الحمد لله الذي جعلنا من أمة القرآن. كتاب الله المبين ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت) ليس فيه اختلاف، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82)﴾ (النساء).. كتابٌ قيم ليس فيه عوج ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1)﴾ (الكهف).. ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)﴾ (الزمر)، فيه بيان لكل شيء.. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89).

 

أنزله الله على رسوله ليخرجنا به من الظلمات إلى النور ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)﴾ (إبراهيم)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾ (الإسراء)، لا تنقضي عجائبه، ولا تنفد أسراره، ولا يبلى من كثرة الرد.

 

يسَّره الله عز وجل بلسان رسولنا صلى الله عليه وسلم ليبشر به المؤمنين وينذر به الكافرين ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)﴾ (مريم)، حذرنا ربنا من عدم تدبره.. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد)، مَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن اهتدى به هُدي إلى صراط مستقيم، ومَن زاغ عنه ضلَّ وخسر، فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا.

 

 الصورة غير متاحة

 د. محمد كمال

أخي الحبيب قبل أن نتعرض لحال سلفنا الصالح مع القرآن فإننا نُذكِّر بحال الجماد وحال غير المسلمين. بل والجن أيضًا ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: من الآية 21)، لم ينكر الكافرون عظمته وجلاله قال أحدهم (الوليد بن المغيرة): "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أوله لمغدق، وإن أدناه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه".

 

تمنَّت اليهود لو أن آيةً منه نزلت عليهم لجعلوها عيدًا، أما النصارى الذين آمنوا بسيدنا عيسى ولم يكفروا فإنهم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ (المائدة: من الآية 83).

 

حين استمعت إليه الجن أنصتوا وأنذروا قومهم وتعجَّبوا من جماله وآمنوا به: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)﴾ (الأحقاف)، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (الجن).

 

أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح فلهم حال مع القرآن لا يستطيع أن يصفه واصف، اقشعرَّت منه أبدانهم وهفت إليهم نفوسهم، وازدادوا به إيمانًا على إيمانهم، ارتبطوا به علمًا وعملاً وتلاوةً وتدبرًا، وأقاموا حدوده قبل أن يقيموا حروفه.

 

يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي الله عنه-: لو طهرت قلوبنا لم تشبع من قراءة القرآن، وكان أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يُعاد يحسبونه مريضًا.

 

قال سفيان بن عيينة: مَن أحبَّ القرآن فقد أحبَّ الله عز وجل.

 

وذكر أن محمد بن شجاع لما حضرته الوفاة أشار إلى بيت فقال ختمت القرآن في ذلك البيت في الصلاة ثلاثة آلاف مرة.

 

قال أبو العالية: كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلَّم الرجل القرآن ثم ينام لا يقرأ منه شيئًا.

 

فضائل حملة القرآن

1- التمتع بالخيرية "خيركم مَن تعلم القرآن وعلمه".

 

2- يُعد من السفرة "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، وهو يتتعتع فيه وعليه شاق له أجران".

 

3- يرفع الله درجته "إنَّ الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".

 

4- يشفع لصاحبه "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه".

 

5- له بكل حرف يقرؤه حسنة.

 

6- ترفع منزلته يوم القيامة "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإنَّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها".

 

7- لن تبور تجارته مع الله عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)﴾ (فاطر).

 

آداب حملة القرآن

1- إخلاص النية لله والدعاء بالقبول والبعد عن الرياء "فأحد الثلاثة الذين تُسعَّر بهم النار قارئ قرأ ليقال قارئ".

 

2- المحافظة على الوضوء ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾.

 

3- استقبال القبلة قدر الإمكان.

 

4- استشعار أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يكلمه، ويا سبحان الله سيد يُكلِّم عبده ويُعطيه أجرًا على ذلك، سبحانه واسع العطايا.

 

5- التدبر والخشوع والخشية، وأن يقرآ القرآن وكأنه أُنزل عليه.

 

6- تحسين الصوت بالقراءة مع البعد عن المُراءاة.

 

7- التذلل والتباكي إن لم يستطع البكاء.

 

8- العمل بما يقرؤه فيُحل حلاله ويُحرم حرامه.

 

9- أن يشكر الله على ما أعانه عليه وأعطاه ولم يحرمه الأجر.

 

أخي الحبيب:

بعد هذه التذكرة هل اشتقت وتمنيت أن تكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته؟ وهل تذكرت دعاءك اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يُرضيك عنا؟، إن كان فالحمد لله، وإلا فاحذر أن تكون ممن وُصفوا بأنهم اتخذوا هذا القرآن مهجورًا.

 

واجبات عملية:

1- الالتزام بأن يكون لك ورد يومي، واجتهد ألا تختم القرآن في أكثر من شهر.

 

2- استغلال الأوقات، وخاصةً أثناء انتظار الصلاة، أثناء السفر، بعد صلاة الفجر، قبل النوم.

 

3- استصحاب المصحف.

 

4- أشرطة التلاوة، وخاصةً لأصحاب السيارات، فالمستمع له أجر القارئ، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 2).

 

5- التدبر والتفكر فيما تقرأ واستخلاص بعض الدروس والعبر والعمل بها.

 

6- مراجعة الحفظ، وخاصةً في صلاة النوافل.

 

7- تآخي الأفراد ممن يلتقون بصورة طبيعية على مائدة القرآن.

 

8- التعاون مع الأهل في إنجاز الورد اليومي.