الصورة غير متاحة

 قطب العربي

الاتهامات التي وجهتها نيابة أمن الدولة لمجموعة جديدة من كوادر الإخوان بالتعاون مع حماس ومساعدتها في تصنيع بعض المعدات العسكرية هي جديدة من نوعها، في إطار الحرب المفتوحة التي يشنها النظام ضد الإخوان، والتي تتصاعد عادةً خلال مواسم الانتخابات، ومنها موسم الانتخابات الحالي.

 

ورغم أن المتهمين أنكروا التهمة في التحقيقات، فإن افتراض ثبوت هذه الوقائع لا يمثل جريمةً بأي حال، بل يمثل وسامًا على صدر من اتهموا به؛ حيث إن العدو الذي تحاربه حماس ويساعدها في الحرب عليه بعض المصريين هو نفسه العدو التقليدي لمصر، الذي لا تزال الأدبيات العسكرية المصرية تصفه بذلك، ولا يزال الرأي العام المصري يرفض التطبيع معه، رغم توقيع معاهدة سلام رسميًّا معه، ورغم جهود التطبيع الحكومية المكثفه معه.

 

لم تتضمن التحريات في القضية التي حملت رقم ٤٠٤ حصر أمن دولة عليا لسنة ٢٠١٠م، بحسب ما نشرته (المصري اليوم) 29/5/2010م اتهامًا بمساعدة حماس في التجسس على الأمن القومي المصري، ولا بتنفيذ عمليات تخريبية داخل مصر، ولكنها أشارت إلى "أن عناصر الجماعة المقبوض عليهم نجحوا في تكوين بؤر تنظيمية من أجل الدعوة لحمل السلاح والجهاد من خلال الارتباط بعناصر قيادية بحركة حماس، ومحاولة إقامة تدريبات على القتال وحمل السلاح لمحاربة ومواجهة العدو الكيان الصهيوني من أجل تغيير الأوضاع القائمة بالقوة".

 

واتهمت التحريات المتهمين بالتفاعل مع حركة حماس والتعاون معها في تصنيع الدوائر الإلكترونية المستخدمة في التفجير عن بُعد، والبحث عن وسيلة لرصد تحركات الطائرات الخاصة والقوات الصهيونية من خلال تسللهم إلى قطاع غزة، والتقاء قيادات حركة حماس للاطلاع على تطورات القطاع بغزة والتدريبات العسكرية والمشاركة فيها.

 

ولأن الاتهامات غير صحيحة، فقد وقعت في تناقض حين ادَّعت أن المتهمين قاموا بجمع تبرعات داخل مصر بدعوى مساندة الشعب الفلسطيني، وتخصيص جزء منها لصالح أنشطتهم، وإرسال الباقي إلى حركة حماس، وفي موضع آخر ادَّعت أنهم قاموا بتسلُّم مبالغ مالية من حركة حماس؛ لشراء أجهزة إلكترونية لاسلكية من أجل تهريبها إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.

 

القضية الجديدة تستهدف ضرب عصفورين بحجر واحد في آن واحد؛ فهي موجهة ضد الإخوان في إطار الحرب المفتوحة التي تصاعدت مؤخرًا مع خوض الانتخابات- انتخابات مجلس الشورى- وهي موجهة ضد حماس التي توترت علاقتها بالقاهرة مؤخرًا عقب رفضها التوقيع على ورقة المصالحة المصرية؛ لأنها لم تتضمن ملاحظات أساسية لحماس، وزاد التوتر بعد وفاة شقيق المتحدث باسم حماس سامي أبو زهري في أحد السجون المصرية؛ حيث اتهمت حماس سلطات الأمن بتعذيبه حتى الموت، وممارسة هذا التعذيب البشع مع السجناء الفلسطينيين الآخرين في السجون المصرية؛ لانتزاع معلومات منهم عن أوضاع المقاومة في غزة، وعن مكان احتجاز الجندي الصهيوني المختطف جلعاد شاليط، بل ربما أرادت سلطات الأمن المصرية صرف الأنظار عن الموقف المخزي للحكومة المصرية من قوافل المساعدات الدولية إلى غزة وآخرها قافلة سفن الحرية.

 

وإذا جاز أن نعتبر مساعدة حماس تهمة تستوجب العقاب فالخوف أن يتم توجيه هذه التهمة لملايين المصريين من غير الإخوان الذين جادوا بما لديهم دعمًا للمحاصرين في غزة، والذين شاهدناهم يجمعون التبرعات البسيطة من جيرانهم لشراء بعض الاحتياجات الضرورية، من سلع غذائية وملابس وأدوية وأغطية وشحنها في سيارات نصف نقل، والتوجه بها إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، والخوف أيضًا أن تقوم السلطات المصرية لاحقًا بتسليم هؤلاء المتهمين إلى العدو الصهيوني في إطار التعاون الأمني بين الطرفين!!.

 

يبدو أن حالة الغرام المتبادلة بين القاهرة وتل أبيب كانت حافزًا لأجهزة الأمن المصرية لفبركة هذه القضية التي جاءت بعد ما نشر الكاتب الصهيوني ألوف مقالاً له يوم الأربعاء الماضي بصحيفة "هاآرتس" قال فيه: "إن الرئيس مبارك من بين جميع قادة العالم هو الأكثر قربًا وصداقةً برئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، وإن كلاًّ من الكيان الصهيوني ومصر يعملان سويًّا لفرض الحصار على غزة؛ لإضعاف حكم حماس وإحباط عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة.

 

ورغم أن مزاعم الكاتب الصهيوني بلغت ذروتها بأن مبارك هو المسئول عن الاستقرار في الكيان الغاصب، باعتباره أكثر الزعماء حكمًا لمصر منذ حكم محمد علي، ويالتالي، فإن القادة في الكيان الصهيوني يتمنون أن يظل في منصبه، بالرغم من تعديه سن الـ82عامًا، إلا أن القاهرة لم تكذب ولم ترد على هذه الادعاءات الصهيونية، بل راحت تلفق قضايا بدت وكأنها تصديقٌ عمليٌّ لهذه الادعاءات.

 

أشكُّ أن بيتًا مصريًّا لم يقدم نوعًا ما من الدعم لغزة عبر قنوات الدعم المختلفة؛ سواء الهلال الأحمر المصري أو نقابة الأطباء، أو اتحاد الأطباء العرب، أو بالتحرك المباشر، كما شاهدنا خلال فترات فتح المعبر، وفترات انهيار الجدار الحدودي بين غزة والعريش، ولا تزال هذه المساعدات متواصلةً تسمح السلطات المصرية بمرورها أحيانًا وتمنعها أحيانًا.

 

حماس لم ولن تكون عدوًا لمصر، بل الصحيح أنها الشقيق والحارس لبوابتنا الشرقية، وكلما قويت حماس وتمكَّنت من توجيه ضربات للعدو المشترك- الكيان الصهيوني- وصمدت في مواجهة الحصار الظالم المفروض على القطاع منذ 4 سنوات، كلما كان ذلك نصرًا يسعد به الشعب المصري الذي يتمنَّى للصهاينة يومًا أسود.

 

عيب أن نقحم القضاء المصري في الخلاف السياسي، سواء مع حركة معارضة سلمية في الداخل أو حركة مقاومة مسلحة للعدو في الخارج، عيبٌ أن نستغلَّ هذا القضاء الوطني في استصدار أحكام هي في المحصلة الأخيرة خدمة ودعم للعدو الذي قتل آلاف المصريين قبل أن يقتل آلاف الفلسطينيين واللبنانيين والأردنيين.