تتشكَّل رؤية المجتمع لواقعه من خلال ما يراه حوله، فصورة الحياة الراهنة تشكل موقف المجتمع من الواقع، وبالتالي تشكل موقف المجتمع من المستقبل الذي ينشده، ومن موقف المجتمع تجاه واقعه، تتشكَّل رؤية المجتمع تجاه الدولة القائمة، والتي تمثل نظام الحكم بكل جوانبه، وكلما كان الواقع مرفوضًا، كانت الدولة أيضًا مرفوضة، والعكس صحيح.
فالنظام السياسي، وفي مركزه الدولة، يمثل المسئول الأول عن الحالة العامة للمجتمع، لأن الدولة هي المؤسسة الكبرى صاحبة التأثير والسلطة، وهي المؤسسة صاحبة الدور الأكبر في التأثير على الحياة.
وما يحدث في مجتمعات وأوطان الأمة الإسلامية يشكِّل مسار المستقبل، فكلما كانت الدول القائمة مقبولةً تشكَّلت حالة من الرضا عن الواقع الحالي، تدعم بقاء الأوضاع، وكلما كانت الدولة القائمة مرفوضة، تشكلت رؤى تدفع نحو التغيير، والبحث عن دولة بديلة، فتتشكل مواقف المجتمعات من واقعها، وينعكس ذلك على موقفها من النظام السياسي الحاكم، ما يشكل مسار المجتمعات في المستقبل، ويحدد مآل النظم السياسية القائمة.
لقد اكتملت دورة كاملة للدول القائمة بعد عهد الاستقلال من الاستعمار العسكري، فالاستعمار المباشر عاد مرةً أخرى في العديد من الدول، مثل العراق وأفغانستان، وظلَّ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قائمًا، وعادت الهيمنة الغربية غير المباشرة مرةً أخرى على المنطقة، حتى باتت الدول العربية والإسلامية تُدار من الخارج، ولقد انتهت العديد من أحلام التقدُّم والتنمية، بواقع يؤكد على أن الهيمنة الغربية تعوق عملية التنمية، كما يؤكد أن العديد من الدول القائمة غير قادر على تحقيق التنمية، وباتت كل محاولات الوحدة ذكرى في التاريخ، حتى أضعف مستويات التنسيق والتعاون بين الدول العربية والإسلامية تفشل.
تلك كلها علامات لفشل الدول القائمة في تحقيق الأهداف التي رفعتها، وعندما تفشل الدولة في تحقيق الغايات التي تنادي بها وتعلنها، تتحول إلى دولة فاشلة، ويقل مدى الرضا والقبول لهذه الدولة تدريجيًّا، حتى تصبح دولة مرفوضة، ولا تلقى القبول اللازم لبقائها.
بهذا تتشكل الدولة الفاشلة، وهي الدولة التي تفشل في تحقيق ما تدعيه من أهداف، وتفشل في الحصول على رضا عامة الناس عن أدائها، وتفشل في تحقيق أحلام وأماني المجتمع الذي تمثله، وعندما تتبلور صورة الدولة الفاشلة؛ تبدأ عجلة التغيير في الدوران.
وهنا تبرز المواجهة بين الدولة القائمة والدولة البديلة، أي بين ما هو قائم وما يتمنى المجتمع حدوثه في المستقبل، ومن خلال مدى الفجوة بين الواقع الراهن والواقع المنشود، تتبلور حالة الدفع نحو التغيير، وتتشكل مرحلة المواجهة أو الصراع، بين الوضع القائم ورغبات المجتمعات.
تلك هي حالة أوطان الأمة الإسلامية، فهي تمر بلحظة تشكل مرحلة التغيير، بعدما تجسدت صورة الدولة الفاشلة، أكثر من قدرة المجتمع على التحمل، ومع بقاء الدولة الفاشلة مهيمنة على السلطة، تظهر صورة الدولة البديلة، بوصفها نقيضًا للوضع القائم، ومع المفارقة بين صورة الدولة القائمة، والدولة البديلة، تتشكل طاقة التغيير والرغبة فيه، وتتضح معالم التغيير المنشود، وتتشكل رؤية المجتمع عن المستقبل المنشود، ولكن المواجهة بين دولة قائمة ودولة منشودة، هي أشرس مواجهة، فهي مواجهة مع طبقة حاكمة لا تريد تغيير توجهاتها، ولا تريد الخروج من السلطة، بل تريد البقاء، وتخشى لحظة الخروج والحساب؛ لذا تعمل الدول القائمة على هدم حلم المجتمعات، ومنعها من تصور الدولة البديلة، ومنعها من التشبث بحلم جديد، حتى لا تتحول تلك الأحلام إلى طاقة فعل في مواجهة النظام السياسي الحاكم، من أجل إقامة دولة بديلة.
الدولة البديلة
في كل أوطان الأمة الإسلامية تتعدد أحلام الناس، بين الرغبة في تحقيق التقدَّم والحياة الكريمة، وبين الرغبة في التصدي للعدوان الخارجي، والرغبة في تحقيق القيم الحضارية والهوية الخاصة، وتحقيق الموضع المناسب للأمة في النظام الدولي، فهي رغبات تمتد من الخاص إلى العام، ولا تتوقف على ما هو خاص، أو ما هو عام، فجملة أوضاع المجتمع تتحدد من خلال حالته الداخلية، وموضعه الخارجي، والمجتمعات تصل لحالة الرضا عندما تحقق الحياة الكريمة، وتحقق قيمها، وتحقق استقلالها، وتحقق مكانتها بين دول العالم، ولا يمكن فصل رغبة عن أخرى، ولكن المجتمعات تقدم بعض الرغبات أحيانًا، وتقدم رغبات أخرى أحيانًا أخرى، وترتيب الرغبات لا يعني انتهاء رغبة ما، أو تقدم رغبة على غيرها، ولكن تعبر عن الواقع الراهن والمشكلات التي يواجهها المجتمع.
ومجتمعات الأمة الإسلامية تواجه مشكلة تردي مستوى الحياة، ومشكلة التراجع الحضاري، وتراجع القيم الأصيلة، ومشكلة التراجع أمام القوى الخارجية، ومشكلة تكرار العدوان الخارجي، واستمرار الهيمنة الخارجية، واستمرار الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وهي من أراضي الأمة المقدسة؛ لذا لم تعد قضية تتقدم على أخرى، بل تزاوجت القضايا معًا؛ بسبب حالة التردي الشامل، وهو ما شكَّل تصور المجتمعات عن الدولة البديلة.
فالدولة البديلة، هي الدولة التي ترفع القيم العليا للأمة، وتتمسك بمرجعيتها التاريخية والحضارية، وهي التي تعيد المرجعية الإسلامية، وتعيد وحدة الأمة الإسلامية، وتدافع عن كل أراضي الأمة في مواجهة الأعداء، وتحرر كل بلاد الأمة، وتعمل على تحقيق التقدُّم، وتعيد موضع الأمة في المستوى الدولي، وتحقق الرسالة الحضارية للأمة الإسلامية، فهي الدولة النقيضة للوضع الحالي، لذا أصبحت الدولة البديلة، وأصبحت الحلم الذي ينمو داخل العقل الجمعي للأمة، فالدول القائمة لم تعد مرفوضة لسبب محدد، بل أصبحت مرفوضة بالكامل؛ لأنها لم تعد تقوم بأي دور تطلبه منها الأمة، وبسبب الفشل الكامل للدولة القائمة، أصبح نمو حلم الدولة البديلة ممكنًا.
فكل مجتمع إنساني يمكن أن يقبل حياة تلبي بعض ما يريد، وليس كل ما يريد، لذا تمكنت الدول القومية القطرية من الاستمرار لفترة، وتمكنت من جذب تأييد الجماهير لها في فترات؛ لأنها كانت تقوم ببعض ما يحتاجه المجتمع منها، وفي مقابل تلبية بعض ما يريده المجتمع، تمَّ التغاضي عن نقاط ضعف تلك الدول، ولكن عندما أصبحت الدولة لا تلبي كل ما يطلبه المجتمع منها، أو معظم ما يطلبه منها، لم تعد تلك الدول مقبولة؛ لذا كان البديل في دولة بديلة، دولة تمثل ما يريده المجتمع، والدولة البديلة، هي حلم أو رغبة أو تمني يظهر لدى المجتمع، ويتمدد في مختلف مجتمعات الأمة الإسلامية، فترى الجماهير أنها تريد دولة تقوم بمسئوليات محددة وأدوار بعينها، وتحمل هوية محددة ومرجعية معينة، وبهذا يتشكل لدى عامة الناس صورة الدولة المقبولة، كنقيض للدولة القائمة، وهذا ما يجري في مجتمعات الأمة الإسلامية، دولة قائمة تزداد فشلاً، وتصور عن دولة بديلة يزداد وضوحًا.
الدولة الوافدة
حالة الانفصال بين المجتمعات والدولة القائمة، والتي تحدث تدريجيًّا عبر العقود، تشكل صورة الدولة الوافدة، أو الدولة المستوردة، فمع تراجع الدولة عن تلبية احتياجات المجتمع، وتراجعها عن الالتزام بهوية ومرجعية المجتمع، تصبح الدولة غريبة عن المجتمع، ثم تبدو في صورة الدولة الوافدة، التي تمثل فكرة غريبة عن المجتمع، والتحالف الحادث بين معظم الدول العربية والإسلامية، والقوى الغربية أثَّر كثيرًا في الدول القائمة، ووضع حدًّا لدورها في المجتمعات العربية والإسلامية، فقد ظهرت الدول القائمة، وكأنها تابعة للقوى الغربية، وأنها في حلف لا ينفك مع القوى المعادية للأمة، ومثلت حالة فلسطين الامتحان الصعب، الذي أسقط معظم الدول القائمة في المنطقة العربية والإسلامية، فما دامت كل تلك الدول تقبل بدولة الاحتلال الصهيوني وتعطيها شرعيةً للوجود، إذًا تصبح تلك الدول متحالفة مع العدو، وليست متحالفة مع مجتمعاتها، ففي كل الظروف، لم تقبل المجتمعات العربية والإسلامية وجود الاحتلال الصهيوني، بل ظلت تتمنى إنهاء الاحتلال وإعادة توحيد فلسطين، وعودتها إلى محيطها العربي الإسلامي، ولكن معظم الدول القائمة، قبلت بواقع الاحتلال وتعاملت معه، مع اختلاف في الدرجة والتوقيت، ما جعل الدول القائمة تبدو منتمية للغرب المهيمن والحامي للكيان الصهيوني، أكثر من انتمائها لمجتمعاتها.
ثم توالت العديد من المواقف التي تُظهر خضوع الدول القائمة للشروط الغربية، سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وبسبب تغلغل النفوذ الغربي في الدول القائمة، بدت تلك الدول تابعة للهيمنة الغربية، بأكثر من تبعيتها لمجتمعاتها، وبهذا تشكلت صورة الدولة المستوردة، أو الدولة الوافدة، وهي الدولة التي تحمل مرجعية مستوردة، وتتحالف مع القوى الخارجية، وهي في النهاية دولة التبعية، ولم يعد هناك شك، في أن النظم القائمة، أصبحت نظمًا تبعية، وأنها لم تعد تحظى بالاستقلال، مما جعلها تفقد مبرر وجودها، وتفقد مبرر سيطرتها على مجتمعات الأمة؛ لأنها لا تقوم بحماية مجتمعاتها، بقدر ما تقوم بحماية مصالح القوى المعادية للأمة، ولم يعد هناك شك، في أن الدول القائمة، هي دول خاضعة للضغوط الخارجية، والتي تفرض عليها السياسات التي تريدها حماية لمصالحها، ولا يمكن لدولة أن تحمي مصالح القوى الكبرى، وتحمي مصالح مجتمعها، فالمصالح تتعارض، لذا فإن الدول العظمى تحمي مصالحها بالقوة سواء العسكرية أو السياسية؛ لأن مصالحها تتعارض مع مصالح المجتمعات الأخرى.
مرحلة الفرز
الناظر لمواقف المجتمعات العربية والإسلامية، والمتابع للرأي العام، يجد أن المجتمع يمر بمرحلة للفرز السياسي والاجتماعي والحضاري؛ حيث يبلور موقفه من النظام السياسي الحاكم، حتى يصبح هذا الموقف بديهيًّا، أي من المسلمات، وتلك مرحلة مهمة، فعندما يتوافق أغلب الناس على أن الدولة القائمة تخدم مصالح الغرب بأكثر مما تخدم مصالح مجتمعها، يتم فرز الدولة عن المجتمع، وتحديد موضعها كمؤسسة غريبة عن المجتمع، وخارجة عليه، وعندما يتوافق أغلب الناس على أن الدولة القائمة، ليست فقط عاجزة عن تحرير فلسطين، بل رافضة لتحرير فلسطين، تصبح تلك الدولة حليفة لأعداء المجتمع، وأعداء الأمة.
فليست المشكلة في عدم القدرة، ولكن المشكلة في الموقف نفسه، وفي القيمة الحاكمة، فليست المشكلة في قدرة دولة من الدول على تحرير فلسطين، بل في موقفها من قضية فلسطين، وأيضًا ليست المشكلة في قدرة المجتمع أو شعب من شعوب الأمة على تحرير فلسطين، بل المشكلة في موقف هذا المجتمع وذلك الشعب، وبنفس هذا المعنى، سنجد أن المشكلة ليست في عدم قدرة دولة على بناء تنمية مستقلة، ولكن رغبتها في بناء تلك التنمية المستقلة، فعندما تكون الطبقة الحاكمة نفسها غير مقتنعة بضرورة تحرير فلسطين، وغير مقتنعة بأهمية التنمية المستقلة، وغير مقتنعة بقيم الأمة، وترفض المرجعية الإسلامية، وترفض فكرة توحيد الأمة الإسلامية، ولا تريد الالتزام بالهوية الحضارية للأمة، عندئذٍ لا تكون مشكلة تلك الطبقة الحاكمة في القدرة أو الإمكانية، بل في الرغبة والموقف، وهنا تتبلور الرؤية وتتضح الصورة.
وتبدأ عملية الفرز الحضاري العميق، والتي تتأسس على حقيقة موقف الدولة وحقيقة مرجعيتها والمبادئ التي تقوم عليها، فالدولة القائمة ليست عاجزة عن تحرير فلسطين، بل رافضة لذلك، وليست عاجزة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، بل رافضة لذلك، وليست عاجزة عن تحقيق وحدة الأمة الإسلامية، بل رافضة لذلك، فهي دولة قومية علمانية قطرية، تحكمها طبقة علمانية متحالفة مع الغرب، وما تفعله الآن ليس نتاج ضعف أو عدم قدرة، بل نتاج اختيار.
بين الواقع والحلم
الناظر لحالة الأمة الإسلامية، يرى كيف تتشكل صورة الدولة المرفوضة والدولة المرغوبة تدريجيًّا، وتزحف تلك الصورة داخل الأمة، بين دولة تحكم بالفعل، ودولة تمثل البديل الذي تريده الأمة، فقد خرجت الدولة القائمة على ثوابت الأمة؛ ما جعل فصل الأمة عن الدول القائمة أمرًا واقعيًّا، وأصبحت الأمة ترغب في قيام دولة تحمل ثوابتها، حتى وإن لم تستطع تحقق كل آمالها دفعة واحدة، فالأمة تحمل رؤية واقعية، وتعرف أنها لا تستطيع إنهاء الوجود الصهيوني في لحظة أو حتى سنوات، ولكنها تريد نظامًا يعمل من أجل هذا الهدف في حدود الممكن، وحتى الحركات الإسلامية، والتي تحمل هموم الأمة وتحمل معها حلم الدولة البديلة، تريد نظامًا يحكم أوطان الأمة ويحمل الغايات العليا لها ويلتزم بمرجعية الأمة، وتعرف أن تحقيق الغايات النهائية يحتاج لعقود، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين من يعمل من أجل تحقيق غايات الأمة، ومن يعمل في عكس الاتجاه، ويحطم أحلام الأمة، كما أن هناك فرقًا كبيرًا بين من يعمل من أجل مصالح الأمة، حتى وإن لم يحقق منها إلا قدرًا بسيطًا، ومن لا يؤمن بمصالح الأمة وقيمها وأهدافها في الأساس.
لهذا اتضحت صورة الدولة الوافدة المستوردة، المنتمية للغرب، والتي تحكم بالوكالة عن الغرب، والتي تمثل شكلاً للاستعمار المحلي، لأنها رافضة لما تحمله الأمة من قيم وغايات، وهو ما ساعد على بروز حلم الدولة البديلة، والتي تناقض الدولة القائمة في كل أهدافها وغاياتها.