الذكر هو منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يُتاجرون وإليها دائمًا يترددون، من أُعطيه اتصل ومن مُنعه انعزل، وهو قوت قلوب القوم إذا فارقها صارت الأجسام لها قبورًا وعمارة ديارهم إذا تعطلت عنه صارت بورًا.. به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكُربات وتهون عليهم به المصيبات.. إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، أما الذكر فهو عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، وهو مطلوب على كل حال ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: من الآية 191)، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا زاد المذكور إلى لقائه محبةً واشتياقًا.. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلقه العبد بغفلته.
قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم... وإلا فاعلموا أن الباب مُغلق.
وهو العبادة التي أمرنا الله بأن نكثر منها، وأن نتحلى بها في كل الأوقات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)﴾ (الأحزاب)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ (205)﴾ (الأعراف).
ولقد نهانا ربنا عن ضده وهو الغفلة قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (19)﴾ (الحشر).
والذكر أكبر من كل شيء قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾ (العنكبوت).
وبالذكر تبدأ الأعمال الصالحة ومن أفضلها الجهاد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)﴾ (الأنفال).
وبالذكر تُختم الأعمال الصالحة فيه خُتم عمل الصيام قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ (البقرة).
وخُتم به الحج قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)﴾ (البقرة).
وخُتمت به الصلاة قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)﴾ (النساء).
وخُتمت به الجمعة قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ (الجمعة).
وهو من أفضل الأعمال، سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله".
فوائد الذكر:
1- من ذكر الله ذكره الله قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 152) ليس هذا فحسب بل من ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه، كما ورد في الحديث القدسي.
2- به يتحقق النصر والفلاح قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)﴾ (الأنفال)
3- يستحق أهله الثناء من الله سبحانه وتعالى والمغفرة والأجر العظيم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)﴾ (الأحزاب).
4- الذكر يؤدي إلى اطمئنان القلوب قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).
5- اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآيات الله قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ (آل عمران).
6- يُباهي الله الملائكة بالذاكرين، فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟" قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ علينا، قال: "آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟" قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يُباهي بكم الملائكة".
7- الذاكرون هم أهل السبق، جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق المفردون"، قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات".
8- استحقاق الذاكرين للرحمة والسكينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده".
9- خسران من لها وغفل عن الذكر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9)﴾ (المنافقون).
والذكر قد يكون بالثناء على الله عزَّ وجلَّ "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
وقد يكون بالدعاء ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23)﴾ (الأعراف).
وقد يكون بطلب الرعاية من الله كأن تقول: (اللهم معي- الله ناظري- الله شاهدي- الله كفيلي- الله حسبي- الله وكيلي).
أنواع الذكر:
1- ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها.
2- ذكر الأمر والنهي والحلال والحرام.
3- ذكر النعم والآلاء والإحسان.
مراتب الذكر:
أعلاها ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان، وأوسطها ذكر بالقلب وحده، والمرتبة الثالثة ذكر باللسان المجرد.
وكما أن النفس إنِ لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فتذكر أخي الحبيب أن اللسان إن لم تجلعه رطبًا بذكر الله فقد ينشغل بغير الله، وقد يورد صاحبه المهالك، ولقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن نجلس في المجالس التي لا يذكر الله فيها ولا يصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصل على نبيهم إلا كان عليهم ترة؛ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" (الترة: هو النقص).
وقال رسول الله صلى عليه وسلم: "ما من قوم اجتمعوا في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة".
المعينات على الذكر:
1- استحضار معية الله دائمًا وأبدًا وأن الله يذكرك إذا ذكرته.
2- المحافظة على الوضوء، فهو سلاح المؤمن ويعينه على التلاوة.
3- استغلال الأوقات، فالذكر عبادة سهلة في أدائها، بيد أن الشيطان قد يُنسيك الذكر في بعض الأوقات، فهناك أوقات كثيرة مثلاً بين الأذان والإقامة- وقت الذهاب إلى العمل والرجوع منه- أوقات الحركة وحتى أثناء العمل.
4- اتِّباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد علمنا أن نذكر الله في كل شيء وعلى كل حال بدءًا من آداب قضاء الحاجة حتى توحيد الله عزَّ وجلَّ "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله".
أخي الحبيب.. بعد أن عرفت الذكر ومنزلته وفضل أهله أفلا تريد أن تكون من الذاكرين الله كثيرًا.. أفلا تريد أن يذكرك الله، وشتان بين ذكرك لله وذكر الله لك.
هلا تذكرت دعاءك بعد الصلاة "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
واجبات عملية:
1- الإكثار من قراءة القرآن فهو أفضل الذكر.
2- الإكثار من قول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)، فذلك من أفضل أنواع الذكر كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- اتِّباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ثبت عنه من دعاء، وذكر في الأحوال المختلفة (الأكل- الشرب- الملبس- النوم- اليقظة- دخول المنزل والخروج منه- دخول السوق- السفر... إلخ).
5- المحافظة على أذكار الصباح والمساء خاصة الوظيفة الكبرى فهي الأصل، أما الاستثناء فهو الوظيفة الصغرى إن لم يكن في الوقت متسع.
6- ورد الرابطة.
7- الاجتماع على الذكر مع الأهل في البيت.