![]() |
|
قطب العربي |
لم تكن الشعارات الدينية- من آيات وأحاديث ومشتقات لغوية منها- مثارًا للشجب أو الاستهجان الشعبي أو الرسمي قبل دخول الإخوان المسلمين ساحة العمل السياسي، والترشح للانتخابات سواء كانت نيابيةً أو محليةً أو مهنية.
أتذكر أنني منذ الصغر كنت أطالع في كل انتخابات نيابية العديد من اللافتات للمرشحين تحمل آيات قرآنية وأحاديث نبوية وبعض العبارات والحكم ذات المدلول الديني؛ مثل "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"، "وما توفيقي إلا بالله"، "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، لم تثر تلك اللافتات والشعارات أي حساسية من أي نوع سواء على المستوى الشعبي الجماهيري، أو على المستوى الحكومي الرسمي؛ حيث كان يشارك بكتابة هذه الشعارات أقطاب كبار للنخبة الحاكمة قبل تأسيس الحزب الوطني وبعد تأسيسه.
إذًا ماذا جرى حتى تثير مثل هذه الشعارات واللافتات حفيظة السلطة؟ ومن ثمَّ تُسوق لخطورتها بين الرأي العام، وتحشد ضدها كل وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية.
الجديد فعلاً هو دخول منافس حقيقي وجاد للنخبة الحاكمة المتدثرة في عباءة الحزب الوطني، ومن قبله العديد من التنظيمات السياسية، بدءًا بالاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي.
هذا المنافس الجدي هو الإخوان المسلمون الذين أثبتوا فاعليتهم السياسية بشكلٍ سريع جدًّا، وخلال فترة قصيرة من دخولهم مجال العمل السياسي على عكس أحزاب عتيقة بعضها يضرب بجذوره في أعماق التاريخ المصري الحديث، مثل حزب الوفد، وهذه المنافسة الجدية من الإخوان للنخبة الحاكمة دفعت هذه النخبة لاستخدام كل سلاحٍ ممكنٍ مشروع أو غير مشروع؛ لوقف تقدم الإخوان وإزالة خطرهم الداهم على تلك النخبة، فكان من ذلك الاعتقالات، والحبس، والفصل التعسفي، والنقل، والتشريد، والملاحقة في الأرزاق، وإغلاق الشركات، وتلفيق القضايا، وكان إلى جانب ذلك سن تشريعات "بالمقاس" لخنق الإخوان.
ومع كل الأساليب السابقة عمدت النخبة الحاكمة إلى نزع ما اعتبرته سلاحًا ماضيًا وجذابًا بيد الخصم، وهو استخدام الخطاب الديني الذي يدخل سريعًا إلى قلوب الناخبين، رغم أن هذه النخبة كما ذكرنا هي أول من استخدمه، ولا تزال تستخدمه، ولكن بما يخدم مصلحتها هي، فقامت السلطات الأمنية في الانتخابات التشريعية الماضية وحتى الحالية بتمزيق اللافتات التي تحمل شعارات إسلامية، مثل "الإسلام هو الحل"، ولم تكتف السلطة بالأمر الواقع، فقامت بتعديل الدستور وبعض القوانين؛ لتمنع استخدام هذه الشعارات الإسلامية بعد أن وجدت خصمها السياسي يحسن استخدامها فيما فشلت هي في هذا الاستخدام.
الإخوان من ناحيتهم تمسكوا بشعاراتهم، وعلى رأسها "الإسلام هو الحل"، وحصلوا على حكم قضائي من مجلس الدولة يقضي بدستورية هذا الشعار، أي عدم مخالفته للدستور كما تدعي الحكومة، بالإضافة إلى فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف؛ بل إن الحكم اعتبر هذا الشعار متسقًا مع المادة الثانية من الدستور التي تنص على "إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"، لكن هذا الحكم القضائي- وكغيره من آلاف الأحكام القضائية التي لم تأتِ على هوى النخبة الحاكمة، ومعها النخبة العلمانية التغريبية الكارهة لكل مظاهر التدين- قوبل بالرفض والتضييق، والغريب أن الرفض لم يقتصر على الحكومة، والنخبة العلمانية؛ بل تعداه للجنة القضائية المشرفة على الانتخابات، والتي يُفترض بها أن تكون أكثر تقديسًا لأحكام القضاء بحكم انتمائها أساسًا لبيت العدالة، فهذه اللجنة برئاسة المستشار انتصار نسيم أعلنت وكررت أنها تعتبر شعار "الإسلام هو الحل" مخالفًا للدستور، وأنها ستعاقب من يرفعه، حتى لو وصل الأمر إلى شطب المرشح، ولا أدري كيف أعطت هذه اللجنة لنفسها حقًا أن تصدر- هكذا- حكمًا، ناقضة حكم هيئة قضائية محترمة هي مجلس الدولة، دون أن يكون هذا النقض بالطريق القانوني الصحيح، أي الطعن أمام الدرجات الأعلى، أو أمام المحكمة الدستورية، فليس معنى أن رئيس لجنة الانتخابات هو قاضٍ ومستشار، بل ورئيس لمحكمة الاستئناف أن يقوم هو ومن مقعده هذا بإصدار أحكام تخالف الأحكام التي أصدرتها هيئات قضائية مارست عملها بمهنية على منصة القضاء بعيدًا عن التحيزات والأجواء السياسية.
الغريب أيضًا أن محاربة الشعارات الدينية لا تزال تقتصر فقط على جزءٍ من المرشحين، وهم مرشحو الإخوان، فيما مرشحون آخرون بعضهم من الحزب الوطني الحاكم، وبعضهم من المستقلين، وبعضهم من الأقباط رفعوا بالفعل شعارات دينية، وعقدوا مؤتمراتهم داخل مقار دينية، وعقدوا الاتفاقات داخل تلك الأماكن الدينية، (كما فعل أحمد عز في لقائه بالبابا شنودة، وكما حدث في الكنيسة الإنجيلية بقرية البياضية في ملوي وغيرها من الكنائس والمساجد، وهو ما رصدته بعض الصحف والمراكز الحقوقية المتابعة للعملية الانتخابية، وعلم به عن طريق النشر رئيس لجنة الانتخابات دون أن يحرِّك ساكنًا.
المشكلة ليست في الشعارات، ولكن فيمن يحملونها، فحتى لو تخلوا عن هذه الشعارات فلن تتخلى الحكومة عن مطاردتهم عملاً بسياسة الذئب مع الحمل "وأكلك وأكلك"، وبالتالي فلا داعي أن ينزعج المنزعجون.
من هذه شعارات ظلت ترفرف على سماء مصر عقودًا من الزمن، دون أن يكون لها أي تأثير سلبي على علاقات المجتمع وتفاعلاته، ولا داعي أن يسكب العلمانيون الزيت على النار بمحاربتهم لهذه الشعارات التي هي جزء من هوية المجتمع، وليست غريبة عليه، والتي يرى غالبية المجتمع أن معاداتها هي معادة مبطنة للدين نفسه، وبالتالي فإن تحويلها إلى معركة هو من قبيل الفتنة التي لا تصيبن الذين ظلموا خاصة.
-----------------
