لنتصور ضيفًا تمَّ إكرامه والإغداق عليه، فإذا به يشكر المضيف بلسانه، ولنرَ أفعاله؛ فقد ألقى ما تبقى منه من "شوربة" على "كنبة" الصالون الرئيسية، وما تبقى من سلطة تحت قدميه، والأرز جعله يتناثر على السجاد، ومسح يديه في ستائر المنزل.. بالطبع ما زال لسانه يلهج بشكرهم على ما قدموه له وفعلوه من أجله!.

 

أتصور ذلك وأنا أتمثل فلا احترام لأوامر، ولا طاعة لرسول، ويتصور كل فرد أنه من الشاكرين، وهذه أحوالنا وأفعالنا في هذه الحياة الدنيا وهذه بعض مقتطفات اقتطفتها من وقائع الحياة اليومية وقصصنا، كأنها لوحات معلقة على جدار الحياة الدنيا.

 

دخلت صديقتها إلى المستشفى وكانت في حالة حرجة بعد حادث مروع، ونسمع عبارة مذهلة من الزائرة لها سأنقلها كما هي لندرك الخطورة: "والله ما تستاهل هي كانت عملت إيه علشان يحصل لها كده".

 

وتقف الدنيا مزهولةً مما تسمع، وعندما يتدخل أحد الحضور لينهى القائلة عما تقول تتدارك الأمر، فتضيف: "هو إحنا قلنا حاجة الحمد لله على كل شيء".

 

تزكية للأنفس واعتراض على حكمة المولى، وطبعًا هي تشكر وتحمد، بالطبع تناقض عجيب وغريب، فلو كان الحمد من القلب لكانت الأفعال مصبوغةً بالطاعة، ولكن هناك أدبًا مع الله ومع النفس ومع الناس؛ فالحمد رضا بالقلب يتبعه فعل بالجوارح يحتوي كل ذلك لسان يلهج بالحمد المقبول بإذن الله.

 

ونعجب لآخر؛ لن نقول في مسرح الحياة تصرفه ولكن مع نفسه وبين يدي ربه.. ففي أثناء صلاته وهو يسبح ويكبر ويهلل ويحمد بلسانه، أما فكره وعقله فقد اختلى بهما الشيطان فنجده يفكر في كيفية النيل من صديقه الذي أحرجه اليوم أمام مديره، ويزداد حقده وبغضه على هذا الصديق مع كل تكبيرة، ويسيء الظن والفهم؛ فيعجل في صلاته تلك التي يسميها صلاة، وهي منه براءٌ، ليهرع إلى تليفونه ينفخ فيه من بعض ما يشعر به من حقد ليغتاب زميله مع بقية زملائه، ويكيل له التهم والافتراءات، وكل حين يردِّد عبارة "أستغفر الله العظيم"، ولا يفعلها ولا يعمل بها فتزداد شرارة الكراهية في قلبه، وتبدأ الأفعال تزداد ضراوةً، فيبتعد الإنسان عن التمتع بنعمة الأنس بالله، ويصبح رفيقًا لشيطانه يذهب به، ويجيء إلى حيث متاهة الغفلة ونسيان حقوق الله والعباد أمر عجيب.. لماذا لا يفعل بفعل أقوالنا الطيبة إلى أفعال تشبهها؟ ولماذا تشوِّه حياتنا تصرفاتنا؟!

 

واللوحة الثالثة لامرأة تكثر من النوافل والسنن، بل وتحفظ الكثير من سور القرآن الكريم ولكنها غير مستريحة مع أحد، ودائمة الشكوى من الزوج والأولاد والأخوات، وحتى الأب والأم.. أمر مذهل وكأن كل الدنيا على خطأ وهي الوحيدة التي على صواب.

 

إن كل فرد فينا يحتاج إلى أن يخرج من بؤرة نفسه وشرنقة ذاته، ثم ينظر إلى أفعاله، وكأنه شخص آخر، ثم يحكم على نفسه، فمن الخطأ أن أعيش مع نفسي دومًا، بل من المستحب أن أترك هذه النفس قليلاً، وأنظر إليها عن بعُد ثم عن قرب لأراها على حقيقتها فأقيّمها تقييمًا حقيقيًّا ثم أستعين بالله على إصلاحها.

 

بالطبع من أروع ما في الدنيا الصلاة وحفظ القرآن والدوام على النوافل مع المفروض، ولكن صبغة الله تشمل الداخل والخارج، ولا بد أن ينطبع ذلك على الهدوء والسكينة والطمأنينة التي تنبعث من حامل هذا القرآن العظيم.

 

ولننظر إلى لوحتنا الرابعة؛ حيث يقبع داخلها متزوج ولديه أطفال ويذهب لبعض الدروس، وبدلاً من أن يتمتع بما أحلَّه الله له يستخدم النعمة في معصية الله، مع أن شكرها صيانتها عن الحرام.. نعمة النظر التي وهبها الله؛ فهو يطلق عنان بصره إلى كل شيء، ويبرر كل شيء، وبالطبع يجد بغيته في كل مكان من جرائد ومجلات وأفلام ومسلسلات وكمبيوتر، وحتى وهو يسير في الطريق، فالنساء السافرات مثل الهمِّ على القلب لمن لم يحترس ويستشعر أن بصر الله إليه يسبق بصره إلى ما حرم، وشكره لنعمة البصر لا تتأتي بطاعة الله فيه، وتندهش لأنامله وهو يحركها وتندهش أكثر للسانه وهو يردد التسبيح مع فجيعة عينيه وهو يستخدمها في نفس التوقيت للنظر إلى عورات لم يأذن الله له بها.

 

ثم نجد التساهل في التعامل مع المرأة، والتساهل في الاختلاء بها، والتساهل في ملامستها ولو بالمصافحة، والتساهل في.. وفي.. وفي..، ثم تتصور أن اللسان ذاكر شاكر مسبح.. تناقضات تؤخرنا كثيرًا عن ركب الرقي والرفعة واحترام النفس.

 

كثير من اللوحات المعلقة قد آن الأوان ليُكتشف بشاعتها وتقوم بإزالة محتواها الخطأ لنحتوي الصحيح من الأفعال والتصرفات، فلحظة العمر لن تعوَّض، فلنجعلها في طاعة حقيقية ليست زائفة ولا ضالة.

 

نسأله سبحانه أن ينعم علينا بنعمة الشكر والاستغفار فيما تبقَّى لنا من كل حاجة وفعل نراه.
فلحظات الحياة مهما طالت قليلة.. قليلة.. قليلة.