الصورة غير متاحة

د. أحمد عبد الهادي شاهين

السعادة: هي جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر، من الفيلسوف في قمة تفكيره، إلى العامي في قاع بساطته، من الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير، لا أحسب أن أحدًا يبحث عن الشقاء لنفسه، أو يرضى بتعاستها وشقائها.

 

السعادة: طلبها كثير من الناس في غير موضعها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء، صفر اليدين، مجهد البدن، كسير النفس، خائب الرجاء.

 

- هل السعادة في النعيم المادي؟

ظن ذلك بعض الناس، فحسبوا السعادة في الغنى، في رخاء العيش، في وفرة النعيم، في رفاهية الحياة، قال الشاعر:

إن الدراهم في المواطن كلها   تكسو الرجال مهابة وجلالا

فهي الحديث لمن أراد فصاحة   وهي البيان لمن أراد لسانا

 

لكن البلاد التي توفرت فيها كماليات الحياة تشكو من تعاسة الحياة، وتشعر بالضجر، وانقباض الحياة، ففي نيويورك مثلاً: غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء.

 

وأحيانًا يكون المال، وبالأعلى صاحبه، سببًا للعذاب والشقاء، قال تعالى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (التوبة: من الآية 55).

 

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همه، فرَّق الله عليه شمله، وجعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتبه الله له" (1).

 

وفي الحديث أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم: "لو كان لابن آدم واديًا من ذهب لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له ثانٍ لأحب أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب" (2).

 

 قال عيسى عليه السلام: "محب الدنيا كشارب الخمر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا".

 

- هل السعادة في الأولاد؟

 قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف: من الآية 46).

 

 وهناك أناس حُرموا نعمة الولد، ومع ذلك كانوا سعداء، والعكس.

 

وفي يوم ما كان الولد سببًا في تعب أبيه، فقال أبوه يخاطبه بهذه الأبيات التي تفيض رقة وعذوبة:

غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا           تُعلُّ بما أنهى إليك وتنهل

إذا ليلة أصابتك بالسقم لم أبت        بسقمك إلا ساهرًا أتململ

تخاف الردى نفسي عليك وإنها      لتعلم أن الموت حتم مؤجل

فلما بلغت السن والغاية التي        إليها مدى ما كنت إليك فيها أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة         كأنك أنت المنعم المتفضل

وسميتني باسم المفند رأيه         وفي رأيك التفنيد لو كنت تعلم

فليتك إذ لم ترع حق أبوتي          فعلت كما الجار المجاور يفعل

 

وقال تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (الكهف: من الآية 80).

 

 وقد رأينا في الحياة من يقتل أباه بسبب الميراث، فكان سببًا في هلاك أبيه.

 

هل السعادة في الشهادات والمنصب والجاه والتفوق في العلوم الطبيعية؟

 

هذا يحقق جزءًا من السعادة فقط، ومع ذلك هناك وزراء وأصحاب مناصب ونفوذ يعيشون في شقاء وتعاسة.

 

- في أي شيء تكمن السعادة؟

تكمن السعادة في تقوى الله عزَّ وجلَّ.

ولست أرى السعادة جمع مال       ولكن التقيَّ هو السعيد

وتقوى الله للإنسان ذخر             وعند الله الأتقى مزيد

 

السعادة: في معرفة الله تعالى وتوحيده، والإنابه إليه، والتوكل عليه.

 

الإمام ابن تيمية- رحمه الله- يقول: (ماذا يفعل خصومي معي؟ إن جنتي في قلبي؛ إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة).. الإمام ابن القيم يقول: (إنه لتمر بي ساعات أقول: لو أن أهل الجنة في مثل ما أنا فيه لهم في نعيم مقيم).
إبراهيم بن أدهم يقول: (نحن في سعادة لو علمها الملوك، وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف).

 

قال الرجل لزوجته لأشقينك، قالت: لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني؛ لأن السعادة لو كانت في مال لمنعته عني، ولو كانت في حُليٍّ لسلبته مني، وإنما السعادة في شيء لا تملكه أنت، سعادتي في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه إلا الله تعالى.

 

السعادة: في سكينة النفس، في هدوء البال، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: من الآية 4).. وقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)) (الفتح).

إن السعادة أن تعيش لفكرة الحق التليد               لقضية كبرى تحل قضية الكون العتيد

 

السعادة: شيء معنوي لا يُرى بالعين، لا يُقاس بالكم، لا تحويه الخزان، ولا يشتري بالمال.

 

القدر المادي اللازم للحياة هو ما جاء في الحديث قال صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة، المسكن الصالح، والمركب الصالح" (3).. وفي الحديث أيضًا قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح آمنًا في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه؛ فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها" (4).

 

السعادة: هي طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير.

 

الإمام ابن القيم يقول: إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائة، ومعانقة الصبر على ذلك، إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا.

 

نسأل الله أن يجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة.

--------------

الهوامش:

(1) الحديث أخرجه الإمام المنذري (4/ 33) عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه-.

 

(2) الحديث أخرجه الإمام البخاري (1436) عن ابن عباس- رضي الله عنه-.

 

(3) الحديث أخرجه الإمام المنذري، وقال إسناده صحيح (3/ 91) عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه-.

 

(4) الحديث أخرجه الإمام المنذري، وقال إسناده حسن غريب (4/ 33) عن عبد الله بن محفن الخصمي- رضي الله عنه-.

 

----------------

* أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية- جامعة الأزهر.