لقد تحرَّز البخاري من الغيبة في وقتٍ تقتضي مهمته التي اختارها في الحياة، ووهب نفسه لها أن يفرز الصحيح من الضعيف والصادق من الكاذب، ومع دقة منهج الرجل وحرصه الشديد على فرز الأحاديث؛ ليميز منها ما يطمئن القلب والعقل لنسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا خرج من هذه المحاذير دون أن يغتاب أحدًا حتى ولو بالابتسامة التي لا تعدو أن تكون خاطرًا ورد على القلب ولم يسارع اللسان بتصديقه.
لقد كان البخاري من العُبَّاد، لا يكاد يترك يومًا إلا ويتهجد لله عز وجل فيه، بل كان له في رمضان ختمتان: قراءة لنفسه يختم فيها كل 3 أيام، يعني يقرأ كل يوم 10 أجزاء، وإذا أَمَّ بالناس ختم كل 10 أيام.
وكان مضرَب المثل في الكرم والسَمَاحة والجود، فلم يُحكَ عنه أنه ساوم في بيع، فرغم تشدده في قبول الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان متساهلاً في أمور الدنيا، وكان في الجهاد فارسًا، فيقول عنه تلميذه ووَرَّاقه محمد بن أبي حاتم: ما أخطأ سهم محمد بن إسماعيل قط، ولا سابقه أحدٌ [على الخيل] إلا وسبقه.
ورغم ما اشتهر عنه من قلة النوم وكثرة القيام والتهجد، إلا أنه كان ينام في الرباط نومًا عميقًا استعدادًا لنوبة رباطه، وعندما عجب تلميذه من هذه النومة فقال البخاري: إننا على الثغر وأخشى أن يُباغِتَنا العدو، فلا بد أن أكون في قوةٍ واستعدادٍ وتَأَهُّب لمواجهة الأعداء.
فلم ينم إلا لأجل أن يتقوَّى على الجهاد وعلى مواجهة أعداء الله عز وجل، وهو دليل فقه.
هذه شخصية البخاري التي يأتي المجاهيل للحديث عنها والتقول عليها، أما منهجه في البحث والتنقيب عن الحديث الصحيح فكان منهجًا متفردًا دقيقًا غاية الدقة، وكان يمزج بين الجانب العلمي الرصين في تخريج الأحاديث وكتابة الصحيح وبين الجانب الإيماني، ففي الوقت الذي دقق فيه كتابه الصحيح حتى أنجزه في 16 عامًا جاب فيها البلاد، وتعرَّف على طبائع الرجال وجمع من الأحاديث، وأخذ منها ما اجتاز شروطه العلمية الدقيقة، وترك منها ما برح هذه الشروط، ومع هذا لم يكن يتعامل مع العلم بمعزلٍ عن حسن الصلة بالله تعالى، فقد روي أنه ما وضع حديثًا إلا وتوضأ- وفي رواية: اغتسل- وصلى ركعتين، قبل كل حديثٍ من أحاديث "الجامع"، وهو يقصد بذلك طلب التوفيق والإعانة من الله سبحانه وتعالى على أن يوفقه في اختيار الأحاديث الصحيحة التي ليس لها علة ولا شيء يقدح في صحتها.
ويقول البخاري عن نفسه أنه حفظ 100َ ألْفِ حديثٍ صحيحٍ، وعرف مائتي ألْف حديثٍ غيرِ صَحيحٍ، وكان البخاري ممن يتزاحم عليه التلاميذ للركب، يقول صَالحُ بنُ محمّد البغداديُّ: كَانَ البخاري يجلسُ ببغداد، ويجتمعُ في مجلسِهِ أكثرُ مِنْ 20َ ألفًا.
في المجمل فالبخاري بشر يصيب ويخطئ وليست له العصمة لا ريب، ولكن حسب الرجل أنه تعامل مع المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث بمنهج علمي دقيق ورؤية ثاقبة وضمير حي، في إطارٍ من التقوى والتعلق بالله والرغبة في التوفيق والسداد، وما ردَّ أحد من علماء الأمة الفحول حديثًا للبخاري إلا وهو يضع الرجل موضعه وينزله منزلته، بل وينزل صحيحه الجامع منزلته، ويعتبره أصح كتاب جمع فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.