انتهى اليوم الثلاثاء الفصل التشريعي التاسع من عمر مجلس الشعب المصري، والذي بدأ أعماله في نوفمبر 2005م؛ ليُسدل الستار على برلمان المشاكل والأزمات، والذي توقَّع له المراقبون بألا يستكمل إلا عامه الأول؛ بسبب وجود معارضة قوية مثَّلتها جماعة الإخوان المسلمين بـ20% من عدد مقاعد البرلمان، ومع نهاية كل دورةٍ برلمانيةٍ كان الحديث يتصاعد عن حلِّ المجلس وإجراء انتخابات جديدة، إلا أنه في النهاية أتمَّ دوراته الخمس ليطوي صفحةً مهمةً في كتاب التاريخ السياسي والرقابي والتشريعي في مصر.

 

هذا المجلس الذي شهد أقوى سقوط للحزب الوطني في انتخابات 2005م، شهد أيضًا بزوغ نجم جماعة الإخوان المسلمين بفوز 88 نائبًا، بخلاف تلاعب الحكومة في نتائج 40 آخرين طبقًا لاعترافات الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء نفسه في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

ولا شك أن هذا المجلس تعرَّض لكثيرٍ من الظلم والتشويه، والسبب الأساسي في ذلك يتحمله طرفان أصيلان؛ الأول فيهما هو الحزب الوطني بأغلبيته الفاسدة الذي تلاعب بمصالح الجماهير وآلامهم فتوالت فضائحهم، والتي كان أخطرها قرارات العلاج على نفقة الدولة، وهي القضية التي تحوَّل فيها سعار الأغلبية الدائم ضد المعارضة إلى نهشٍ ونباحٍ ضد بعضهم البعض، بل وأمام رئيس مجلس الشعب، وفي حضور وزير الدولة للشئون القانونية والبرلمانية ووزير الصحة، وكالوا لبعضهم الاتهامات المخزية ليختموا هذا الفصل التشريعي بكارثةٍ أقل ردٍّ عليها هو استقالتهم أو إقالتهم ليس من مجلس الشعب وإنما من الحياة السياسية والعامة كلها، وهذا بالطبع إن كان حزب الأغلبية الفاسدة يحترم شعبه ويخاف على مصالح وطنه.

 

قضية العلاج على نفقة الدولة سبقتها فضائح أخرى في دفتر الخزي والعار لنواب الوطني؛ منها فضيحة "نائب النقوط" التي اشتهر بها حيدر بغدادي، وتبعه "نواب الآثار" وفضيحة عماد الجلدة، ثم "نائب القمار"، وبالطبع لن ننسى "نائب الرصاص" وصديقه "نائب المظاهرات"، ورغم كل هذه المخازي لم يتم معاقبة نائب منهم بالحرمان من الجلسات، ولو لجلسة واحدة؛ حتى عماد الجلدة والذي كان يتوجب إسقاط عضويته كافأه الحزب على فساده بأن قبل استقالته من المجلس في مخالفةٍ لائحية ودستورية خطيرة.

 

المهازل امتدت من الممارسات إلى التلاعب بمصالح الشعب من خلال تعديلات دستورية مشبوهة، هدفها الأساسي عودة سيطرة النظام الحاكم على صندوق الانتخابات، عندما شعر النظام أن الشعب ليس في صفِّه، وأنه ينتظر الفرصة ليتخلص منه، فتم تعديل المواد 76 و77 و88 ليتم إحكام القبضة والسيطرة على الشعب من خلال تزوير الانتخابات واختيار مَن يكون تحت قبة البرلمان بغاية الدقة، وعدم تكرار تجربة 2005م التي فضحت النظام، بل وحتى عدم تكرار تجربة 2000م التي واربت الباب لقيام انتخابات حرة.

 

الطرف الثاني الشريك في تشويه سمعة هذا البرلمان هي الحكومة نفسها التي تعالت على الشعب، وتحوَّلت من السلطة التنفيذية التي تنفذ الأوامر والتكليفات التي يقررها مجلس الشعب إلى السلطة الآمرة والناهية، وبعد سيطرة رجال الأعمال والمال على الحكومة أصبح شغلها الشاغل هو كيف تُطوِّع البرلمان وأغلبيته لتحقيق مصالح هذه القلة، فجاءت القوانين التي دمَّرت ثروات الشعب الواحد تلو الآخر، وأصبح السيناريو متشابهًا في كلِّ القوانين المهمة وغير المهمة، المعارضة ترفض وقد يصل بها الأمر في بعض الأمور إلى الانسحاب، والأغلبية تمرر لتحصل على الرشاوى والمكافآت.

 

وما يحدث في مشروعات القوانين يتكرر بنفس الإتقان من الأغلبية في الاستجوابات التي كان أضعفها كفيلاً بإسقاط حكومة وليس إقالة وزير.

 

هذان الطرفان الحكومة والأغلبية تعاملوا مع مجلس الشعب بمبدأ الحسنة تخص والسيئة تعم، والحسنة هنا هي الامتيازات التي كان يحصل عليها نواب الأغلبية بطرق مشروعة وغير مشروعة، ومنها الرشاوى الانتخابية التي قدَّمها الحزب بدعمٍ من أمين تنظيمه عند إقرار التعديلات الدستورية، وكذلك الامتيازات التي يحصل عليها نواب الأغلبية من الوزارات والهيئات المختلفة مقابل دعم وزير أو أي مسئولٍ على حساب مصالح الوطن.

 

أما السيئة فهي إظهار البرلمان وكأنه ساحة عراك وسباب واشتباك بين المعارضة أيًّا كان مسماها وبين الأغلبية التي أصبحت حائطَ صد فولاذيًّا لحماية الحكومة؛ مما شوَّه في النهاية صورة المجلس ككل.

 

انتهى مجلس الشعب ليطلق العديدَ من التساؤلات أبرزها؛ هل سيكون للإخوان مكان في برلمان 2010م أم أنها مرة ولن تتكرر، وسيتم استبدال المعارضة اللينة والناعمة، التي تمثلها أحزاب المعارضة التي فشلت في ظلِّ انتخابات شبه حرة بأن تفوز بـ10 مقاعد مجتمعةً؛ سواء كانت أحزابًا تاريخية أو أيديولوجية أو حتى أحزاب مرضي عنها؛ سيتم استبدال هذه المعارضة بالإخوان؟!.

 

وأعتقد أن ملامح الإجابة كانت ظاهرةً في انتخابات مجلس الشورى الماضية إلا أن هناك قاعدة كونية تقول "دوام الحال من المحال".

-----------

* مدير تحرير (إخوان أون لاين).