عكاشة عباد
في إحدى زيارات أهلي في داخل السجن التقيت أحد المحكوم عليهم في قضايا جنائية، فقال لي: ليه بيحبسوكم وأنتم ناس محترمون؟ وفي أثناء زيارة الأهل قالت لي ابنتي الصغيرة متسائلةً: لماذا أنت بالسجن يا بابا؟ فوجدتني أسأل نفسي: نعم، لماذا نُحبس؟ ولماذا نحن بالسجن ومعنا بالداخل أعمار مختلفة تبدأ من أقل من 20 عامًا حتى 73 عامًا؟

هل لأننا سرقنا أموال البنوك بقروض لا ضمان لها سوى الرشاوى التي تدفع، وهربنا خارج البلاد؟ أما أننا ضبطنا برشاوى ندفعها أو تدفع لنا عن تسليم أو تسلم المشروعات والمواقع المختلفة؟ لا؛ لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما" (عن ثوبان)؛ هل لأننا غشننا هذا الشعب ودمرنا صحته بإحضارنا المنتجات المنتهية الصلاحية أو الدم الفاسد أو القمح المسرطن أو المبيدات السامة القاتلة؟ لا؛ لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن غشنا فليس منا" (عن أبي هريرة).
هل لأننا استغللنا المناصب في المنافع الشخصية فوظفنا الأقارب في الوظائف وهم غير مؤهلين؟ أو استولينا على أراضي الدولة بأسعار رمزية وبعناها بالملايين؟ لا، لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" (عن بريدة)؛ هل لأننا زوَّرنا الانتخابات وبدلنا رغبة الشعب وإرادته من أجل الحفاظ على الكراسي والمصالح الشخصية، يُستعمل أناس وفي القوم من أرضى لله منهم مستخدمين شعارات الحرية والديمقراطية والشفافية والعدالة؟ لا؛ لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (عن ابن عباس).
هل لأننا حملنا السلاح وقتلنا الأبرياء وروعنا الآمنين؟ لا، لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن حمل علينا السلاح فليس منا" (عن أبي هريرة)، هل لأننا أحدثنا فتنةً طائفيةً؟ لا، لأننا نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن آذى ذميًّا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" (عن ابن مسعود).
إذًا لماذا حبسنا؟ وخرجت من صمتي لأجد الرجلَ في انتظار إجابتي، وبعده كانت ابنتي، فقلت حبسونا لأننا نريد من الناس أن يطبقوا الإسلام عمليًّا لا قولاً، فلا أحد يستغل منصبه الذي يعين فيه ولا أحد يأخذ أو يدفع رشوة لإنهاء عمل له، ولا مسئول يرتشي أو يأخذ حتى إكرامية، ولا كاتب يكذب في مقالاته أو أخباره أو تحليلاته, ولا تاجر يطفف في الكيل والميزان ويستغل جهل العميل ويدعي لبضائع ما ليس فيها، ولا جار ينتهك حرمة جاره ويعتدي على ماله، ولا شاب يرتكب الفاحشة، ولا فتاة تمشي متبرجة أو تتزوج عرفيًّا أو تكون ذات وجهين لأهلها محتشمة محترمة وللشارع.. ولا عالم يعلم الحق ويكتمه أو يحيد عنه ويرى المنكر فيصمت عنه مخافة أن يحارب في عمله أو منعزلاً عنها ولا يسمع الضلال الذي يقال حولها, ولا يرى أخاه يذبح فلا يحزن ويهزم فريقه الذي يشجعه فيحزن ويغتم وهو مجرد متفرج لن يعود عليه شيء إذا فاز هذا الفريق أو هُزم فلاعبو الفريق هم الذين يأخذون المال والمكافآت ويحصلون على الشهرة والرحلات والمسكين لا يأخذ سوى شربة خروع أو حبة مسك.
قال الرجل: كفاية ما قلت، قلتُ سأجمع لك كله ما قلته وما لم أقله: نريد أن يحكم الإسلام الصحيح حياته الناس حكام ومحكومين؟.