في مواجهة حالة التردي الحضاري، وتراجع وحدة الأمة ودورها الحضاري؛ جاءت حركة الإحياء الديني لتمثل الرد الموضوعي على حالة الأمة الإسلامية، فعبر البلاد العربية والإسلامية ظهرت موجة واسعة من الإحياء الديني، تشمل قطاعات متزايدة من الشعوب العربية والإسلامية؛ لتؤكد أن الدين هو الملاذ الحضاري الآمن لتلك الشعوب.

 

فمع تزايد حالة التردي الحضاري، وتزايد المشكلات والأزمات؛ تلجأ الشعوب إلى هويتها التاريخية الحضارية لتستعيد الثقة في النفس، وتستعيد وجودها، وتحمي هويتها، ولم تلجأ الشعوب العربية والإسلامية إلى القومية لتحمي هويتها لأن القومية لم تمثل هويتها التاريخية الحضارية، بل لجأت إلى الدين لأنه جوهر الهوية الحضارية للأمة.

 

والبداية بالإحياء الديني تدل على أن الدين هو جوهر الهوية الحضارية للأمة، فهو يمثل المرحلة الأولى لاستعادة الوعي التاريخي، واستعادة الهوية والتميز الحضاري، ومن ثَمَّ استعادة الثقة في النفس.

 

فمسار الخروج من حالة التراجع والتردي الحضاري، ومسار عملية التغيير والإصلاح، وأيضًا مسار النهوض بدأ بالإحياء الديني، أي أنه بدأ ببناء الذات الحضارية للفرد والمجتمع والأمة، ومن خلال عملية بناء الذات الحضارية، تواجه الأمة حالة الهزيمة التاريخية والحضارية التي تعاني منها.

 

من هنا اتضح أن الدين هو الملاذ الحضاري الآمن للأمة؛ أي أنه مصدر هويتها ومرجعيتها، ومصدر ذاتها الحضارية، والنقطة التي تربط مراحلها التاريخية، فلجأت الأمة للدين في عملية إحياء ديني واسعة، بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين، وفي تلك العملية استعاد الدين دوره بوصفه مصدرًا للمرجعية والهوية، ومصدرًا لتعريف الشعوب لنفسها، والحاصل أن بعد تفكك الأمة الإسلامية إلى دول قومية قطرية، وبعد ما عانته الأمة من هزائم وتراجع حضاري، بدأت مرحلة الخروج من تلك الحالة باستعادة المشترك الذي بُنيت الأمة على أساسه، وهو الدين، فلم تلجأ الشعوب إلى القومية تبني عليها هويتها؛ لأن من القومية تفككت الأمة، بل وتفككت الشعوب، ومن داخل النزعة القومية تراجعت الأمة حضاريًّا، وهُزمت أمام أعدائها، بل إن النزعة القومية كانت الباب الذي دخلت منه قوى الهيمنة الخارجية التي فككت الأمة الإسلامية بتفكيك دولتها ووحدتها السياسية.

 

الإحياء الديني خيار المستقبل

الناظر إلى حالة الشعوب العربية والإسلامية، يدرك أن عملية الإحياء الديني مثَّلت الخيار المستقبلي للأمة، ولم تمثل حالة وقتية لمواجهة ما تعاني منه الأمة من تراجع وأزمات، فالإحياء الديني لم يكن مرحلة لمواجهة أزمة مجتمعية فقط، بل يمثل بداية لمرحلة تاريخية جديدة، فهناك فرق بين اللجوء للدين لمواجهة أزمة، واللجوء للدين لبناء مستقبل جديد، وهو الفرق بين المرحلة الأولى من الإحياء الديني، والمراحل التالية له، ففي البداية ظهر اللجوء إلى الدين في صورة حالة دينية وروحية، وردود فعل دينية على الأوضاع القائمة، وكأنه رد فعل على ما يحدث للأمة، كما حدث بعد هزيمة عام 1967م، والتي لم تكن هزيمة للدول التي تعرَّضت للاحتلال الصهيوني فقط، بل كان هزيمة للأمة كلها، وفي مرحلة ردِّ الفعل تظهر فورة دينية، وصحوة دينية، تنتشر بسرعة، وتظهر سريعًا، دون أن تحقق العمق الكافي، وتلك كانت مرحلة ردِّ الفعل، ولكن مرحلة ردِّ الفعل لم تستمر، بل استمر الإحياء الديني يتعمق أكثر فأكثر، حتى بعد الانتصارات التي تحققت على العدو الصهيوني، وبعد التغييرات الواسعة الحادثة في حياة الشعوب العربية والإسلامية.

 

لقد ظل مسار الإحياء الديني مستمرًا، في مراحل التقدم النسبي، ومراحل التراجع، ومع ظهور الأزمات الاقتصادية، ومع تراجعها، واستمرت موجات الإحياء الديني في الدول التي تعاني اقتصاديًّا، وفي الدول التي تحقق طفرات اقتصادية، وفي الدول التي حققت نموًا اقتصاديًّا واضحًا، فمسار حركة الإحياء الديني ظل هو المسار المستمر في كل الظروف؛ ليتأكد أنه لم يكن ردًّ فعل على واقعة بعينها، ولم يكن لحظة هروب من الواقع، بل كان لحظة مواجهة مع الواقع، مواجهة رأت فيها الأمة أن مستقبلها يتحدد من خلال هويتها الحضارية التاريخية، والتي يمثل الدين مركزها الأساسي.

 

الأمة تتجاوز القومية

ومع عملية الإحياء الديني مثَّلت الصحوة الإسلامية حالة استرجاع لهوية الأمة الواحدة، واسترجاع لوحدة الأمة، وكانت تيارات الصحوة الإسلامية عابرة لكل حدود قومية، تسري في جسد الأمة في كل أوطانها، وتمثل تيارات عابرة للقومية، لتمثل بذلك تيارات الأمة الصاعدة، التي لا تعرف حدودًا جغرافية، فلم نعرف حركات إسلامية قومية، ولم نعرف تيارات تتميز عن بعضها بهوية قومية، بل عرفنا تيارات إسلامية متنوعة، ولكنها جميعًا كانت عابرة للقومية؛ لذا لم تكن حركة الإحياء الديني، حركة قومية بأي معنى من المعاني، بل كانت حركة عابرة للقومية بكل معنى الكلمة.

 

لذا يمكن القول: إن حركة الإحياء الديني تقوم بإعادة القومية إلى موضعها الصحيح من وجهة نظر الأمة بوصفها مكون من مكونات الهوية الفرعية، وليس المكون الرئيس لها، وفي مسار الإحياء الديني، تمَّ عبور القومية، ولم تعد هوية جامعة مانعة، بل أصبحت هوية جامعة غير مانعة، فهي تجمع قومًا من أقوام الأمة، ولكنها لا تفرق بينهم وبين غيرهم من الأقوام، بل تجعل تلك الأقوام وتلك الأوطان مكون في الوطن الإسلامي الأكبر.

 

 تلك التحولات لم تكن مجرد تحولات عابرة، بل أصبحت تمثل حالة تاريخية مهمة، فقد أصبحت حركة الصحوة الإسلامية عابرة للقومية، وفي الوقت نفسه عابرة للدول القائمة، فهي حالة توحد الأمة بعيدًا عن تفرق دولها، وتتجاوز الدول القومية القطرية المتفرقة؛ لتصنع حالة تاريخية توحِّد الأمة من جديد، داخل تيار الصحوة الإسلامية الواسع بكل روافده.

 

الرد على العلمانية الدنيوية

الناظر لمسار الدول الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية، والناظر إلى الطبقات الحاكمة يجد توجهًا علمانيًّا واضحًا، تختلف درجته من بلدٍ إلى آخر، فلقد توجَّه النظام الرسمي العربي والإسلامي نحو العلمانية، مع توجهه للتحالف مع الغرب العلماني، ورغم تلك الهجمة العلمانية الدنيوية الرسمية، والتي تتعرض لها الأمة منذ عقود وأكثر، نجد تيار الإحياء الديني يتجه في مسار آخر، ليبني مجتمعًا معاديًّا للعلمانية بكل صورها، ويبني مجتمعًا يقاوم الدنيوية، ففي الوقت الذي تبني فيه الدول على مرجعية دنيوية غير دينية، يبني المجتمع نفسه من خلال تيارات الصحوة الدينية بصورة دينية الأساس والهوية، فالمجتمع يزداد تديُّنًا، والدولة تزداد علمانية.

 

هنا ظهر رفض المجتمعات لهوية الدولة، وللهوية العلمانية، وللمرجعية الدنيوية غير الدينية في صورة تيار مستمر للصحوة الإسلامية، والإحياء الديني ليس فقط لدى المسلمين، بل أيضًا لدى غير المسلمين، فكل مكونات الأمة من مسلمين وغير مسلمين تتجه نحو الإحياء الديني؛ لتجعل الدين هو المرجعية العليا التي تتحدد على أساسها الهوية، ويتحدد على أساسها النظام العام، وبهذا ردَّت مجتمعات الأمة على علمانية النظم الحاكمة، وأصبحنا بصدد عملية علمانية رسمية، وعملية تدين شعبية مضادة لها.

 

تنوعات تيار الإحياء الديني

تعددت تيارات حركة الإحياء الديني، وتغيير وضعها النسبي من مرحلة إلى أخرى، وتشكلت تيارات أساسية وأخرى فرعية، وتراجعت تيارات ثم عادت للنمو مرةً أخرى، وظن البعض أن تلك التحولات هي تحولات في مسار حركة الإحياء الديني، ومسار تيار الصحوة الإسلامية، ولكنها في الواقع، عبرت عن تنوعات داخل المجتمعات العربية والإسلامية، فجاءت تيارات الصحوة الإسلامية متنوعة بقدر تنوع فئات المجتمعات وشرائحها المختلفة، ولم تكن تحولات الصحوة الإسلامية تحولات في مسارها؛ بقدر ما كانت تحولات في نوعية الفئات المنتمية لها.

 

ومع كل مرحلة جديدة من مراحل الإحياء الديني، نجد شرائح جديدة تنتمي لتيار الإحياء الديني، ونجد توسع في قاعدة تيارات الصحوة الإسلامية، فكل تيار أصبح يجذب قطاعًا ما من المجتمعات، ومع تعدد التيارات، تم جذب قطاعات أوسع من المجتمعات العربية والإسلامية، فداخل كل مجتمع تنوع، يكشف عن نفسه في تنوع تيارات الصحوة الإسلامية، ولكن كل هذه التيارات الفرعية تشكِّل معًا تيارًا واحدًا، له وجهة واحدة، فهي جميعا تبني الهوية الحضارية الإسلامية الواحدة، والجامعة لكل شعوب وأوطان الأمة الإسلامية؛ لذا أصبح تنوع التيارات الإسلامية جزءًا من التنوع والثراء الداخلي الطبيعي داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

 

هي إذًا، ليست تحولات في مسار تيار الصحوة الإسلامية، وليست مراحل لنهاية تيار الصحوة الإسلامية، أو مراحل تغيره من داخله لدرجة تدفع هذا التيار إلى نهاية حتمية معينة، بل هي تنوعات داخل المسار الصاعد لتيار الصحوة الإسلامية، جعله بالفعل تيارًا جامعًا لأغلبية جماهير الأمة الإسلامية، ويتضح من تيارات الصحوة الإسلامية، أنها تبني الرابط الأساسي للهوية الحضارية، ولكنها تتنوع في تعريفها للرؤية الفكرية؛ مما يكشف عن ظاهرة التنوع في إطار الوحدة، والتي تميز الحضارة الإسلامية، وتمثل أحد أبزر ملامحها التي تميزها عن غيرها من الحضارات؛ لذا فكل التيارات تنمو وتنضح وتُطور فكرها، وربما يظهر تيار في مرحلة بصورة أكبر، أو يتراجع تيار في مرحلة أخرى، أو تختفي بعض التيارات أو تظهر تيارات جديدة، ولكن الصورة الكلية لتيار الصحوة الإسلامية توضِّح أنه يبنى لنفسه تياراته الأساسية، والتي تعبر عن تنوعه الداخلي، رغم وحدة أسسه وغاياته ومقاصده.

 

معارك الأمة

حوَّلت حركة الإحياء الديني المعارك الأساسية للأمة من معارك وطنية قومية قطرية إلى معارك جامعة، وأسقطت المعارك القومية القطرية، والتي ما زالت تغرق فيها الدول في المنطقة العربية والإسلامية، فأصبحنا أمام نوعين من المعارك، معارك الأمة، ومعارك الدولة القومية القطرية، الأولى تهم الأمة بكل شعوبها وأوطانها، والثانية تهم النظام الرسمي ونخبة العلمانية، وبهذا تفرقت الحالة بين الأمة ونظامها الرسمي، وحددت الأمة معاركها الأساسية، في مواجهة كل عدوان عليها، فأصبحت المعركة الأولى في القدس، وتحرير فلسطين، وتحرير كل أرض تعرضت للاعتداء الغربي، فمعركة التحرير هي المعركة الأولى للأمة.

 

ومن معركة التحرير في مواجهة الغزو والاحتلال العسكري، ظهرت معركة التحرير في مواجهة الهيمنة الغربية على المنطقة، بكل أشكالها السياسية والاقتصادية، وتبلورت معركة الأمة تجاه العدوان الثقافي والحضاري الذي تعرضت له، من خلال عملية التغريب والعولمة والعلمنة، وبهذا حددت الأمة معاركها الأساسية تجاه العدوان الواقع عليها وعلى هويتها، وبدأت تتبلور معركة الأمة الشاملة، وهي معركة في مواجهة العدوان الخارجي؛ مما جعلها معركة في مواجهة القوى المتحالفة مع العدوان الخارجي، والنخب المتحالفة مع الغرب، ومع كل القوى المشتركة في عملية التغريب والعلمنة، فأصبحت الأمة تدرك خطورة الاستعمار المحلي، والذي يقوم بدور الوكيل عن الاستعمار الخارجي.

 

ومع توسُّع فكرة المواجهة مع القوى الغربية المهيمنة والقوى المتحالفة معها؛ برزت أهمية وحدة الأمة كشرط من شروط نصرتها ونهضتها، وأصبح حلم الوحدة الإسلامية يعود من جديد، بوصفه أمل المستقبل، والذي تتأسس عليه قدرة الأمة على التحرير وتحقيق الاستقلال.

 

الحلم البديل

الناظر إلى العقود الماضية، منذ بداية الصحوة الدينية في المنطقة العربية والإسلامية يلاحظ ملامح تلك العملية المستمرة لبناء حلم بديل يختلف عن الواقع الحالي، حلم يجمع الأمة في مواجهة كل أعدائها، وفي مواجهة التخلُّف والتراجع والتردي الحضاري، وفي مواجهة كل القوى والتيارات والنخب التي تريد تفكيك الأمة، وتحويلها إلى قوميات متنازعة وأقطار متفرقة.

 

بناء الحلم مثل جوهر تيار الصحوة الإسلامية، وجوهر عملية الإحياء الديني؛ لأنه شكل الرؤية التي تسعى لها الأمة، وحدد ملامح المستقبل المنشود، فالإحياء الديني، لم يكن حالة روحية خاصة أو فردية، بل كان حالة جماعية، ولم يكن حالة حياتية أو اجتماعية ضيقة، بل كان حالة حضارية واسعة، فعملية الإحياء الديني مثلت مسار الأمة في مواجهة واقعها الراهن، وأصبحت هي العملية التي تبني مسار الأمة في المستقبل؛ مما جعلها تمثل الخط الرئيس في تاريخ الأمة؛ لهذا أصبح الإحياء الديني هو عملية تحرير واسعة للأمة، من أجل تحقيق استقلالها الحضاري الشامل، والذي يمكِّنها من بناء مستقبلها المنشود.