انتهت انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى بمأساة حقوقية وقانونية وأخلاقية، حين انقضَّ قراصنة الحزب الوطني- الحزب الوحيد في العالم الذي يُنشئ أحزابًا تعارضه- على المشهد العام، وأحكموا السيطرة عليه من كل أطرافه؛ لترفع اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات رايةَ الاستسلام، تاركةً مهمَّتها المقدَّسة للجهاز الأمني ومن أمامه فرق البلطجة صناعته الجديدة التي يخرجها من السجون وأقسام الشرطة في مثل هذه المواسم؛ لتنشر الفزع والرعب والفوضى، ثم تعود أدراجها وكأنها كانت في مهمة قومية.

 

انتهت الانتخابات تاركةً صورةً باهتةً وسمعةً سيئةً لهذا النظام المستبدِّ الفاسد؛ الذي تخلَّى عن واجبه الشرعي ومسئوليته الوطنية بتفويض عام لرجال الفكر الجديد الذين ينهشون في إرادة وثروات الوطن كما تنهش الأمراض في خلايا وأجساد الشعب المصري.

 

انتهت الانتخابات المهزلة تاركةً جملةً من التساؤلات لمن يهمه الأمر.. تساؤلات من النوع الشائك والحرج:

 

هل نشارك في الانتخابات بعد هذا التزوير الفاضح أم لا نشارك؟

 

هل نترك البلد لهم؟ الضمانات تكاد تكون معدومةً، بل هي كذلك.

 

من المسئول عن تنفيذ وحماية هذه الضمانات؟ الدولة بمؤسساتها.. لا توجد دولة بالمفهوم السياسي ولا القانوني أرضها مهددة، عليها شعب عريق لكنه مهدر الحقوق، وحكومة أشبه ما تكون بعصابات القرصنة التي استولت على سفينة الوطن، ومؤسسات فاقدة الأهلية، فلا صلاحيات ولا سلطات، وفيها تغوُّل للسلطة التنفيذية، وإهدارٌ لأحكام القضاء المعارضة.. إمكاناتها ضعيفة تئول إلى الصفر، مخترقةٌ أمنيًّا، ومستوعبةٌ حكوميًّا من الحزب الوطني الحاكم، تعاني مشكلاتٍ عديدةً، ومحاصرةٌ بين مطرقة الدعم المالي الحكومي وسندان لجنة شئون الأحزاب، إحدى لجان الحزب الحاكم.

 

الشعب.. يعاني حالات احتقان ومعاناةً معيشيةً لا حدود لها، في الغذاء والكساء والدواء، حتى أصبح مهددًا في شربة الماء، رغم حياته الطويلة على ضفاف نيل مصر الخالد.

 

ما المخرج إذًا؟! هذا هو نمط الطرح الذي يتفق مع الواقع ولدرجة كبيرة، لكنه ليس كل الحقيقة، فالصورة فيها بعض من شعاع الأمل، وفي كل موقع، حتى في الانتخابات التي زوِّرت بدرجة تؤكد فشل الحزب الوطني في التزوير ذاته؛ فهو لا يتقن أي شيء حتى الكذب، حين أكدت الجمعيات الحقوقية التي رصدت الانتخابات أن نسبة الحضور لم تتجاوز 250 ألف ناخب، والنتائج تقول إن الحضور تجاوز 8 ملايين ناخب!.

 

نعود إلى النقطة الجوهرية: ما المخرج؟ هل نطوي الصفحة السوداء لهذه الممارسة المريرة من باب أن التزوير نمطٌ تعوَّدنا عليه من هذا الحزب الفاشل؟ أم أنَّ علينا ان نُعيد النظر في هذا الأمر وكيفية التعاطي معه لتجبيه الجماهير وتعبئة الرأي العام؛ لتتحول مقاومة التزوير إلى قضية أمن قومي وقضية رأي عام، يلتفُّ حولها ويتحمَّل مسئولياتها كلُّ المخلصين والشرفاء من الشعب المصري؟ والتعامل معها كجريمة قانونية وكبيرة دينية (فتوى الشيخ القرضاوي بأن تزوير الانتخابات من الكبائر) وسبَّة أخلاقية يقاطَع فاعلها، فلا نجالسه ولا نصافحه ولا نجامله، حتى يتوب إلى الله ويعتذر للجماهير التي زوَّر إرادتها وأهدر كلمتها؟ بل اقترح البعض إنشاء كيان شعبي مستقل يسمَّى الاتحاد المصري لمقاومة التزوير ينضمُّ إليها الشرفاء فقط، وينسِّق هذا الكيان الشعبي مع الجمعيات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وغيرهما من الاتحادات النافذة والجهات ذات الصلة من الحقوقيين والإعلاميين والمفكرين.

 

يجب ألا نألف الخطأ والجريمة والمعصية، وأن نقاوم بكل ما نملك؛ حفاظًا على كلمتنا وإرادتنا وأمتنا من المستبدِّ الفاسد والمحتل الغاصب، وهما وجهان لعملة واحدة..

حفظك الله يا مصر.