واهمٌ مَن يتصور أن المحامين في مصر من أسوان إلى السلُّوم يُضربون عن العمل أمام المحاكم؛ لأن إيهاب ساعي الدين، ومصطفى فتوح، قد حُبسا؛ لأن الأول ضرب أحد وكلاء النائب العام..... هذا غير صحيح تمامًا، فهناك العشرات من المحامين محبوسون أو مسجونون على ذمة عدة قضايا، ولم يحرك أحد ساكنًا، ولم يتظاهر أحد، ولم يُضرب أحد، ولم يجتمع مجلس النقابة العامة، ولا مجالس النقابات الفرعية؛ من أجل إخراجهم من محبسهم..

 

إذًا السؤال، ما الجديد، لماذا كل هذا الغضب الذي لم يُسبق له مثيل في تاريخ النقابة، إلا في حادثة المرحوم عبد الحارث مدني سنة 1995م، عندما تظاهر مجلس النقابة العامة، وحاول مع جمعيته العمومية الخروج في مسيرة لرئاسة الجمهورية، فكان ضرب المسيرة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي، وتمَّ القبض على بعض المحامين.... إلى آخر ما تمَّ من إجراءات؛ أعلن على أثرها أمين عام النقابة- ذلك الحين- الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا الإضراب العام، حتى يخرج جميع من اعتقلوا، وحتى يُحقق في القضية، ويُعرف ما سبب موت المحامي عبد الحارث مدني، ورغم تشابه الإجراءات إلا أن الظرف هنا مختلف.

 

1- فالخلاف السابق كان مع الداخلية التي كان يُعتقد أنها سبب وفاة عبد الحارث مدني تحت التعذيب؛ ولذا كانت النقابة والمحامون يطالبون بفتح تحقيق مستقل في الوقعة.

 

2- الظرف السياسي وثقافة التظاهر السلمي لم يكن مسموح بهما في حينه، للظروف السياسية والأمنية قريبة العهد بقضايا الإرهاب، والمخاض الأول إنذار كاذب، كما أُسمِّيه، للتحول السياسي نحو الخطوة الأولى للديمقراطية النابعة من محاولات بعض الأحزاب ذات الجماهيرية في ذلك الوقت، والقوى السياسية الأخرى.

 

وبالفعل نُفِّذ الإضراب العام لأول مرة في تاريخ المحاماة الحديث، حتى تمَّت الاستجابة لمطالب المحامين؛ بالإفراج عن المعتقلين، والبدء في فتح التحقيق في الوقعة.

 

إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانوا لا يتظاهرون ويُضْرِبون للإفراج عن الزميلين، فماذا يريد إذًا المحامون بكافة انتماءاتهم وتوجهاتهم ومجلسهم المنتخب؟

 

أولاً: يريد المحامون العدالة التي ذُبحت مع سبق الإصرار والترصد في إجراءات انتقامية تعسفية من جانب السلطة القضائية، ممثلة في تحقيقٍ مع المحامي في شكواه ضد وكيل النائب العام، وتقديم مدير النيابة لمذكرة وبعض زملائه تتضمن شكوى مضادة لشكوى المحامي، فيتم عرض الأمر مجتزئًا على النائب العام مظهرًا جزءًا من الحقيقة، ومخفيًا الجزء الآخر، والذي كان سببًا في المشكلة، وهو اعتداء وكيل النيابة هو وحرسه على المحامي، ويتم تسطير الأوراق من جديد؛ لتقول النيابة ما تريد، مستعينةً بشهود أبقتها بالنيابة لمدة 12 ساعة أو أكثر؛ لتستعين بهم؛ لتأييد وجهة نظرها، وهذا حقها كخصم في الشكوى.

 

ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلا يستقيم أن يصدر ممن جعل نفسه في موطن الخصم، أن يحقق هو ويُصدر أمرًا بالحبس ضد خصمه، ويحيل الدعوى لجلسة عاجلة في إجراءات انتقامية، لم يسبق أن شهدت ساحة القضاء لها مثيلاً، وهذه الإجراءات الاستثنائية إنما تؤكد خصومة النيابة، وعدم جواز ما اتخذته من إجراءات.

 

ورغم أني قد شرحت للسيد المستشار النائب العام حقيقة الوقعة، كما سمعتها من رجال النيابة والمحامين والشرطة، وحضرت التحقيقات وتناقشت مع المحاميين بما يشبه التحقيق؛ للوقوف على حقيقة الوقعة، وطلبتُ من سيادته حضور النقيب العام ونقيب المحامين بالغربية، وعدد من المستشارين نواب النائب العام لتحقيق العدالة على الجميع من المحامي المعتدي، ومن قبلهما وكيل النائب العام ومساعدي الشرطة المعتدين على المحامي، وهو مطمئن البال مستريح الضمير تمامًا، لحدوث الوقعة، وألا نستجيب لطلبات الوكلاء والقضاة، بالانتقام دون نظر للعدالة.

 

والعجيب أن النائب العام وعلى غير عادته التي نفخر بها جميعًا في تحقيق كل الوقائع والوقوف الدائم في جانب المظلوم لا ندري لماذا هذا الموقف في تلك القضية؟ والتي تسارعت أحداثها بشكلٍ درامي، وتطورت حتى قاربت في بعض الأحيان لعدم السيطرة على ردود الأفعال الغاضبة من بعض المحامين، والتي تخرج عن أصول وآداب تلك المهنة "الرسالة".

 

واستكمل القضاء الصورة الانتقامية وسط تصعيد إعلامي غريب على القضاء، ومنتقصًا من استقلاله، إذ إن اللُّوذ بالإعلام والاحتكام لرجل الشارع والجمهور على حد قول المستشار الزند رئيس نادي القضاة لا شك أنها تنتقص من هيبة القضاء واستقلاله وتشكك في حيدته، فلا يجوز لرئيس نادي القضاة أن يشرح سبب حكم القاضي الغريب في وسائل الإعلام، ويدافع عنه إلا إذا كان يعلم أنه إجراء استثنائي، وغريب على العدالة، وذلك بالضبط ما حدث، ولا أريد أن أعلق على حكم قضائي، ولا أن نتناوله، ولكن نقول إنه لم تتحقق معه أدنى صور العدالة.

 

ثانيًّا: يريد المحامون الحفاظ الكامل على استقلال القضاء كسلطة ثالثة في دولة المؤسسات، وعلى هيبته وكرامته فهي الضمانة الحالية الوحيدة لاستقلال هذا البلد عن كل صور الظلم، أو التبعية لأي فرد أو هيئه تتصور أنها فوق القانون، ولذا فأولى الناس بذلك هم رجال القضاء أنفسهم، وما كان من وقفة نقابة المحامين مع نادي القضاة في أزمتهم إلا قناعةً منَّا بضرورة مساندة القضاء الواقف للقضاء الجالس، في تحقيق استقلاليته وعدم تغوُّل أي سلطة أخرى عليه.

 

ثالثًا: يريد المحامون ومجلس النقابة القضاء على أسباب الأزمة، بمعنى (علاج المرض وليس العرض)، فإذا بقيّ المرض ولم يُعالج، سنجد أنفسنا بعد شهر أو عام في أزمة مماثلة، لا يعلم مداها إلا الله؛ ولذا وجب على الجميع قضاة ونيابة ومحامين أن يجلسوا على مائدة المفاوضات، وبشكل هادئ بعيدًا عن التشنجات، أو التأثير الإعلامي أو الجماهيري (المحامون ورجال القضاء)، أو الحسابات الانتخابية هنا أو هناك، وهو من وجهة نظرنا تتمثل في الآتي:

1- تشكيل لجنة عليا مكونة من كل من: نقيب المحامين أو من يمثِّله، السيد المستشار النائب العام أو من يمثِّله، السيد المستشار رئيس المجلس الأعلى للقضاء أو من يمثِّله، السيد المستشار رئيس نادي القضاة أو من يمثِّله، وتكون مهمتها وضع الضوابط والدوريات للعمل اليومي بين المحامين والنيابة والقضاء، وذلك وفق الدستور والقانون، ومعالجة أي قضية تطرأ فور حدوثها، أولاً بأول ووضع جزاءات لمن يخالف قراراتها.

 

2- تشكيل لجنة مشابهة بين نقابة المحامين ووزارة الداخلية، ولذات الأسباب وبذات الصلاحيات.

 

3- القضاء على السبب الواقعي؛ للتعامل بتعالٍ من بعض وكلاء النيابة والقضاء الشباب مع أقرانهم من المحامين الشباب، وهي شعورهم بتمتعهم بحصانة قضائية كاملة، وتمتع المحامي بحصانة قضائية حالية منقوصة، هي أثناء وبسبب تأدية وظيفته فقط طبقًا للمادة 50 بعد تعديلها، والمادة 54 من قانون المحاماة، لذا وجب التمتع الكامل بهذه الحصانة القضائية، حتى يتمكن المحامي والقاضي ووكيل النائب العام من أداء أعمالهم بصورة متساوية، ليس فيها لون من ألوان التعالي من أحدهم على الآخر، كما يحدث الآن.

 

4- وحتى تكتمل الصورة، ويمكن تدارك الأمور أولاً بأول وبسرعة توقف الأحداث عند موقف معين، بل ويكون رادعًا قبل حدوث أي شيء، لا بد إذًا من عودة التأديب الفوري الذي يصل إلى المنع من ممارسة المهنة لمجلس تأديب تابع لنقابة المحامين، به عنصر قضائي، وليس كما هو بالقانون الحالي لمجلس تأديب بمحكمة استئناف القاهرة.

 

هذه هي المطالب التي يمكِّن بها القضاء على الأزمة الحالية، ومنع حدوث أية مشكلات مستقبلية بين الأسرة القانونية الواحدة، المحامون والقضاء والنيابة، وأضيف إليها ضباط الشرطة.

 

أسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى ما يعلو به استقلال القضاء، فهو الضمان العظيم للعدالة في بلدنا الحبيب، ولنقابة المحامين في الحفاظ على استقلاليتها.

 

وقانا الله جميعًا شر الفتن، وحفظ مصرنا الحبيبة، وعاشت نقابة المحامين حرة مستقلة.

----------------------------

* عضو مجلس النقابة العامة للمحامين عن محكمة طنطا الابتدائية، مقرر لجنة الإعلام