تعارضت هوية الدولة القومية القطرية مع هوية المجتمع والأمة؛ ما نتج عنه مواجهة أو معركة صامتة بين هويتين، كل منهما ينتشر في مساحات من المجتمع والنظام العام؛ ما يدفع إلى مرحلة مواجهة في نهاية الأمر، فالدولة تحاول تأمين هويتها القومية القطرية، حتى وإن لم تكن قادرة على نشرها، ففي مصر مثلاً، تحاول الدولة تأمين الهوية المصرية القومية المنفصلة عن الهوية العربية والإسلامية، وإن كانت لا تستطيع نشر تلك الهوية على نطاق واسع في المجتمع.

 

كما تستعيد الدولة الهوية العربية والإسلامية عند الضرورة، حتى لا تبدو خارجة بالكامل عنها، فنجد النظام السياسي يحاول تأمين غلبة الهوية القومية القطرية في المجال العام؛ ليجعلها العنوان العام للمجتمع، حتى مع عدم انتشارها في المجتمع؛ ما يدفع لتعضيد تلك الهوية تحت العديد من المبررات.

 

ولعل أهم مبرر للهوية القومية القطرية في مصر، كان إخراج مصر من حالة الحرب مع العدو الصهيوني، على أساس أن المجتمع لم يعد قادرًا على الحرب، ولم يعد الناس قادرين على تحمل تبعات الحرب؛ بهذا بدأ نشر الهوية القومية القطرية على أساس أنها وضع مفروض على المجتمع المصري؛ حتى يتجنب المجتمع المزيد من الحروب، ويتجنب الخسائر الناتجة عن تلك الحروب.

 

لكن المجتمع في المقابل كان يحدِّد هويته من داخله ومن داخل الموروث الحضاري، فينتج الهوية المصرية العربية الإسلامية التي تعبر عن انتمائه للأمة العربية، وانتمائه للأمة الإسلامية، ولم يكن المجتمع محتاجًا لفرض هويته، بل كانت تلك الهوية تنتشر داخله تعبيرًا عن نزوع طبيعي لدى المجتمع نحو هويته التاريخية؛ فاستطاع المجتمع كسب المزيد من الأنصار لتوجهه الحضاري، بدون أن يصطدم بالدولة، فالفكرة تنتشر بين الناس من خلال شبكة العلاقات الاجتماعية، والتي تمثِّل القناة الأساسية في المجتمعات المتدينة المحافظة، ولكن الدولة من جانبها سيطرت على وسائل الإعلام وعلى المؤسسات الأساسية حتى تمنعها من التواصل مع المجتمع، ولكن مع تطور وسائل الإعلام وانتشار الفضائيات والإنترنت، قلَّت قدرة الدولة على السيطرة، وأصبح للمجتمع وسائله الإعلامية البعيدة عن رقابة الدولة، ولكن ظلت شبكة العلاقات الاجتماعية، هي القناة الأساسية لنشر فكر المجتمع.

 

الأرض المحروقة

عمدت الدولة في الكثير من الأحيان إلى تشجيع كل عوامل التحلل من الهوية الحضارية للمجتمع وللأمة، من خلال فتح النوافذ أمام كل الأفكار الوافدة، بصورة أضرت بالمجتمع، وجعلته عرضة لكل الأفكار التي تهدم هويته، ولم تحاول الدولة الوقوف أمام الأفكار الوافدة، بل كانت ترى فيها تأييدًا لموقف الدولة وهويتها العلمانية؛ فكل فكرة متحررة تفيد علمانية الدولة، وتثير الاضطراب في المجتمع، وتجعل المجتمع يشك في هويته، أو يخرج عنها.

 

بالطبع كان التأثير محدودًا وما زال، ولكنه أثمر عن حالة من عدم التوافق على الهوية داخل المجتمع، تزيد أحيانًا وتقل في أحيان أخرى، ومع تأييد الدولة لحالة الخروج على الهوية في وسائل الإعلام أو الأعمال الفنية أو غيرها، أصبحت الدولة تعمل من أجل ضرب الرابطة الاجتماعية المؤيدة للهوية العربية الإسلامية داخل المجتمع، حتى لا تتمدد بأكثر مما تحتمل الدولة، وتلك السياسة تؤدي إلى إضعاف المجتمع وإضعاف روابطه الداخلية، وتعرضه للعديد من الظواهر الوافدة أو الغريبة عليه؛ ما يؤدي إلى ضرب استقرار المجتمع.

 

ولكن المتابع لمسار الدولة في العديد من الدول العربية والإسلامية، يجد أنها لم تهتم بحالة المجتمع، بل دفعت نحو المزيد من الاضطراب في الرؤية والفكر، حتى تضطرب هوية المجتمع، حتى وإن أدى هذا إلى المزيد من الإضعاف للمجتمع، وأدَّى إلى انتشار ظواهر سلبية في المجتمع؛ لذا مرت المجتمعات العربية والإسلامية، بلحظات اضطراب عميق، ودخلت في معارك فكرية، كلها أثرت على المجتمع سلبًا، وأدت إلى تراجع التوافق العام حول هوية المجتمع؛ تلك كانت سياسة الأرض المحروقة، وما زالت، وهي سياسة تتزايد توسعًا، وكأن النظام السياسي الحاكم يحاول ضرب هوية المجتمع، حتى وإن أدَّى هذا إلى المزيد من الظواهر السلبية التي تحطم بنية المجتمع.

 

فهوية المجتمع العربية الإسلامية، أصبحت خطرًا على الدولة؛ ما جعلها تمارس سياسة تسمح بكل ما يشكك المجتمع في هويته، حتى تتخلص من التحدي المتمثل في اختلاف هوية المجتمع عن هوية الدولة.

 

شق وحدة المجتمع

لن تستطيع الدولة البقاء مع تزايد نمو هوية المجتمع المخالفة لعلمانية الدولة وطابعها القومي القطري؛ لذا نجد النظم الحاكمة تبحث عن حلفاء من داخل المجتمع، وتبحث عن شرائح تؤيدها في مواجهة نمو الحالة الإسلامية في المجتمع، ومن خلال البحث عن المصالح التي يمكن أن تربط بعض الفئات بالدولة، يتم سلخ تلك الشرائح أو الفئات عن المجتمع؛ بحيث تصبح تحت سيطرة الدولة، ولا تجد ملاذًا آمنًا لها إلا مع النظام الحاكم، وفي مصر مثلاً، يحاول النظام الحاكم جعل الأقباط فئة وكتلة متجانسة، ويقدِّم نفسه بوصفه الحامي للأقباط، ويعضد توجه الأقباط نحو الهوية المصرية القومية الخالصة؛ لأن هذا الاتجاه يمثل سندًا له، فكلما أصبحت الجماعة القبطية خارجة عن الهوية العربية والإسلامية، أصبحت نصيرًا للدولة القومية القطرية، ونصيرًا للنظام الحاكم، ورغم أن هذا التوجه من قِبل الأقباط يشق صف المجتمع، إلا إن الدولة ترحب بهذا التوجه، لأنه يوفِّر لها كتلة بشرية مساندة لها، كما يوفر لها مبررًا لمواجهة الهوية العربية الإسلامية المنتشرة في المجتمع.

 

وكذلك تبحث الدولة عن الفئات المتغربة، والتي تأثرت بنمط الحياة الغربي، كما تبحث عن بعض الفئات الثرية، ولا نقول كلها، لتشكل منها فئة تنتمي للحداثة الغربية، أي شريحة علمانية ليبرالية، وتقوم الدولة بحماية تلك الفئة، وتقديم نفسها كحامٍ وحيد لها في مواجهة الهوية الإسلامية المنتشرة في المجتمع؛ ما يعمق أكثر حالة التفكك في المجتمع، ولكن تلك الحالة من التفكك تفيد الدولة.

 

فإذا حدث توافق بين المسلمين والمسيحيين مثلاً، حول الهوية العربية الإسلامية الجامعة، باعتبارها الإطار العام الجامع لكل الهويات الفرعية، فإن هذا سيؤدي إلى مزيد من التماسك الاجتماعي، كما يؤدي إلى تقوية شبكة العلاقات الاجتماعية؛ ما يجعل المجتمع أكثر قوة، وبالتالي يجعله أكثر قدرة على مواجهة الدولة والنظام الحاكم في لحظة ما، لذا فإن سيطرة الدولة القومية العلمانية تعتمد على تفكيك المجتمع، ولا تعتمد على وحدة الجماعة الوطنية؛ لأن تحقيق وحدة الجماعة الوطنية، يؤدي إلى حدوث توافق على الهوية الجامعة، بدون أي جور على الهويات الفرعية؛ ما يشكل وحدة المجتمع وتوافقه على هويته، وفي هذه الحالة لن يكون للدولة أسس تستند إليها أو مبررات تعتمد عليها.

 

المجتمع يخترق الدولة

الملاحظ لمسيرة استعادة المجتمعات العربية والإسلامية لهويتها، يلحظ حالة التوسع التدريجي المستمر داخل المجتمع، للهوية المتفق عليها، فرغم كل الضغوط التي يمارسها النظام الحاكم، سنجد أن المجتمعات تزداد تمسكًا بهويتها، ولكنها لا تواجه الدولة بتلك الهوية، بل تعتبرها شأنًا اجتماعيًّا خاصًّا، وتبني المجتمع على تلك الهوية، وتعضدها بشبكة العلاقات الاجتماعية.

 

نقصد من ذلك أن العلاقات الاجتماعية، تمثل وسيلة الترابط في المجتمعات العربية والإسلامية؛ حيث تنتقل الأفكار والرؤى والمواقف عبر شبكة العلاقات الاجتماعية، أكثر من أي وسيلة أخرى، ومن خلال شبكة العلاقات، يكون المجتمع موقفه ووجهة نظره، بعيدًا عن أية تأثيرات تأتيه من خارجه؛ لذا نجد أن شبكة العلاقات الاجتماعية أكثر قدرة على تشكيل الرأي العام من أي وسيلة إعلامية، أو من أي مؤسسة رسمية.

 

ومن خلال قوة العلاقات الاجتماعية، ومن خلال أدوات المجتمع في الضبط الاجتماعي، يتم نشر نمط حياة، أو أنماط تشترك في مرجعيتها العامة؛ وبهذا يتوسع المجتمع في نشر الهوية التي اختارها رغمًا عن إرادة الدولة.

 

ومع الانتشار الواسع لهوية المجتمع، تنتشر هذه الهوية داخل الدولة نفسها، من خلال العاملين في الدولة، فالدولة تمثل نظامًا وجهازًا إداريًّا، وعمادها الأساسي هو كتلة العاملين فيها.

 

ومن خلال انتشار الهوية الإسلامية في المجتمع، تخترق تلك الهوية الدولة تدريجيًّا، حتى تصبح المؤسسات الحكومية نفسها متأثرة بالهوية الإسلامية رغمًا عنها، من خلال التمدد الطبيعي البشري.

 

والمجتمع يتحرك في هذا الاتجاه بدافع تلقائي؛ لأن الهوية التي تنتشر في المجتمع تتوسع داخل شبكة العلاقات الاجتماعية بتلقائية؛ ما يجعلها تصل إلى مختلف شرائح ومكونات المجتمع، وتعطي للمجتمع هويته النهائية.

 

السيطرة على قيادة الدولة

يُلاحظ، خاصة في الدولة المصرية، وهي بناء إداري مترامي الأطراف ويصعب السيطرة عليه؛ أن النظام الحاكم لجأ إلى وسيلة مهمة حتى يبقي الدولة تحت سيطرته، وهي السيطرة على كل المواقع القيادية، فتم إلغاء أي قواعد موضوعية للوصول إلى مواقع القيادة في مختلف أجهزة الدولة، بما فيها الأجهزة العسكرية والأمنية، حتى تبقى مواقع القيادة تحت سيطرة النخبة الحاكمة، وحدث هذا نظرًا لرغبة الطبقة الحاكمة في فرض هيمنتها السياسية الكاملة، ولكنه حدث أيضًا، حتى لا تتسرب توجهات المجتمع إلى المراكز العليا في الدولة، وحتى تبقي الدولة تلك المراكز تحت الهيمنة المباشرة للطبقة الحاكمة، فتختار من يؤيد توجهاتها، ويصبح جزءًا من شبكة المصالح الحاكمة.

 

لقد استطاعت الطبقة الحاكمة وقف الترقي الطبيعي، والذي كان يؤدي إلى وصول قيادات وطنية إلى المراكز القيادية، ونعني بها القيادات التي تتبنى ثوابت المجتمع؛ ولكن الدولة لم تستطع السيطرة على بقية جهاز الدولة، واكتفت بالسيطرة على الطبقة الإدارية العليا في جهاز الدولة؛ وهو ما يعزز بقاء هيمنة الدولة على الهوية الرسمية، في مقابل فشلها في التغلغل داخل الهوية الاجتماعية للمجتمع.

 

بين شبكتين

الملاحظ في العديد من البلدان العربية والإسلامية هو تشكل شبكة العلاقات الاجتماعية، والتي تمثل الرابط الأصيل داخل المجتمعات، وفي المقابل تتشكل شبكة المصالح الحاكمة، وشبكة المصالح محدودة العدد، ولكنها تملك مفاتيح السلطة والثروة، وفي المقابل نجد أن شبكة العلاقات الاجتماعية واسعة الانتشار، وتملك إمكانيات هائلة، ولكنها لا تملك مفاتيح السلطة، وبين الشبكتين تحدث تداخلات لا يستطيع أحد السيطرة عليها، خاصةً أن شبكة العلاقات الاجتماعية تتمدد في كل اتجاه؛ ما يجعلها تدخل إلى أطراف شبكة المصالح أحيانًا، ولكن كل شبكة أصبحت تمثل كتلة، فشبكة العلاقات الاجتماعية تمثل أغلبية المجتمع، وشبكة المصالح تمثل طبقة الحكم، وبهذا يحدث انفصال تدريجي بين تلك الشبكات؛ مما يحدث فرزًا في المجتمع، بين الفئات المنتمية للمجتمع وهويته، وبين الشريحة المنتمية لطبقة الحكم وشبكة المصالح.

 

والمواجهة بين الطرفين، تحدث في صمت، فكل طرف له توجهاته التي ينشرها، وشبكة المصالح الحاكمة تحاول تجنب المواجهة المباشرة مع المجتمع، كما يحاول المجتمع تجنب المواجهة المباشرة مع الحكم أيضًا، ولكن المواجهة بينهما مستمرة، فالطبقة الحاكمة تريد تأكيد سيطرتها على الدولة والمجتمع وعلى الهوية العامة، والمجتمع في المقابل يحاول تأكيد هويته بصورة قاطعة، حتى يفرز الطبقة الحاكمة خارجه، فتبدو فئة خارجة على المجتمع؛ ما يسقط شرعيتها نظريًّا أولاً، ثم عمليًّا، فهي معركة صامتة، يستخدم فيها المجتمع قوة روابطه الاجتماعية، وتستخدم فيها الطبقة الحاكمة قوة أدوات الدولة.

 

بث الانحلال

يمكن ملاحظة مدى تشدد الدولة تجاه الحركة الإسلامية، ومدى مرونتها تجاه بعض مظاهر الانحلال، فالطبقة الحاكمة ومعها النخب العلمانية المتحالفة معها، ترى أحيانًا أن انتشار الانحلال في المجتمع يساعد على ضرب هويته العربية الإسلامية، ويمهِّد لعلمنة المجتمع؛ وبهذا يرد النظام الحاكم على تمدد الهوية الإسلامية في المجتمع، ويحاول وقف تمدد التدين، بفتح المجال أمام بعض مظاهر التحرر أو الانحلال، نجد ذلك واضحًا في التسامح مع الأعمال الفنية أو الإعلامية التي تفتح الباب أمام التحرر الأخلاقي، في مقابل تشدد النظام أمام أي عمل منظم لنشر القيم الدينية في المجتمع.

 

فالخلاف في الهوية جعل الطبقة الحاكمة في مواجهة مع التدين؛ لأن الهوية العربية الإسلامية مبنية أساسًا على التدين؛ ما جعل انتشار التدين انتشارًا للهوية الإسلامية في المجتمع، وهنا أصبحت الدولة في بعض المواقف تشعر بخطر انتشار التدين في المجتمع؛ لأنه ينشر الهوية الإسلامية، ولا ينشر الهوية القومية القطرية العلمانية، فتتحول المواجهة إلى مواجهة بين علمانية الدولة، وتدين المجتمع، ويزداد مأزق الدولة، عندما تضطر إلى مواجهة ظاهرة التدين، وتتخاذل في مواجهة أية ظاهرة انحلال.

 

والمجتمع يرد

الملاحظ أن المجتمع له العديد من الوسائل للرد على ما يحدث على مستوى الدولة، فهو يرد أحيانًا بالتشدد، وينشر قواعد أكثر صرامة للحفاظ على الهوية والتدين، حتى يوقف موجات العلمنة والتغريب، ويرد المجتمع بوضع قواعد ظاهرة للتدين، يراها البعض تدينًا شكليًّا، ولكنها في الواقع إظهار للتدين بصورة خارجية؛ ما يجعل الهوية حاضرة أمام الجميع، وتتحدى هوية الدولة، وبهذا يتشكل في المجتمع نمطًا يظهر الهوية بصورة تتحدى هوية الدولة، فيؤكد المجتمع هويته الإسلامية؛ ما يجعل الدولة تظهر في صورة علمانية لا دينية، مما يجعلها خارجة عن المجتمع وهويته، وبهذا يتم حصار الدولة حصارًا صامتًا.

 

والمجتمع يستخدم نفس منهج الحركة الإسلامية، فهو يقوم بالبناء من أسفل، في حين أن الدولة تفرض هويتها من أعلى؛ ما يجعل البناء المجتمعي يتقدم تدريجيًّا، حتى يصل إلى حدود البناء الرسمي الذي تسيطر عليه الدولة، وهنا تبدأ مرحلة المواجهة، التي قد لا تكون صامتة؛ فعندما يكمل المجتمع تشكيل هويته تصبح الدولة واقعة تحت تأثير ضغوط المجتمع، فإما تخضع الدولة للمجتمع، أو تدخل في مواجهة مباشرة معه.

 

فالدولة تملك أدوات القوة، وهذا سبب قدرتها على البقاء، أما المجتمع فيسيطر على القاعدة، حتى باتت الدولة بلا قاعدة تستند لها.. وهكذا يتغير تدريجيًّا الفرق بين قوة كل طرف، فالدولة غير قادرة على تنمية قوتها بدعم اجتماعي معتبر، والمجتمع ينمي قوته بالهيمنة الاجتماعية الشاملة، وتستمر المعركة صامتة، حتى تأتي لحظة وتصبح معركة صاخبة.