- وزير المالية ينفذ أجندة اليمين الأمريكي المتطرف بكل دقة
- القانون يستهدف خصخصة التأمينات وتحويلها لنظم ادخارية
- فكرة النظام الجديد أثبتت فشلها في تشيلي والولايات المتحدة
- أول استفادة حقيقية من التشريع الجديد ستكون بعد نصف قرن
- بطرس غالي لديه ضوء أخضر للسطو على أموال المصريين
- الطريقة التي وافق بها مجلس الشعب على القانون.. جريمة
- التأمينات حققت فوائض 435 مليار جنيه فاستولى عليها الوزير
حوار- شيماء جلال:
وافق مجلس الشعب نهائيًّا على مشروع قانون التأمينات والمعاشات، وسط اعتراض شديد من نواب الإخوان المسلمين الذين رفضوا سلق القانون، مؤكدين على أهميته وارتباطه بشريحة عريضة من المواطنين.
وقد شهدت الأشهر الماضية العديد من الانتقادات الحادة للقانون الجديد من قبل الهيئات العمالية والمجتمع المدني قبل الموافقة عليه من مجلس الشعب، قابلها حملة ترويجية واسعة لمزايا القانون الجديد الذي أعدته وزارة المالية، وهو ما أحدث حالة من اللبس لدى المواطن العادي في فهم هذا القانون وما يحتويه من مواد ونصوص، وهل هو في صالح المواطن أم ضده؟.
(إخوان أون لاين) يحاول توضيح ذلك من خلال لقائه بأسامة غيث الخبير الاقتصادي والكاتب الصحفي بجريدة (الأهرام) الذي تدخل وزير المالية لمنع نشر سلسلة من مقالاته التي كتبها غيث ضد القانون وكانت من المقرر أن يتم نشرها بالتتابع في الجريدة، واستبدلها بحملة ترويجية ضخمة لمشروع القانون على صفحات الجريدة.. فإلى تفاصيل الحوار:
* بداية.. هل النظام التأميني الحالي بحاجة إلى قانون جديد؟
** أود أن أؤكد حقيقة مهمة يريد المسئولون تزييفها وهي أنهم يزعمون أن القانون الحالي به قصور ولا يصلح كقانون يوفر الحماية التأمينية للمواطنين في محاولة لقلب الحقائق وتزييفها؛ لأن القانون الحالي قانون جيد وذلك بشهادة المنظمات الدولية في مجال العمل، الذين أكدوا أنه من أفضل قوانين التأمينات في العالم بلا نقاش، فمزاياه تتمثل في المزايا الممنوحة لأصحاب المعاشات والمستحقين الموجودة في نصوص القانون، وهو ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا لسنا بحاجة لقانون جديد للتأمينات، كما يتشدق بذلك وزير المالية ومساعدوه.
* لكن هناك بعض القصور والمشكلات التي يعاني منها أصحاب المعاشات في القانون الحالي كالأجر التأميني وتقدير مدد الاشتراكات.
** المشكلة الرئيسية لقانون التأمينات الحالي تتمثل في القائمين على تنفيذه والسلطة المختصة المنوط بها تنفيذ القانون وليس في بنود ونصوص القانون، فمشكلات المواطنين والعمال مع القانون الحالي ليست مرتبطةً بالقانون ولكنها مرتبطة بالأجر التأميني الذي يتم بناءً عليه منح وتقدير المعاشات، وكذلك تقدير قيمة الاشتراكات والمعاشات، وبما أن الأجر التأميني يصدر به قرار من السلطة المختصة، فإنه يكون أجرًا متواضعًا للغاية، فأصحاب المعاشات لا يحصلون سوى على الفتات، ولكن العيب يكمن في السلطات المتولية تنفيذ القانون.
سوء تطبيق

* نفهم من ذلك أن النظام التأميني الحالي كان بحاجة إلى بعض التعديلات وليس لقانون جديد!.
** بالفعل من الممكن إدخال تعديل تشريعي بسيط على القانون الحالي أو تعديل لبعض المواد المرتبطة بالتوافق المجتمعي، فقد أكدت الدراسات التوافقية للخبراء والمتخصصين الاكتواريين أن القانون الحالي لا يحتاج لتعديله بقانون جديد، مشيرين إلى مسألة هامة للغاية وهي أن القانون الحالي بالرغم من مشكلة انخفاض نسبة ما يصرف لأصحاب المعاشات فقد ترتب عليه توفير ما يقرب من 435 مليار جنيه، بما يوضح أن النظام القائم في القانون الراهن حقق فوائض ومخصصات مالية ضخمة، وهذا يعني أن النظام القائم لا يعطي الناس حقها لذلك توفرت تلك الفوائض، والدليل على ضخامتها أن قيمة تلك الفوائض تزيد عن حجم الموازنة العامة للدولة، فمجمل الإنفاق العام للدولة المصرية في سنة مالية يقل عن قيمة هذه القوائم، وهذا يعني أن النظام الحالي نظام غني وليس فقيرًا كما يقول المسئولون بوزارة المالية، ويترتب على المسئولين الذين يطمعون في أموال المعاشات أن يدركوا أن تلك الأموال أموال خاصة بالشعب وليست ملكًا للدولة.
* إذن فما السبب من وجهة نظركم الذي دفع وزير المالية لطرح قانون جديد للتأمينات؟
** وزير المالية يوسف بطرس غالي يسعي منذ فترة طويلة لدمج أموال التأمينات بكافة فوائضها وأرصدتها للخزانة العامة للدولة، وبالفعل أصدر عام 2006م قرارات وزارية في مخالفة صريحة للدستور والقانون في ضم أموال المعاشات والتأمنيات لأموال الخزانة العامة، ومن قبلها تم إلغاء وزارة التأمنيات الاجتماعية التي كانت مكلفة برعاية تلك الأموال وتم ضمها لوزارة المالية، وهي تعني الخزانة العامة للدولة في محاولة للتلاعب بتلك الأموال التي يستبيحها الوزير بلا وجه حق، ليس هذا وحسب، بل يسعون للاستيلاء على أموال المعاشات المتراكمة؛ لأنها تحولت لجزء رئيسي من الدين العام تكاد تصل إلى 50% من الدين العام، فضلاً عن أن مؤشرات الدين العام في ظل تعامل مصر مع الأجهزة الخارجية توضح أنها تجاوزت حدود الأمان.
خصخصة التأمينات
* وكيف يقرأ أسامة غيث قانون التأمينات والمعاشات الجديد؟
** قانون التأمينات الجديد، يرتكز في مضمونه على فكر اليمين المحافظ والمعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يستند إلى الأيديولوجية الأصولية المسيحية الصهيونية، وهي مزيج وخلطة غريبة وعجيبة من العقائد والأفكار العالمية نتج عنها ما يسمى بفكرة الأصولية الرأسمالية، وهي بمثابة مجموعة من الأفكار العنصرية تنحاز للطبقات الغنية لتزداد غنى على حساب الطبقات الفقيرة التي تزداد فقرًا، وهذا الفكر لا يعرف للعدالة أي معنى أو اعتبار أخلاقي، ولهذا الفكر تطبيقاته في مجال التأمينات، فهو قائم على خصخصة كل شيء فلا يعترف بالحكومة ولا بإدارتها للأشياء، ويرى أن القطاع الخاص هو الحل والمفتاح السحري لجميع المشكلات، ولذلك يتجه في مجال التأمينات لخصخصة النظم التأمينية ويحولها من شبكة أمان اجتماعي ومسئولية حكومية رئيسية إلى قطاع يدار بمفاهيم السوق.
وما سبق يؤكد أن القانون الجديد يلغي ركيزة أساسية في كل قوانين المعاشات وهي ميزة التكافل والأمان الاجتماعي، فالقانون الجديد يعتمد على ما يسمى بحساب الادخار الشخصي؛ حيث يتم خلال هذا القانون استثمار نسبة لا تقل عن 35% من أموال المعاشات في مجموعة من الاستثمارات عالية المخاطرة كالبورصة، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من المدخرات، يعمد إلى تحويل التأمين التقاعدي لمجرد حساب إدخاري شخصي كما في حسابات البنوك، مما يعرضها لمخاطر عالية فضلاً عن أنها تتآكل سريعًا، وبالتالي ستصبح قيمة تلك المدخرات الحقيقية عند الخروج للمعاش متدنية للغاية.
قانون مستورد
* معنى ذلك أن فكرة القانون الجديد تم استيراده من الخارج!.
** لأننا لا نفكر ونستورد فقط، نهوي ونسقط دائمًا في مطبات وأخطاء؛ لأن هذا الفكر المستورد على قانون التأمينات والمعاشات أثبت فشله في الولايات المتحدة الأمريكية بعد عشر سنوات من تطبيقه، ووجد أن ما يقرب من 50% من القوى العاملة بل وأكثر لم يخضعوا للقانون وأحجموا عنه، علاوة على أن تكلفة المشتركين الخاصة بإدارة أموالهم وصلت لمعدلات مخيفة ومرعبة لأكثر من 20% من قيمة الاشتراكات المحصلة، بما يعني أن الحقوق التأمينية وقت استحقاق المعاش كانت ضعيفة.
وكذلك الوضع حينما تم تطبيقه في تشيلي، ولكن تم إسقاط هذا القانون بمجرد سقوط الحكم الديكتاتوري وأجريت انتخابات ديمقراطية، وأصبح للشعب رأي وتمت العودة لنظام التأمينات القديم الخاص بهم.
* وهل سيلاقي القانون الجديد نفس المصير في مصر؟
** بعد ثبوت فشل ذلك النظام المعمول به في الدول الديكتاتورية، من المؤكد أنه سيكون نظامًا فاشلاً، وفي حالة إذا ما قام بتطبيقه وزير المالية فسوف يهدم نظامًا ماليًّا له عمر من الزمان؛ حيث مضى على نشأة قانون التأمينات المعمول به حاليًّا أكثر من قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن كونه يعد مخالفةً صريحةً للعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم بجانب أنه سيتسبب في وقوع انفلات سياسي وفوضى وسخط عام بين المواطنين، بما يبشر بمزيد من الكوارث والإضرابات.
أجندة مضروبة

* سؤال يدور بأذهان الكثيرين، وهو: ماذا يريد وزير المالية ومن يقف وراءه ويسانده؟
** أرى أن وزير المالية يصدر قوانين وتشريعات منذ فترة تتسم جميعها بكونها معادية للمواطن المصري، وتقلل من حقوقه بل وتعتدي عليه، والمسئول الأول الذي يمنحه الضوء الأخضر هو الحكومة ممثلة في مجلس الوزراء وحزب الأغلبية، ويزيد على ذلك أن المجلس التشريعي سواء الشعب أو الشورى لا يمارس دوره الموكل به، فهو لا يحرص على حقوق المواطن التي ائتمن عليها، وأرى أن الوزير ينفذ أجندة أمريكية مضروبة ترتكز جذورها على المسيحية الصهيونية أو من يوصفون باليمين الأمريكي المعارض.
* وكيف ترى تصريحات وزارة المالية بأن قانون التأمينات الحالي يمثل عبئًا على الموازنة العامة للدولة ولا يوفر ضمانًا كافيًا للمواطن؟
** هذا يدلل على عدم اكتراث وزارة المالية بالمواطنين، لأنهم بالرغم من اعترافهم بأن القانون الحالي يحمل بين طياته نتائج سلبية كبيرة إلا أنه تركوا هذا القانون بكافة مشكلاته واتجهوا لقانون جديد دون أن يفكروا في إصلاح التشريع الحالي، إلى جانب أن القانون الجديد الذي سيبدأ العمل به في يناير 2012م، سيجني المصريون أول ثماره في عام 2052م أي في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ مما يؤكد عدم النية في أن يستفيد به المواطنون في الوقت القريب.
* إذن.. ما الهدف من ذلك القانون الجديد؟
** الهدف الرئيسي والأساسي للقانون الجديد يتمثل في تشتيت انتباه المجتمع عن الإصلاح الحقيقي وإشغال المجتمع؛ لأنه لو كان يحمل الخير للمجتمع والمواطنين لتمت الاستفادة به في الوقت القريب لإنهاء مشاكل أصحاب المعاشات، في حين أنه في حقيقة الأمر لن تتم الاستفادة منه إلا بعد نصف قرن من الزمان، ولذلك أرى أن هذا القانون ما هو إلا وسيلة ترغب بها الحكومة في إخفاء أمر ما، بمعنى أنها تريد أن تخفي أمرًا ما عن الرأي العام من خلال استغلال التشريع الجديد كغطاء لتحركات وزير المالية. فهو بمثابة قانون يسهم في تشتت رؤية المجتمع عن الإصلاح الحقيقي حتى يتمكن من الاستيلاء على الأموال.
* ولماذا هذا التوقيت بالذات الذي تم فيه اعتماد القانون؟
** وزير المالية يسعى للعب بمخصصات وفوائض أموال المعاشات في أسرع وقت ممكن، فهو يريد أن يبيع بضاعة فاسدة للمجتمع المصري يتم من خلالها تفويض عائد الأمور الراسخة في شبكة الأمان الاجتماعي والسياسات الاجتماعية، لا سيما المسئولة عن تشكيل الالتزامات الأساسية للدولة، فهو يسعي لغرس فكر يميني محافظ متطرف في بنية السياسة الاجتماعية المصرية ويبدأ فيها بخصخصة ذلك المرفق الحيوي، ويعرض كافة أمواله للخطر.
سلبيات القانون
* وما أبرز السلبيات من وجهة نظركم في القانون الجديد للتأمينات؟
** القانون يحمل بين طياته سلبيات وعيوبًا كثيرة ومنها تقدير قيمة المعاشات بتعبيرات مطاطية تحمل قيمة التلاعب؛ حيث يقال إنها تقدر بـ65% من أجر المؤمن عليه، دون أن يحدد لنا أو يعرفنا ما هو معيار حساب الأجر وهو ما يجعلنا نرهب هذا القانون ونخشاه، ولذلك نعتبره قانونًا ناقصًا وفاقدًا للأهلية.
* كيف تأكدتم أنه قانون ناقص؟
** الخبراء القائمون على دراسة المشروع والمعارضين له أكدوا أنه قانون تكميلي وليس قانونًا أساسيًّا، بمعنى أنه يتم إجراؤه بجانب التأمين الأساسي، ففي أمريكا والغرب هناك ما يسمى بصناديق التأمين الخاصة، من خلالها يتم إنشاء بوليصات تأمين تضمن لهم احتياجاتهم في الشيخوخة والعلاج وتوفير نوع من المعيشة والترفية، ولكن نظم التأمين الاجتماعية المكملة لا تملك القدرة على الاشتراك فيها إلا طبقة معينة من المجتمع وتتمثل في الموظفين الذين يحققون دخلاً كبيرًا لأنهم لديهم فوائض لكن المواطنين البسطاء لا يناسبهم هذا النظام، فهو يخاطب الأغنياء.
* ولكن الدكتور محمد معيط مساعد وزير المالية أكد في أحد تصريحاته أن القانون يخضع للدراسة منذ أكثر من 4 سنوات، وأن له فوائد كبيرة تعود على المشتركين، فكيف ترون هذه التصريحات؟!
** هذا كلام غير صحيح، ولعل الدليل أن القانون خلال الفترة الماضية ظهرت انتقادات واسعة ضده وبلغ عدد المقترحات فيه 34 اقتراحًا، مما يعني أن هذا القانون غير صالح وإلا لم تطرح كل هذه التعديلات عليه، وكل ما يمكن أن أقوله إنهم يريدون بيع الوهم للمواطنين، وأن وزير المالية يمارس النصب على الشعب بشكل جديد.