الهدف من الخطبة:

أن يسارع المسلمون بالتوبة إلى الله؛ لاستقبال شهر الله الحرام (شهر رجب).

 

عناصر الخطبة:

1- بيان فضل شهر الله الحرام (شهر رجب).

2- التوبة وأدلة وجوبها.

3- شروط التوبة.

4- أسباب صارفة عن التوبة.

5- فضل التوبة.

الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خصَّنا بخير كتاب أُنزل، وأكرمنا بخير نبي أُرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم دين شُرِّع دين الإسلام، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ (آل عمران)، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا وقائد دربنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ومبشرًا للمؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، ففتح الله برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غُلفًا، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، وعلى آله وصحابته، وأحينا اللهم على سنته وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، أما بعد:

 

فإن شهرَ رجب يوشك أن تهل علينا أنواره، وهو أحد الأشهر الحرم التي خصَّها الله بالذكر والفضل، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)﴾ (التوبة)، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم- ثلاث متواليات-، وشهر رجب.

 

وكانت العرب تحرِّمها وتجلُّها قبل الإسلام، فزادها الإسلام تحريمًا وإجلالًا؛ جريًا على نهج تشريعه العظيم أن يُقرّ ما وجده من خير، ويعترف به، ثم يُصفّيه من أدران الجاهلية وشوائب الشرك، ثم ينميه ويعظم الإفادة منه، فيشير بذلك إلى منهج التعامل مع ما لدى الآخرين، من انفتاح عليهم، وتواصل معهم، مع وعي وتدبر حصيف، يتتبع الخير ويحتفي به، "فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها"، ويترك الشر، ويحذِّر منه، ويحاربه؛ لترتقي البشرية قُدُمًا في مدارج الحضارة، وتُفيد من تجاربها وخبرات جميع أبنائها.

 

وقد حرَّم الله تعالى في هذه الأشهر التظالم والبغي ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة: من الآية 36)، وهو حرام في الأشهر كلها، وإنّما خصَّه بالذكر في هذه الأشهر الحرم؛ لأن الظلم فيها أبلغ في الإثم، وأشنع في العمل، كما غلَّظ العقوبة والإثم على المعصية في مكة البلد الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)﴾ (الحج)، مع تحريم المعاصي في المواضع كلها.

 

أيها الإخوة المسلمون..

الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ مراحل، مرحلة تتبعها مرحلة، لا بد أن يجتازها الإنسان، ولكي يمضي الإنسان على بصيرة لا بد أن يعرف الإنسان الهدي من الضلال، والحلال من الحرام، والصواب من الخطأ، حتى لا تلتبس عليه المسالك ولا يضله شيطان من الجن أو شيطان من الإنس، وليس معنى المعرفة النجاة من الذلل، بل لا بد أن يصيب الإنسان من الذنوب نتيجة الخطأ والنسيان، ولذلك جعل الله لنا التوبة نجدِّد بها الإيمان.

 

والتوبة ليست كلامًا يقال باللسان، وإنما هي عملٌ كبيرٌ يغير حياة واتجاه الإنسان، وليس مطلوبًا عند التوبة أن يعترف الإنسان أمام أحد ولا أن يفضح نفسه عند أحد إلا فيما بينه وبين ربه عز وجل، ومن ظن أنه ليس لديه ذنب يتوب منه وأنه ليس في حاجة إلى التوبة، فهذا هو الغرور المهلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون"، وإذا كان أبوك الأول آدم عليه السلام قد أخطأ وأذنب فلماذا تستكثر على نفسك أن تخطئ؟ إذا كان الأب قد عصى وأخطأ كما قال عز وجل ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)﴾ (طه) ولكن آدم حينما أخطأ، أعطاه الله هذه الممحاة التي يغتسل فيها فيخرج طاهرًا مطهرًا إنها التوبة، ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)﴾، يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة".

 

وما أكثر الذنوب والمعاصي التي يقع فيها الإنسان في كل يوم، معاصي العين، ومعاصي الأذن، ومعاصي اللسان، ومعاصي اليد، ومعاصي الرجل، ومعاصي شهوة البطن، ومعاصي شهوة الفرج، وكل هذه من المعاصي الظاهرة، وهناك وراء ذلك معاصي القلوب.. المعاصي الباطنة.. التي هي أشدُّ خطرًا من معاصي الجوارح، وقد كانت معصية آدم عليه السلام من معاصي الجوارح حينما أكل من الشجرة ونسي النهي الإلهي وضعفت عزيمته، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)﴾ (طه).

 

أما معاصي القلوب فهي معصية إبليس.. إبليس لم تكن معصيته من المعاصي الظاهرة، ولكنها كانت الكبر والغرور، أمر بأن يسجد لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، تمرَّد على أمر الله، وقال في غرور وصلف: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾ (الأعراف).

 

وأكثر الناس يهتمُّ بالمعاصي الظاهرة، معاصي البدن والجوارح، ولا يلتفت إلى معاصي القلوب وخطايا القلوب، وهي الأشدُّ خطرًا والأبعد أثرًا.. خطايا الجوارح؛ ما نؤديه بجوارحنا، خطايا العين؛ أن تنظر إلى العورات أو تنظر بشهوة إلى امرأة ليست محرمًا لك.. خطايا الأذن؛ أن تستمع إلى ما حرَّم الله من ما لا يجوز أن يسمع من الغيبة أو النميمة أو الأغاني الخليعة أو غير ذلك.. خطايا اللسان؛ أن تتكلم بما يُغضب الله من الكذب والنميمة والغيبة والسخرية بخلق الله، وهذه الأشياء الكثيرة.. خطايا اليد؛ أن تمد يديك لتأخذ ما ليس لك أو تضرب إنسانًا بغير حق أو تعتدي على غيرك.. خطايا القدم؛ أن تمشي إلى معصية الله أو تسافر إلى معصية الله.. خطايا البطن والفرج؛ أن تشرب الخمر أو تدخل بطنك لقمة لا تحل لك، فتنبت من جسدك قليلاً أو كثيرًا، وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به.. خطايا شهوة الفرج؛ أن تشتهي ما لا يحل لك ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾ (المؤمنون)، الزنا وفعل الفاحشة، اللواط والشذوذ الجنسي كل هذه معاصي الجوارح.

 

وهناك معاصي القلب، وهي المعاصي الخطيرة، مثل: الكبر، والحقد، والحسد، والغرور، والإعجاب بالنفس، والاحتقار للغير، والبغضاء، والرياء.. كل هذه من أعمال القلوب المهلكة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" تنظر إليه باحتقار.. هذه معصية من معاصي القلوب، ويقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

 

ومعاصي القلوب- أيها الإخوة- أشدُّ خطرًا من معاصي الجوارح والأبدان.. لماذا؟! لأن القلب هو حقيقة الإنسان، الإنسان ليس هو هذا الغلاف الطيني، حقيقة الإنسان هو كيانه الروحي الذي لا تراه العين، وإنما هو شيء يعرفه أولو البصائر لا أولو الأبصار، حقيقة الإنسان هو هذا القلب أو هذه النفس الإنسانية أو هذا الفؤاد سمِّه ما تسمِّه، هو الذي جاء فيه الحديث: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب".

 

ومن الذنوب ما يُعَدُّ من باب ترك المأمور وما يعد من باب فعل المحظور، وترك المأمور أخطر من فعل المحظور، وترك المأمور يتفاوت، فترك الفرائض الركنية أشد وأخطر من ترك الواجبات العادية، ولذلك كان ترك الصلاة ومنع الزكاة وترك صوم رمضان وترك حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا من أخطر الذنوب والمعاصي.

 

وفعل المحظورات ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه، وقد بيَّن لنا الشارع الحكيم ما حرَّمه علينا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه".

 

وهناك المعاصي القاصرة والمعاصي المتعدية، فالمعاصي القاصرة على أصحابها هي التي لا تتعلق بحق مخلوق، والتوبة من هذه سهلة؛ لأنك تتوب فيما بينك وبين الله تعالى فيقبل توبتك، المشكلة فيما كان بينك وبين عباد الله، بين إخوانك من البشر، هؤلاء ليس من السهل أن يتنازلوا عن حقوقهم؛ لذلك قال العلماء: حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاححة.. كل إنسان شحيحٌ بحقه ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا (100)﴾ (الإسراء)، ﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء: من الآية 128).

 

الإنسان- وخصوصًا يوم القيامة- لا يتنازل لأحد عن حسنة واحدة، ولا لأمه ولا لأبيه، ولا لصاحبته وبنيه.. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾ (عبس) يوم الأنانية والفردية المطلقة؛ لأن كل إنسان يقول نفسي نفسي، ربما نقص ميزان حسناتي حسنة واحدة فمن أين آتي بها؟ لا يستطيع أحد أن يسلفك حسنة، ولذلك كل إنسان حريص على ما عنده، ومن هنا كانت أهمية حقوق العباد، إياك وحقوق العباد أن تعتدي عليهم في نفس أو مال أن تعتدي عليهم بلسان أو يد، ولو كانت كلمة صغيرة، رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قالت عائشة عن ضرَّتها صفية بنت حيي ما يعجبك منها يا رسول الله وإنها.. ولم تُكْمِل الجملة، ولكن أشارت بيديها إلى أنها قصيرة القامة، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "يا عائشة: لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته".. كلمة تعكِّر بحرًا وهي نصف جملة مكملة بالإشارة، كم منا يتكلم بمئات الكلمات وآلاف الكلمات كل يوم ولا يبالي، ولا يعرف أن هذا اسمه في الشرع الغيبة؟! كما قال عليه الصلاة والسلام: "الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره"، سواءٌ كان هذا في جسمه في ملبسه في مأكله في شيء يخصه؛ بحيث إذا سمعه يستاء منه ويكرهه.

 

أيها الإخوة المسلمون..

علينا أن نتطهر من الذنوب كلها، ظاهرها وباطنها، ما كان منها من ذنوب الجوارح، وما كان منها من ذنوب القلوب، على أن نتفطَّن ونتنبه دائمًا أن معاصي القلوب هي الأشد خطرًا والأبعد أثرًا.

 

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد إذا أذنب الذنب نكت في قلبة نكتة- نقطة سوداء جُعلت في قلبه- فإن تاب ونزع صقلت- مُسِحَت ومُحِيَت- فإن عاد إلى ذنب آخر نكتت نكتة أخرى، فإن عاد إلى ثالث نكتت نكتة ثالثة ثم رابعة حتى يسود قلبه- من كثرة النقط السوداء في قلبه اسودَّ قلبه- فذاك الران الذي قال الله فيه ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾(المطففين)"، اسوَّد القلب، فسارع.. الحزم أن تسارع بالتوبة ولا تؤجل، سارع بالتوبة فهذا من استباق الخيرات، قد أمرنا الله باستباق الخيرات وأمرنا بالمسارعة إلى المغفرة والجنة وبالمسابقة إلى المغفرة والجنة، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾ (آل عمران)، وقال ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد)، فإذا أخَّر التوبة كان هذا ذنبًا آخر.

 

يقول الإمام ابن القيّم: إذا تاب الإنسانُ من ذنب وكان قد أجَّل التوبة منه، فعليه أن يتوب مرتين: مرةً عن الذنب ومرةً عن التأخير، فإن تأخير التوبة من الذنب ذنب آخر، التوبة واجبة على الفور، وواجبة على الناس جميعًا، كل يتوب على حسب حاله، هذا يتوب من النفاق، وذاك يتوب من الكبائر، وذاك يتوب من الصغائر، وهذا يتوب من الشبهات، وآخر يتوب من الغفلات، مجرد الغفلة عن الله، غفلات القلوب يعتبرونها موجبةً للتوبة، توبة العَوَام من الذنوب، وتوبة الخَوَاص من الغفلات، ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)﴾ (الكهف)، أمرنا الله بالتوبة جميعًا، وأمرنا الله بالتوبة النصوح، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (التحريم: من الآية 8).

 

أيها الإخوة المسلمون..

التوبة بينك وبين الله سهلة إذا صحَّ ندمك وصدق عزمك، ولكنَّ الخطر كلَّ الخطر فيما بينك وبين عباد الله، فيما لهم من حقوق وحرمات، مصونة في شرع الله، ماذا تفعل إذا أردت التوبة وللناس عندك حقوق كثيرة؟ آذيتهم بلسانك وآذيتهم بيديك وآذيتهم بأخذ حقوقهم دون أن تردها ماذا تفعل في هذا كله؟ النبي صلى الله عليه وسلم يحثُّنا على أن نتحرر من هذه الأوزار قبل يوم القيامة قال: "إذا كان لأحدكم عند أخيه مظلمة فليتحلل منها قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار"، وإنما يتعامل الناس بالحسنات والسيئات، العملة الوحيدة يوم القيامة هي الحسنات والسيئات، فمن كان له حق على أحد يأخذ من حسناته حتى يستوفي فإذا لم تكف حسناته وبقي له حق يطرح من سيئاته عليه حتى يردى في النار وبئس القرار، وهذا هو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم المفلس "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله  من لا درهم له ولا متاع، قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ولكنه ضرب هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته حتى لا يبقى له شيء ثم يطرحون من سيئاتهم عليه حتى يلقى في النار".

 

فيا أيها الإخوة المؤمنون..

تفقهوا في أمر الذنوب والخطايا، لا تتركوا الأمر على عواهنه، الأمر يحتاج منا إلى بصيرة ويقظة، لا تعتبر هذا أمرًا هينًا، يصبح الصباح عليك كل يوم فتهتم بأمر دنياك، وماذا ستكسب وماذا ستخسر؟ وماذا ستأكل وماذا ستشرب وماذا ستلبس وستقابل فلانًا وستقابل علانًا، تهتم بأمر دنياك ولا تهتم بأمر آخرتك، ولا تدري هل تبقى إلى المساء أو لا تبقى، هل يصبح عليك صباح اليوم التالي أو لا يصبح، فبادر بالتوبة، التوبة الحقيقية التي تغتسل منها من ذنوبك وتتطهر من خطاياك وتلقى الله تعالى مفلحًا كما قال عز وجل ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية 31).

 

وأول ما يدعو إلى التوبة أن تحس بالذنب، أن يعكر الذنب عليك صفوك أن ينكد عليك عيشك، أن تحترق في داخلك، أن تضيق عليك الأرض بما رحبت وتضيق عليك نفسك، أما أن تستهين بالذنب وتقول هذا ذنب بسيط ليت كل ذنب فعلته مثل هذا، قال بعض السلف: الذنب الذي يخشى ألا يغفر هو الذي يقول فيه صاحبه ليت كل ذنب فعلته مثله، بعض الصالحين من سلف الأمة مرض وخشي أن يكون مرض الموت فزاره بعض تلاميذه فوجدوه يبكي بكاء مرًّا، فقالوا له يا أبا فلان ما الذي يبكيك ما رأينا عليك في حياتك فريضة تركتها ولا حرمة انتهكتها ولا حقًّا ضيعته بل رأيناك صالحًا مصلحًا تعلم وتدعو إلى الخير وكذا وكذا، فقال لهم: والله ما أبكي على فريضة أديتها ولا على حرمة انتهكتها ولا على حق ضيعته ولكني أبكي لأني أخشى أن أكون قد أتيت ذنبًا أحسبه هينًا وهو عند الله عظيم، أحسبه هينًا وهو عند الله عظيم، روى البخاري عن ابن مسعود "المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا وهكذا"، يقول بعض السلف: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى كبرياء من عصيته.

 

أيها الإخوة المسلمون..

التوبة النصوح هي التوبة الخالصة، التوبة الصادقة، التوبة التي يطابق فيها اللسان القلب، ويطابق فيها القول العمل، وهي كما قال الإمام الغزالي وغيره: دواء مركب من عدة عناصر، عنصر معرفي وعنصر وجداني وعنصر عملي.

 

والعنصر المعرفي يتعلق بأن يعرف الإنسان حق ربه عليه وما يطالبه به من واجبات وما ينهاه عنه من محرمات، هل أدى الواجب كما ينبغي هل ترك المنهيات كما ينبغي؟.

 

وهذا العنصر يدفع إلى عنصر آخر عنصر وجداني، هذا العنصر الوجداني يتكون من أمرين: أمر انفعالي وهو ما يسميه العلماء الندم، الندم على ما فرّط منه من معصية سواء كانت هذه المعصية ترك مأمور أو فعل محظور، والندم حسرة وحزن في القلب، وهو أهم عناصر التوبة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الندم توبة".

 

ذكر الله لنا في القرآن نفسية بعض التائبين، الثلاثة من الصحابة الذين خلفوا في غزوة العسرة غزوة تبوك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا بالركب المجاهد ولم يجدوا لأنفسهم عذرًا فبقوا في المدينة وصفهم الله بقوله ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ (التوبة: من الآية 118)- قال ذو النون المصري: التائب هو من يشعر بهذا، أن تضيق عليه الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه ويظن أن لا ملجأ من الله إلاّ إلى الله.

 

والندم يتعلق بالماضي والعنصر الآخر يتعلق بالمستقبل وهو أن يعزم على أن لا يعود إلى المعصية التي تاب منها أبدًا ساعة التوبة، يعزم على أن يرمم البناء الذي تهدم أن يعيد هذا الإيمان إلى أصله، الإيمان يخدش بالمعاصي خصوصًا بالكبائر، والحديث الشريف "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" عندما يفعل هذا ينزع الإيمان منه، فإما أن يعود الإيمان مرة أخرى بالتوبة وإما أن يظل الإيمان الحقيقي أو الإيمان الكامل أو الإيمان الصادق ناقصًا مخدوشًا، لا بد للإنسان أن يعزم هذا العزم الصادق، حتى يجدد إيمانه ويرمم إيمانه ويعود كما كان من قبل، هناك عنصر معرفي وعنصر نفسي بشطريه الندم على الماضي والعزم على إصلاح المستقبل وهناك عنصر عملي.

 

والعنصر العملي أن يقلع بالفعل عن المعصية، وإلا ما معنى أن يتوب وهو مقيم على ما كان عليه، وأن لا يقلع ويترك المعصية من قلبه، ويتركها من جوارحه، ويتركها من حياته، يقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾ (الفرقان)، إلا من تاب وآمن، لأنه كما قلنا المعاصي تخدش الإيمان فيعيد الإيمان، وعمل عملاًً صالحًا، لا بد من عمل صالح، هذا هو شأن التوبة النصوح التوبة الصادقة أن تدفع الإنسان إلى عمل صالح، وهناك فروع لهذا الأصل، من هذه الفروع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ومعاذ بن جبل قال لهم "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها".

 

ومن المهم أيضًا في هذا الجانب العملي أن يغير الإنسان البيئة التي كان يعيش فيها، فلكي يحيا الإنسان حياة جديدة لا بد أن يتخلص من حياته القديمة بشخوصها وأصحابها، كل ما يذكرك بالقديم ابتعد عنه، وقد قال بعض علماء السلوك: التوبة ندم بالجنان وعزم على ترك العصيان واستغفار باللسان وإقلاع عن المعصية بالأبدان وهجر سيئ الخلان، اهجر خلان السوء الذين يقودونك إلى النار، الذين مثلهم النبي صلى الله عليه وسلم بنافخ الكير، الحداد إذا لم يحرقك بناره أصابك دخانه، احذر من خلان السوء ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (29)﴾ (الفرقان)، احذر أصدقاء السوء، الله تعالى يقول ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67)﴾ (الزخرف).

 

وكلما اقتربت من الله اقترب الله منك، "من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"، أقبل على الله يقبل الله عليك، فيا أيها المؤمنون توبوا إلى الله عز وجل لا تؤخروا التوبة فإنك لا تدري هل تعيش غدًا أو لا تعيش لا تدري إذا أصبح عليك الصباح هل يأتي عليك المساء أو لا يأتي، لا تدري حينما تلبس ثوبك أتنزعه بيدك أم تنزعه عنك يد غاسلك بعد موتك لا تدري،


تزود من التقوى فإنك لا تدري      إذا جن عليك ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من سليم مات من غير علة      وكم من سقيم عاش حينًا من الدهـر

وكم من فتى يمسي ويصبح لاهيًا      وقد نسجت أكفانه وهو لا يــدري

أيها الإخوة المسلمون...

إذا كانت التوبة فريضة على الناس جميعًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية 31)، وكانت الفريضة فورية لا يجوز تأخيرها ولا التسويف فيها فلماذا يؤخر الناس التوبة؟ لماذا لا يسارع الإنسان بأن يغتسل من ذنوبه كلما دنسته المعصية؟ لماذا لا يتوب الإنسان من ذنوبه وخطاياه كلما سقط في أوحالها؟ هناك موانع عدة.

 

• المانع الأول هو الاستهانة بالذنوب، كثير من الناس يظنون أن الذنوب هي الزنا وشرب الخمر، في حين أن هناك ذنوبًا لا تحصى يقع الناس فيها كل يوم، وهم لا يحسون بها، من كثرة ما تعودها الناس واستمروا فيها استمرءوها، هي ذنوب اللسان والأذن والعين والجوارح المختلفة وأخطر منها ذنوب القلوب، الكبر والغرور والعجب والرياء والحقد والحسد والعداوة والبغضاء، التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم: "الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"، هناك من يرتكب ذنوبًا كبيرةً ولا يبالي بها خصوصًا الذنوب التي تتعلق بالشعوب، مثل تزوير الانتخابات.

 

• المانع الثاني أيها الإخوة هو: الاتكال على عفو الله عز وجل وسعة المغفرة والرحمة، ولا شك أن الله غفور رحيم وأن رحمته وسعت كل شيء، ولكن هذه الرحمة التي قال الله تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: من الآية 156) من يستحقها؟ يقول الله تعالى في نفس السياق ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 156)، الله غفور رحيم بل هو أرحم الراحمين وخير الراحمين ولكن لا يوزع رحمته على من يستحق ومن لا يستحق ومن يتحداه ومن يرفض أحكامه ومن لا يبالي بأمره ونهيه، إياك والاتكال على الأماني، النبي صلى الله عليه وسلم يقول "الكيس- أي الإنسان العاقل الحكيم الفطن- من دان نفسه- من حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت والعاجز- الأحمق الغبي- من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني".

 

ما بال قلبك ترضى أن تدنسه       وثوبك الدهر مغسول من الدنس

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها       إن السفينة لا تجري على اليبس

• والمانع الثالث هو طول الأمل، ما معنى طول الأمل؟ الأمل مطلوب للإنسان لولا الأمل ما بنى بانٍ بنيانًا ولا غرس غارس غرسة ولكن المشكلة طول الأمل، يعني أن يطول أمل الإنسان بحيث يستبعد الموت، كأن الموت غائب عنه فهو دائمًا يسوف، يقع في المعصية ولا يتوب سيتوب بعد ذلك، وإن كان ابن العشرين يقول حينما أبلغ الأربعين أتوب ويبلغ الأربعين ومع هذا لا يتوب يقول حينما أبلغ الستين أتوب ويبلغ الستين فلا يتوب يقول حينما أبلغ الثمانين، هل أعطاك عزرائيل موثقًا أو صكًّا بأنه لن يأتيك بغتة؟ الموت يأتي بغتة، كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله، وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نعيش في الدنيا بروح الغرباء المسافرين، أنت في هذه الدنيا مسافر ولكنك لا تعلم متى يأتي القطار، الموعد ليس عندك، ربما تفاجأ به فلا بد أن تكون متهيئًا بزادك وحقيبة سفرك في أي وقت،

 

تزود للذي لا بد منــه         فإن الموت ميقات العباد

أترضى أن تكون رفيق قوم        لهم زاد وأنت بغير زاد

إياك والتسويف يا أخي، لأن المعاصي إذا تراكمت اسود بها القلب، فكلما أذنب الإنسان ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب منها صقلت ومحيت فإذا لم يتب وعمل ذنبًا آخر نكتت نكتة أخرى بجانب النكتة الأولى ثم ثالثة ثم رابعة ثم خامسة حتى يسود قلبه كله والعياذ بالله، وهذا هو الذي قال الله فيه ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾ (المطففين) هنا يشعر الإنسان بالران على قلبه، بالختم على قلبه بالطبع على سمعه وبصره فلا يكاد يجد نافذة يصل إليها شعاع من ضوء يبعثه ليتوب، هذا هو الخطر، فحاول أن تتفادى هذا الخطر، وأن تبادر بالتوبة، بادر بالتوبة ولا تؤخر وانظر إلى من ودعته من إخوانك وأحبابك وأقربائك وأصدقائك ومعارفك، كم شيّعت من قريب وكم ودعت من حبيب وكم عزيت في صديق وكم دفنت من رفيق، انظر إلى القائمة ستجدها قائمة طويلة هائلة، من أول حياتك إلى الآن الناس الذين ماتوا، أنت مثلهم، أنت واحد منهم، الدور عليك ولا تدري متى يأتي هذا الدور.

 

• وهناك مانع آخر أيها الإخوة، هو أن تستحكم الذنوب وتهيمن على الإنسان فيقول ليس لي من توبة، ييأس من روح الله ويقنط من رحمة الله، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: من الآية 56)، ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾(يوسف: من الآية 87)، المسلم الحقيقي يجب أن يكون بين الرجاء في رحمة الله والخوف من عذاب الله والخطر هنا أن ييأس من روح الله أو يأمن من مكر الله، أن يسرف في الرجاء في العفو والرحمة حتى يأمن مكر الله أو يسرف في الخوف والخشية حتى ييأس من روح الله، لا، كن راجيًا في رحمته خائفًا من عذابه، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 9)، الحذر والرجاء هذا ينبغي للمسلم ومهما بلغت ذنوبك ومهما اتسعت فإن عفو الله أوسع وإن مغفرة الله أعظم وقد قال عز وجل ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: من الآية 53) وانظر إلى هذا التعبير ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ (الزمر: من الآية 53) هم أسرفوا على أنفسهم بمعصية الله بظلم أنفسهم ومع هذا لم يحرمهم شرف الانتساب إلى عبوديته، يناديهم بهذا اللفظ الذي يؤنسهم ويقربهم ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية 53)، هم مهما عملوا هم عباده هو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم وهو الذي أنعم عليهم بنعمه، أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة فهو يناديهم أن يرجعوا إلى بابه  ويقفوا على أعتابه، لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، أبو نواس الشاعر الماجن المعروف صاحب الخمريات والقصائد الخمرية في مدح الخمر إذ قال:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء         وداوني بالتي كانت هي الداء

في أواخر حياته روي عنه شعر جميل يقول:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة       فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يدعوك إلا محسـن       فبمن يلوذ ويستعيذ المجـرم؟

مالي إليك وسيلة إلا الرجــا          وجميل عفوك ثم أني مسلـم

هكذا علمنا الإسلام، ليس هناك كبيرة من الكبائر ولا ذنب من الذنوب يستعصي على عفو الله إذا صدقت النية وصدقت العزيمة في الرجعة إلى الله، روى أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا. فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له".

 

أيها الإخوة المسلمون...

كثيرًا ما يجمع القرآن بين الاستغفار والتوبة يقول تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (هود: من الآية 3)، والاستغفار معناه أن تطلب المغفرة من الله، ولماذا لا يطلب الإنسان المغفرة من الله وهو الغفار الرحيم العفو التواب وقد قال لعباده في الحديث القدسي "يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم" وقال ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)﴾ (النساء)، وجاء في أوصاف المتقين ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)﴾ (آل عمران).

 

هذا في أوصاف المتقين، المتقون ليسوا أنبياء معصومين ولا ملائكة مطهرين، بل يمكن أن يسقطوا في المعصية، ولكن مزيتهم على غيرهم أنهم سرعان ما يقفون على باب الله ويقرعون هذا الباب مستغفرين، الأنبياء جميعًا استغفروا الله من ذنوبهم، آدم وحواء حينما أكلا من الشجرة ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23)﴾ (الأعراف)، نوح حينما شفع في ابنه ورد عليه ردًّا حاسمًا ﴿.... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (47)﴾(هود)، إبراهيم دعا ربه أن يغفر له ولوالديه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)﴾ (إبراهيم)، موسى عليه السلام قال (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له)، داوود استغفر ربه وخر راكعًا وأناب، سليمان (قال رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي)، كل الأنبياء والصالحين والربانيين دعوا الله أن يغفر لهم، أولوا الألباب دعوا ربهم.. أدعية .. عدة دعوات كان منها (ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) يستشفعون إلى الله بإيمانهم يتوسلون إلى الله بالإيمان لا بفلان ولا بعلان (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار).

 

أعظم المستغفرين هو محمد عليه الصلاة والسلام الذي أمره الله أن يستغفر لنفسه ولأمته (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات) وهو الذي أخبره الله أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومع هذا ظل يستغفر الله، وهو الذي لا يغفل عن ربه طرفة عين، ويرقب ربه في غدواته وروحاته وفي حركاته وسكناته ومع هذا قال ابن عمر كنا نعد له في المجلس الواحد سبعين مرة وقال بعضهم مئة مرة "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور"، وأعظم صيغة للاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

 

الإنسان عليه أن يديم الاستغفار، قال بعض السلف: القرآن علمكم الداء وعلمكم الدواء، الداء في الذنوب والدواء في الاستغفار، وأفضل أنواع الاستغفار أن يواطئ قلبك لسانك، استغفر الله بلسانك وبقلبك، معناها أن تشعر بحرارة الذنب وخطورة الذنب عليك في دنياك وآخرتك وتبتهل إلى الله أن يغفر لك ما وقعت فيه من خطايا، وتخيّر الأوقات التي تستغفر فيها:

1- إذا عفرت جبهتك ساجدًا لله فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد اسأل الله أن يغفر لك.

 

2- قبل السلام بعد أن تنتهي من التشهد استغفر الله بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يقول قبل السلام: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.. وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.

 

3- استغفر الله بعد السلام: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

 

4- واستغفر الله في السحر شأن المحسنين الذين وصفهم الله بقوله (كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون).

 

والمؤمن دائمًا يشعر بالتقصير في حق مولاه لأنك مهما قدمت من طاعات وحسنات فحق الله عليك أكبر وأعظم ولذلك يشعر المؤمن دائمًا بأنه مقصر فيستغفر الله، إذا كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول "إنه ليغال على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" يشعر بشيء يغشي قلبه وهذا يشعره بأنه مقصر في حق الله فيستغفر الله فما بالنا نحن، الاستغفار- أيها الإخوة- من مطهرات الذنوب، مكفرات الذنوب، الإمام ابن القيم سماها أنهارًا، الأنهار التي يغتسل فيها الإنسان من ذنوبه ليخرج طاهرًا مطهرًا.

 

فيا أيها الإخوة لا تيأسوا من رحمة الله، لا تيأسوا من فضل الله أبدا، الله سبحانه وتعالى لم يجعل الإنسان معصومًا وقدّر له أن يذنب ولكنه أعطاه فرصًا كثيرة ليغتسل من ذنوبه، والسعيد من وفق لاغتنام هذه الفرص وتطهر من هذه الذنوب أولًا بأول، لا تسوّف، لا تؤخر إلى الغد، فإنك لا تدري أيأتي عليك الغد أو لا؟ هذا ما أنصح به إخواني المؤمنين وأخواتي المؤمنات، الذنوب خطر على الفرد خطر على الأسرة خطر على المجتمع خطر على الأمة خطر على البشرية كلها، الذنوب خطر على البشرية، ما نسمعه الآن من تلوث البيئة وفساد البيئة واختلال التوازن في الكون، وهذه الأشياء، كلها من المعاصي وإسراف الإنسان وخروجه عن حبل الاستقامة والاعتدال الذي رسمه الله له، وليس هناك أولى من الاستقامة على أمر الله (فاستقم كما أمرت ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير).

 

أسأل الله تعالى أن يغفر لنا خطايانًا وإسرافنا في أمرنا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ربنا إننا سمعنا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، أما بعد،،،

فيا أيها الإخوة المسلمون...

تقدموا لرفع الحصار عن إخوانكم في غزة.. ولا تخافوا من الأمريكان الذين يدعمون الصهاينة، ويغطُّون على جرائمها ولا ترهبوا من الصهاينة؛ فقد بان ضعفهم وعجزهم، وكفاكم تخاذلًا ما يقرب من أربعة أعوام، وتقدُّمكم الآن خيرٌ لكم، فقد سبقتكم قافلة الحرية، وقدِّموا الشهداء، ولستم بأقل منهم.

 

واعلموا أن الحصار سوف يُرفَع عن غزة، تقدَّمتم أو تخلَّفتم.. لكننا نستصرخُ فيكم حمية الإسلام وحقوق الأخوَّة الإسلامية وحقوق الجوار؛ أن تنالوا هذا الشرف وتغسلوا هذا العار.

 

أسأل الله تبارك وتعالى أن ينير بصائرنا وأن يهدينا سبيله الرشيد، وأن يهيئ لنا من أمره رشدًا، وأن يجعل يومنا خيرًا من أمسنا، ويجعل غدنا خيرًا من يومنا، ويحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ويجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اجمع كلمة هذه الأمة على الهدى وقلوبها على التقى ونفوسها على المحبة وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، اللهم عليك بأعدائك أعداء الإسلام، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم عليك بالصهاينة المعتدين ومن حالفهم من الحاقدين الكائدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أدر الدائرة عليهم وسق الوبال إليهم اللهم أذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلا على أحد من عبادك المؤمنين، اللهم يا منزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا سريع الحساب ويا هازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم، اهزمهم وانصرنا عليهم، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.