عكاشة عباد

اجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض الأنصار ليلاً عند العقبة، فيما يُسمى بـ"العقبة الثانية"، وبعد مناقشات وحوارات خُتِمَ الاجتماع بتكليفٍ، فهم الأنصار- رضوان الله عليهم- تبعاته التي تحمل في طياته إنفاق المال وإنفاق الأرواح، فقالوا متسائلين: وما لنا؟ فكان الجواب كلمة واحدة؛ ولكنها تمثّل منتهى أمل الإنسان على مر العصور بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الجنة".. فإن الرد الثابت المعلن عن قبول التكليف وتحمل التبعات، فقالوا: "إذًا لا نقيل ولا نستقيل" (1).
الجنة: هي هدف لكل من يعمل لدين الله سبحانه وتعالى، بل هي هدف لكل مسلم ومسلمة يسعى لها وحولها يدندن، حتى إن أحدهم لكثرة عشقه لها ليشعر بها في الدنيا قبل أن يسكنها في الآخرة، فيقول لأخيه وقد أخذ نفسًا عميقًا: "إني أشم رائحة الجنة دون أحد" (2)، وآخر يستقبل الموت سعيدًا مسرورًا، فيصرخ بعد أن يُطعن طعنة الموت، ويرى الدم يسيل "فزت ورب الكعبة" (3)، وثالث يثني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو له وهو يحتضر مفارقًا الدنيا؛ لأنه كان سببًا في دخوله الجنة "إني أجد رائحة الجنة، وبلغ عني رسول الله السلام وقل له جزاك الله خيرًا" (4).
فطريق الجنة يبدأ بالإنفاق، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾ (آل عمران)، قال كثير من أهل التأويل: البر هنا هو الجنة؛ لأن برَّ الرب سبحانه بعبده في الآخرة إكرامه إياه بإدخاله الجنة، ومعنى الآية: أي لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقون به مهما كان قليلاً أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله (5)، قال أبو جعفر: يعني بذلك جلَّ ثناؤه: لن تدركوا أيها المؤمنون البر، وهو البر من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له، ويرجونه منه، وذلك تفضل عليهم بإدخالهم جنته وصرف عذابه عنهم (6).
والمتتبع لسيرة الصحابة رضوان الله عليهم يجد أنهم أخذوا أسلوب الإنفاق؛ لكي يصلوا إلى الجنة، فمنهم من أنفق حياته إمَّا ثباتًا على المبادئ والحق مثل آل ياسر.. "صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة" (7) أو استشهادًا في المعارك: "أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فأقتل؛ لأن بقيت حتى أأكل تلك التمرات فإنها لحياة طويلة" (8)، ومنهم من أنفق ماله إما لعتق نفسه ليلحق بدار الهجرة "ربح البيع يا أبا يحيى" (9) أو في تجهيز الجيوش المقاتلة "لن يضر عثمان شيء بعد اليوم" (10).
وهكذا حقق الصحابة "حتى" فنالوا "لن"، فقال عنهم ربهم سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)﴾ (التوبة).
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه بما أعدَّ لهم من جنات النعيم (11).
فإذا كان السابقون- رضوان الله عليهم- قد تنوع إنفاقهم فكذلك اللاحقون الذين اتبعوهم بإحسان حتى عمَّ نور الإسلام الدنيا، وانتشر خيره وأثره وعظمته، فسعدت بذلك البشرية.
وبعد سنوات من الإنفاق عمَّ خلالها الإسلام، وسيطر بعدله وحريته على الدنيا بأرجائها، وانشغل أتباعه وأبناء تلك الأمة بأنفسهم وملذاتهم وضعف إنفاقهم، وأحبوا الدنيا وكرهوا الجهاد، فضعفت قواتهم وهانوا على عدوهم، فتمزَّقت بلادهم وابتلوا بسفهائهم، وتكالبت عليهم الدنيا، وتحقق فيهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (12).
ووسط هذا الضعف وتلك الفرقة نهض أحد أبناء تلك الأمة الإسلامية؛ ليعيد لأبنائها فلسفة الإنفاق؛ ليعيدوا إليها مجدها، فبيَّن لهم أهمية الإنفاق في حياة الأمم، وكيف أنه هو السبيل الوحيد لمجدها، كما أنه السبيل المضمون- إن شاء الله- لتحقق الترابط بين (لن) و(حتى)، وقدَّم لهم نموذجًا عمليًّا، فأنفق وقته وماله وحياته من أجل هذا الدين، إنه الإمام حسن البنا الذي نهج أتباعه نهجه، وعلموا أن العمل لدين الله ولعودة الإسلام لن يحمله إلا من تعلَّم لغة الإنفاق، فكان منهم من أنفق وقته وراحته من أجل دعوته، ومنهم من أنفق ماله ووظيفته من أجل دعوته، ومنهم من أنفق حريته من أجل دعوته، ومنهم من أنفق حياته من أجل دعوته، وكأنهم ممن قال الله عنهم: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، فانتشرت تلك الدعوة في أرجاء الدنيا، وسُمع للإسلام صوت من خلالها، وأصبحت هي الأمل في لمِّ شتات هذه الأمة، واحتضان أبنائها؛ لإحداث التغيير وعودة الخلافة الإسلامية.
وهناك من يتساءل: مرَّ أكثر من 70 عامًا على تلك الدعوة، وأنفق أتباعها الكثير، ولم نر شيئًا؟!
ويرد على هذا التساؤل بتساؤل آخر: إذا كان أتِباع هذه الدعوة أنفقوا الكثير من أرواحهم وأموالهم وحرياتهم، وأحدثوا تلك الصحوة الإسلامية التي انتشرت، وتنتشر في كثير من البلدان، فماذا أنفقت أنت؟!! أليس هذا الدين دينك وتلك البلد بلدك؟ ألست تبحث عن الجنة كما يبحثون وتتمنى رضا ربك كما يتمنون؟
فليعلم المتسائل وأتباع تلك الدعوة أنه ما ضاع مجد هذه الأمة وتحكم فيها أعداؤها إلا بتكاسل أبنائها عن الإنفاق أو الخوف من الإنفاق.
لذا فكل مسلم ومسلمة طالبًا للجنة أن يسأل نفسه: ماذا أنفقت من أجل دين الله؟ ماذا أنفقت من أجل تلك الأمة الإسلامية؟ ماذا أنفقت من أجل بلدك الحبيب مصر؟.
وأن يكون مثل العملاق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي كان يسأل نفسه: ما تقول يا عمر لربك غدًا؟ وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الجنة إن شاء الله بين (لن) و(حتى).
--------
* الهوامش:
1- قد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصَّلاً قال جابر: قلنا: يا رسول الله علامَ نبايعك؟ قال: "عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ, وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ, وَعَلَى الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ, وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ, لا تَأْخُذْكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ, وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ, تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ, وَلَكُمُ الْجَنَّةُ" (الرحيق المختوم).
2- ومرَّ أنس بن النضر يوم أحد بمن توقَّف عن القتال، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، ثم قال: اللّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعني المشركين- ثم تقدَّم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واه لريح الجنة يا سعد، إني أجدها دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حَتَّى قُتل، فما عُرف حَتَّى عرفته أخته- بعد نهاية المعركة- ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. (الرحيق المختوم).
3- بعث الرسول سبعين من الصحابة لأهل نجد يدعونهم، وأمر عليهم المنذر بن عمرو فساروا حتى نزلوا بئر معونة، ثم بعثوا حرام بن مِلْحَان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيْل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم، قال حرام: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة. (زاد المعاد).
4- قال زيد بن ثابت: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول لك أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، قال له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته. (الرحيق المختوم).
5- التفسير الميسر.
6- تفسير الطبري.
7- قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وأبيه وأمه- وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة, فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول- فيما بلغني- "صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة". (السيرة النبوية لابن كثير).
8- قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة"، وقال وهو يحضهم على القتال: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، وحينئذٍ قال عُمَيْر بن الحُمَام: بَخٍْ بَخٍْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك: "بخٍ بخٍ؟" قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات من قَرَته فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل. (الرحيق المختوم).
9- عندما أراد صهيب الهجرة أرسلت قريشًا في أثره قناصتها فأدركوه، فصاح فيهم قائلاً: يا معشر قريش!.. لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً.. وايم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم..
وإن شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشأني".. وقبلوا أن يأخذوا ماله، فدلهم على المكان الذي خبَّأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، واستأنف صهيب هجرته وأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء، ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللاً "ربح البيع يا أبا يحيى..".
10- في غزوة تبوك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم النفير، وحثَّ الناس على الإنفاق في سبيل الله قال: من جهَّز جيش العسرة فله الجنة (رواه البخاري)، فاستجاب الصحابة لندائه وضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء، فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فانطلق مسرعًا إلى بيته وأخذ ألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكفل بثلاثمائة بعير بكامل عدتها، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بمن فعله وقال: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" (رواه الترمذي).
11- تفسير ابن كثير.
12- تخريج السيوطي عن ثوبان.. حديث صحيح.