للتاريخ.. ليست قضية خالد سعيد هي القصة الأكثر بشاعةً في وجه مصر المأزومة، هي فصل مأساوي أنصفته تقنيات الاتصال الجماهيري الحديثة، التي لم تدرك غيره من الفصول.. في مثل هذه الأيام منذ عامين تقريبًا لفت انتباهي جريمتان وقعتا بمحافظة الدقهلية:
في الأولى: قاد المواطن/ عصام عبد الرحمن عملية الرفض لتركيب شبكة محمول في المنطقة التي يقطن بها، وتكلم مع الضابط- ربما- بغلظة ناتجة عن الجهل بشخصه، لكنه حينما علم أنه ضابط اعتذر، بل وأصرَّ أن يُقبِّل رأسه، لكن الشرطي رفض، وبعد ساعات اختفى المواطن، ووصلت رسالة لأهلة مفادها (أنه في السجن لكي تتم تربيته، فألزموا الهدوء حتى يخرج إليكم)، لكن: لم يرَ أفراد الأسرة عائلهم بعد تربيته إلا جثة هامدة عليها آثار تعذيب مع تقرير طبي (متطور) نوعًا ما يؤكد أنه مات غريقًا في نهر النيل.
فقد كانت حالات القتل تتم في الماضي تحت غطاء الأزمات القلبية التي تقبع على جدران مخافر الشرطة لتنقض على المواطنين المارقين لتأديبهم جنبًا إلى جنب مع الركلات والصفعات!!
في الثانية: الصياد (أحمد فياض) ضربه أمين شرطة بحبل غليظ لأنه رفض الاستسلام لمهاتراته فسقط في البحر يصارع الموت أمام أعين القاتل الذي منع ابن عمه من إنقاذه!! حتى مات تاركًا أربعةً من الأبناء- أكبرهم في السادسة من عمره- في صراعٍ مع هذا الوطن القاسي.
وفي مثل هذه الأيام أيضًا منذ ثلاثة أعوام تقريبًا شاهدت مصر صورة نصر أحمد عبد الله (37 عامًا) الشهير بنصر الصعيدي، كان نصر ممددًا في أحدِ المستشفيات عاري الصدر مغشيًا عليه، وأنبوب المحاليل يحيط به..
نصر (نجار بقرية تلبانة بالدقهلية)، ذكرت الصحف: "أنه استمع ظهر يوم 31 يوليو لاستغاثة بنات أخيه فذهب مسرعًا لنجدتهن. فوجد قوةً من الشرطة تعتدي عليهن بالضرب ليعترفن بمكان عائلهن.. لم يتحدث النجارُ الضعيف إليهم كثيرًا، فَهِشموُا رأسه بعمود الإنارة، وقالوا لأمه (هذا سيموت) إن لم يسلم أخوه نفسه! وضُربت الأم أيضًا لاعتراضها على ما حدث، على اعتبار أنها تدخلت فيما لا يعنيها!
ذهب المحامي إلى قسم الشرطة للاطمئنان على المصاب فوجده ينزف، طلب من المأمور تركه فقال: هو ابن (....) لسه بيمثل؟؟ وضربه بقدمه في صدره، لكن الأهالي دخلوا إلى القسم وحملوه عُنوة، وذهبوا به إلى المستشفى- الذي لم يلبث أن- توفي فيه.. رفضت الأم أخذ العزاء وأرسلت إلى أهلها في (بني مر) مركز أسيوط تطالبهم بالثأر من قتلة ابنها، حاول بعض أعضاء مجلسي الشعب والشورى من الحزب الوطني التدخل للضغط على الأسرة وإقناعها بقبول "الدية" من الضابط، وتعهد النواب لمحامي الأسرة بأن يقدم الضابط، طلبًا لنقله من مركز المنصورة. فرفضت الأسرة التفاوض وقالوا: "لا نقبل الدية في قتيل.. لأن الله شَرع الدية في القتل الخطأ وليس في القتل العمد".
وأكدت فاطمة عبد الرشيد، والدة "نصر"، أن مَن يجرؤ على قبول الدية في ابنها، سيكون مصيره القتل بدلاً من الضابط.. الذي حكمت المحكمة عليه وعلى أميني شرطة معه بالسجن لمدة سبعِ سنوات، ونال الغفير ثلاث سنوات.. وهو الحكم الذي أيدته محكمة النقض.
وصفت والدة نصر الحكم بأنه سماوي، وقالت إن ابنها شهيد، وأنه دفع حياته ثمنًا لبلطجة المجرمين من رجال الشرطة الذين يتجبرون على الناس، وأكدت (في بَلاغة فطرية) أنها اختارت لبس الثوب الذي صممته الحكومة، ولم تأخذ الثأر قبل النطق بالحكم، وتلقت الأسرة عزاء ابنها أمام المحكمة!!
فصول قصة نصر تكررت حرفيًّا مع جمعة الدهشوري قتيل الفيوم الذي مكثت جثته في ثلاجةِ المستشفى 250 يومًا قبل أن تدفن مع إدانة الضابط القاتل!!
ومع القتل تتكرر عمليات الاختفاء القسري التي تنتشر وتتنوع بشكل مرعب.
أيام ثقيلة تمر، تتبعها أسابيع وأشهر, وأسر كاملة تفترش الشوارع في انتظار أخبار طارئة عن شباب يواجه المجهول بيد زبانية النظام..
تلد الأمهات أبناء، ويكد الآباء المناضلون- الذين أضاعوا زهرة حياتهم خدمًا في بلاط النظام الديكتاتوري- لتربية أبنائهم حتى إذا ما أصبحوا رجالاً قتلهم الضباط وأمناء الشرطة والمخبرون بدم بارد.
بأي حق؟
ما الذي أعطته لنا الحكومات المتتالية المترنحة بالفشل أصلاً غير الفقر والجوع والعطش والمرض لتسلبه منا أرواحًا وشبابًا ودماءً، وتعطينا بدلاً منه يتمًا وظلمًا وثكلاً واغترابًا؟؟
لماذا لا يلتفت المسئولون في هذا البلد لتلك القضية المفصلية (روح الإنسان وكرامته)؟؟
ألم تأت في برنامج الرئيس كواحدة من أهم أولوياته؟؟
يقف مسئول في لجنة السياسات ليقول: (إننا نسابق الخطى لبناء ألف مصنع كما جاء في برنامج الرئيس)!! ويتحدى وزير الإسكان: (إذا لم ابن 500 ألف مسكن كما جاء في برنامج الرئيس سأضع رأسي على التربيزة)!!
لماذا لا يقول مسئول كبير على وزنهم (أنقذنا ألف رأس آدمية من القتل بدون وجه حق، وأنقذنا عشرات الآلاف من الانتهاك والتعذيب امتثالاً لبرنامج الرئيس)؟؟
ومن سيعمر آلاف المساكن، ويعمل في مئات المصانع، وبعض العناصر الفاسدة في جهاز الشرطة ترسل الكثيرين من الشباب الشرفاء في عمر الحيوية والنشاط إلى ظلمة القبر حيث الخمود والسكينة!!
ألا يعتبر هؤلاء متآمرين على الرئيس وبرنامجه؟!
لا بد من وقفة لتفعيل مناهضة جرائم التعذيب والوقوف مع المستضعفين للحصول على حقوقهم كاملة، فلن تصبر غالبية الشعب على تلك المظالم الغبية ألف عام آخر حتى يهتم الرئيس "بأرواح مواطنيه" واهتمامه أمر، وستتولد لديهم دوافع للثورة والطموح.
وإذا لم تكن هناك أوامر مباشرة بإجراءات لتفعيل ضمانات حقوق الإنسان ومنع انتهاكه وتعذيبه وقتله وتزوير إرادته، وإقامة نظام ديمقراطي سليم يحترم المواطن ويعزز ثقته بنفسه, ويفصل بين السلطات، ويغلب المصالح العامة، ويحترم أحكام القضاء ويهيئ مناخات الإنتاج والإبداع والمنافسة، ويحدد سلطات رئيس الدولة حتى يشعر بأنه إنسان وليس حاكمًا إلهًا معصومًا منزهًا عن الخطأ والزلل، فلن تكون هناك محفزات لإقامة مجتمعات مدنية قوية تتضاءل أمامها فرص نشأة جماعات العنف ومخاطر الإرهاب، والثورات والفوضى، بل ولن تكون هناك حاجة للحديث عن استكمال برنامج الرئيس، كما ستتلاشى أيضًا فرص التوريث.
لو تعرض أحد أفراد أسرة محمد علي إبراهيم حاكم جريدة (الجمهورية)- بأمر فوقي- للقتل والتشويه في الشارع بدون وجه حق، لما هاجم خالد سعيد ونال من شرفه وكرامته قتيلاً، ولو كانت هناك ظروف طبيعية في هذا البلد لما اعتلى إبراهيم مكان الصدارة في أي صحيفة قومية أو محلية، ولما خط حرفًا واحدًا في ورقة مطبوعة، فجفافه الفكري يمنعه.
ولو تعرض أحد أفراد أسرة د. مفيد شهاب لمثل هذا المصاب لما تغزل في الطوارئ، ولقال كلمة حق، ما سمعناها منه على مدار عقود!
ما يحدث حالات غير مسبوقة من الانتهاكات، تشير إلى تطور سلبي مذهل، في إدراك الأمن لحدود دوره في المجتمع، وانتقاله من دور مانع الجريمة وضابط النظام إلى دور المحرض على الجريمة والدافع للخروج على النظام.
لقد نقلت وسائل الإعلام رغبة طفلة في السابعة في قتل رجال الشرطة، كما تظاهر آخرون بعنف.
إن النظام لا يلاحظ مثل هذه المؤشرات، ولا يتوقف عندها بما فيه الكفاية، ليستفسر عن مغزى تحرك كتل جماهيرية بشكل جماعي لفرض مطالبها بالقوة.
يظن البعض أن ضباط وأمناء الشرطة، لا يمكنهم ممارسة عمل بهذا الفجور والتجبر دون استناد إلى تعليمات عليا، أعتقد أنه لا يمكن أن تصدر أوامر مباشرة بذلك، لكن التستر على مثل هذه الجرائم، وتوفير الحماية للقاتل، والاستهانة بأرواح القتلى وعائلاتهم وأسرهم، تدفع في اتجاه تحفيزي لتكرارها.
وفي النهاية أشير إلى أن العلاقة غير الشرعية بين جهاز الشرطة والنظام الحاكم، أعادت توصيف الجهاز الأمني من جهاز يفترض أن يحمي الأمن، ويحمي الشرعية في مجملها، إلى جهاز يحمي شرعية النظام الموجود (المتآكلة أصلاً) بتزوير الانتخابات، والتضييق على المعارضين، والانتهاكات والقمع، بما يضمن فرضها قهرًا، واختزالها فيمن هو موجود، وتوريثها لامتداده الطبيعي بالنسب أو السياسات.
ربما كان النظام عديم القيم، والذي يفتقد محددات الضبط الأخلاقي، ويلتزم بمعايير المصالح، هو المسئول عما يحدث في المقام الأول، وربما كان الجهاز الأمني ضحية كالمجتمع الذي يعاني، فالنظام الضاغط توسع في تقسيم الشعب إلى ضحايا وجناة، يمتلك كل فصيل منهم أدوات تسند عملية توصيفه، كما احترف عملية تأزيم العلاقات والتفتيت المجتمعي والقيمي، وإشاعة أجواء الفوضى التي تضمن بقاءه- رغم مخاطرها-.
وفي هذه الأحوال الكل سيأخذ دنيويًّا جزءًا من ضريبة الواقع قهرًا، يتساوون في ذلك، وفي الآخرة تختلف الموازين، بما يجعل الجاني يصرخ فزعًا ويتمنى لو كانت الأدوار تبدلت، وكان هو القتيل.