يبدو أن بداية الانهيار الحقيقي لمصر الحديثة بدأت بشكل فعلي ومتسارع عقب توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" التي روجوا لها باسم اتفاقية السلام، بينما هي في الحقيقة اتفاقية للاستسلام، وقد شارك في إثمها كل من مهَّد لها، ودافع عنها، ووقَّعها وروَّج لها وحرسها، وبرَّر لها في عهدي السادات ومبارك!.

 

وكان من شروط الكيان الصهيوني والراعي الأمريكي لتوقيع الاتفاق وجود كيان مؤسسي يحميها ويلتزم بها!! وهنا بدأت فكرة الأحزاب السياسية وإنشاء الحزب الوطني الذي لم يوفق أوضاعه القانونية- حتى الآن- طبقًا لقانون الأحزاب، بعد أن ورث حزب مصر في لحظات!

 

لذا كان من أهم شروط قبول إنشاء أي حزب في قانون الأحزاب الاعتراف باتفاقيات كامب ديفيد! وعدم معارضتها؛ لما بدا لحكام المعاهدة أن هناك رفضًا شعبيًّا للاتفاقية، كان ولا بد من وضع رؤية مستقبلية لحمايتها برعاية صهيونية ورضا أمريكي!!

 

وكان القرار هو الاستمرار في حكم البلاد بأي ثمن؛ لذا نزعت الصلاحيات من كل صاحب اختصاص حتى أصبح الوزراء سكرتارية!!! ومنحت صلاحيات بلا حدود للقوات الأمنية لضمان حماية الحاكم وحاشيته صمام الأمان لتحقيق المصالح الصهيونية الأمريكية!! حتى تحولت مصر إلى دولة بوليسية بامتياز، ولم يعد هناك لزوم لدستور أو قانون! فأوقع نفسه في كمين أو قل غرفة "عناية مركزة" تبقي حياته ما بقيت الطوارئ واستمر التزوير!

 

وهنا ندرك أن أية محاولة لوقف التزوير أو إلغاء حالة الطوارئ في وجود مبارك وحزبه هي محاولات فاشلة لن تثمر عن أية نتيجة في ظل الموافقة الصهيونية والرضا الأمريكي!!!! وفي ظل هذه المنظومة صار للكامب أبناء مخلصون يدافعون عنه ليل نهار، واتفقوا على أن الحديث مجرد الحديث عن الاتفاقية من بعيد أو قريب؛ معناه إعلان الحرب "وإحنا مش قدها"!! تلاعبًا بمشاعر المصريين المحبين للسلام وكذبًا لاستمرار حكمهم الذي أهان المصريين وأذلهم، كما لم يفعل نظام حكم مرَّ على مصر منذ مئات السنين!

 

وهنا كان لا بد من التفرقة بين المخلصين للحزب واتفاقياته وبين المناوئين أو العاديين من أبناء الشعب المصري؛ فظهرت كل أشكال التمييز في التعيينات والترقيات والترشيحات والانتخابات والاستثمارات وتمزقت مصر بين أبنائها في صراع صنعه حزب وأولاد الكامب؛ لينشغل الشعب كل منهما بالآخر، وتبقى إدارة مصر وامتلاك مقدراتها في أيديهم وحدهم دون مشاركة من أصحاب البلد الأصليين!

 

ونجح النظام في حماية نفسه بعدما نجح في ربط مصالح القائمين على الحماية ببقاء النظام، وأصبحت حماية ولاد الكامب تعني استمرار مزايا أركان الدولة البوليسية!

 

وهنا لم يعد لمصري كرامة في وطنه بعد أن ضاعت حقوقه، ولم يعد الشعب المصري مصدرًا للشرعية بعد إلغاء العقد بينه وبين حكامه بالطوارئ والتزوير! عندها تعودت أسماعنا على أخبار القتل والسحل والتعذيب والاعتقال قبل الانتخابات وأثنائها وبعدها وأيضًا في غيرها في أقسام الشرطة والسجون وفي الشوارع مثلما حدث مؤخرًا مع الشاب خالد سعيد "شهيد الطوارئ" بل قل "شهيد الكامب"! وغيره عشرات لا مجال لذكر أسمائهم؛ لأن هناك غيرهم بالمئات لا نعلم عنهم شيئًا، إيثارًا للسلامة في دولة سرقت من أبنائها، وحان وقت عودتها مهما كانت الكلفة! المطلوب فقط وعي بخطورة استمرار "دولة الكامب" وبقاء "أولاد الكامب" في أماكنهم، ثم إصرار على رفض الواقع ومقاومته، ولن نلقى أسوأ مما نحن فيه!!

 

والأهم وحدة الصف لأبناء مصر على كافة اتجاهاتهم ومشاربهم على هدف واحد، تبدأ بعده مسيرة الحرية والعدالة والتنمية لمصر والمصريين؛ وهو التخلص من "ولاد الكامب"؟

 

وقد بدأت بفضل الله بوادر الخلاص بحركة الشباب المصري- بكل اتجاهاته- بغضبه ورفضه للأمر الواقع بعد أن بلغ الظلم المدى؛ نتيجة لغباء وخيانة ولاد الكامب التي تبدى طوال الثلاثين عامًا في الركوع أمام الكيان الصهيوني والحليف الأمريكي، بينما ظهر من قال لا ورفض الهيمنة الصهيونية، بدءًا من حماس المحاصرة حتى تركيا القوية القادرة التي فضحت ضعف "نظام الكامب" في حماية الأمن القومي المصري في الشمال والجنوب! فحذار من التراجع عن فضح النظام ومقاومته، فالأمر يحتاج كما أوضحنا وعيًا وإرادة وإدارة وطول نفس! فلا حل إلا بإنهاء حكم "ولاد الكامب"!!

----------------

g.hishmat@gmail.com