- مؤامرة ضد أهالي الجزيرة من أجل عيون رجال الأعمال

- الأمن يفرض حظرًا إعلاميًّا على القرية ويعتقل المخالفين

- مصرع عجوز مختنقًا بدخان القنابل المسيلة للدموع

- مستوصف يرفض علاج طفلة ويقول: "انتوا تبع أكتوبر"

 

تحقيق- إيمان إسماعيل ويارا نجاتي:

تسود حالة من الغضب والاحتقان بين أهالي جزيرة محمد، على خلفية انتشار أفراد من قوات الأمن بالزي الرسمي والمدني في كافة شوارع القرية- حتى كتابة هذه السطور- رغم مرور أكثر من أسبوع على ثورة أهالي الجزيرة، وإخلاء سبيل جميع المحتجزين في قضية قطع الطريق الدائري يوم الجمعة قبل الماضي؛ احتجاجًا على قرار رئيس مجلس الوزراء، رقم 1179- 2010م بتقسيم الجزيرة إلى قسمين؛ أحدهما تابع لمحافظة الجيزة، والآخر لمحافظة 6 أكتوبر، ونقل تبعية قرية طناش كاملة لمحافظة 6 أكتوبر بدلاً من محافظة الجيزة؛ وهو ما يحرم القرى المنقول تبعيتها لأكتوبر من الخدمات العامة والمرافق التي كانت تتوفر لهم في الوضع السابق، بالإضافة إلى أنه سيتيح للحكومة إخلاء مساحة 170 فدانًا من جزيرة محمد فقط، بخلاف باقي القرى المجاورة المأهولة بالسكان، لتحويلها إلى منشآت سياحية- حسب قول الأهالي-.

 

وتعود أزمة جزيرة محمد إلى عام 2008م؛ بنشوب صراع بين كلٍّ من محافظ الجيزة ومحافظ 6 أكتوبر حول تبعية الجزيرة، وانتهى الأمر بقرار رئيس مجلس الوزراء سالف الذكر.. وبناءً على ذلك القرار توالى المهندسون التابعون للجنة المساحة والأملاك ببدء أعمال الرفع المساحي لمنازل الأهالي وأراضيهم التي تسعى الحكومة لانتزاعها منهم وإنشاء مشروع سياحي، معتبرة أن الجزيرة تابعة لأملاك المنفعة الخاصة؛ وهو ما دفع الأهالي للخروج ثائرين في الشوارع يوم الجمعة قبل الماضي ضد قرار رئيس مجلس الوزراء، انتهت بتجمهر الأهالي وقطع الطريق الدائري، معلنين رفضهم التام قرار ضم الجزيرة لمحافظة 6 أكتوبر، والذي يرونه قرار الموت لجميع أهالي المنطقة.

 

وأكد الأهالي- خلال جولة لـ(إخوان أون لاين) داخل الجزيرة- أنهم يعيشون في رعب تحت قبضة الأمن؛ حيث تنتشر قوات الشرطة منذ يوم الجمعة قبل الماضي 24/5 عند مدخل كل منزل تهددهم ليل نهار، وتحكم حركتهم وأحاديثهم وكافة تصرفاتهم التي زادت قبضتها بعد الإفراج عن الأهالي المحتجزين؛ لمنعهم من الظهور في الفضائيات أو إدلاء أية تصاريح إعلامية لوسائل الإعلام.

 

تقول أم حسن (إحدى أهالي المنطقة) وهي ثائرة "ابني اعتقلوه 5 أيام لدفاعه عن حقوقنا الضائعة، في الوقت الذي لا يهتم أي مسئول بأزمتنا وحالنا واحتياجاتنا، فالحكومة ظالمة وتريد دفننا أحياءً، بضمنا إلى محافظة 6 أكتوبر من أجل عيون رجال الأعمال ومشروعهم السياحي".

 

وتستطرد: ابنتي حامل بالشهر الثامن، قام أحد أفراد الأمن بضربها والاعتداء عليها دون أي سبب؛ سوى أنها كانت تشاهد احتجاجات الأهالي يوم الجمعة قبل الماضي بالطريق الدائري على تطبيق القرار؛ مما جعلها في حالة نزيف مستمر قد يؤدي إلى سقوط جنينها في أي لحظة!

 

هدم المنازل

 الصورة غير متاحة

أهالي الجزيرة يرفضون تلاعب الوطني بقضيتهم

ويقول أبو حمادة: "رغم انتفاضتنا ورفضنا لتطبيق قرار الضم، ورفضنا لسحب أراضينا قهرًا إلا أن أفرادًا يرتدون زيًّا مدنيًّا جاءوا لنا صباح أمس وأخبرونا أنهم مسئولون في الحكومة، وكانت معهم أوراق بها جداول بأرقام المنازل التي سيتم هدمها والأراضي الزراعية التي سيتم نزعها، والتي تشكل عائقًا أمام إقامة المشروع السياحي"!!

 

وتضيف أم أسامة- وهي في حالة انهيار من البكاء والسخط- قائلة: "ابني أسامة عبد المجيد محمد مصطفى اختطفته قوات الأمن واحتجزته لمدة تجاوزت 5 أيام، ولم تسمح لنا برؤيته أو إدخال الطعام له، وتمَّ الإفراج عنه وهو في حالة صحية متدهورة، واتهموه بوقف الطريق الدائري وتعطيل المصالح العامة".

 

وتصيح شادية قائلة: "حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة، فهي لا تريد سوى دفننا أحياءً وأن تزيد من همومنا، فنحن تمر علينا أيام دون أن يدخل بيوتنا طعام، والعمل لا يسد احتياجاتنا والمرتبات منعدمة، حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة".

 

وتضيف: إن قرار ضم القرية لمحافظة 6 أكتوبر سيترتب عليه ذهاب أولادنا إلى المدرسة في ساعتين ويعودون في ساعتين أخريين، بعدما كانوا يستغرقون ذهابًا وإيابًا 5 دقائق فقط، وتساءلت: "كيف سنأمن على أولادنا من أخطار الطريق ومدارسهم الحالية على بعد متر.. نقوم نحن بتوصيلهم؟!".

 

زيادة الأعباء

ويضيف راضي عليوة قائلاً: "لكي نذهب بأولادنا لمدارس تابعة لـ6 أكتوبر سيزيد هذا من المصاريف، فبعدما كان أبنائي يذهبون إلى مدارسهم القريبة بـ 50 قرشًا سيتكبدون أكثر من 6 جنيهات في الطريق، هجيبهم منين وأنا مرتبي لا يتعدى الـ300 جنيه في الشهر".

 

ويستكمل: "لكي نقبل بقرار الضم فعلى الحكومة أن توفر لنا العديد من الاحتياجات من توفير وسائل مواصلات تتحمل هي تكاليفها، وتبني لنا مدارس قريبة داخل الحيز السكني الخاص بنا، وأن تكتب لنا ضمانًا بعدم المساس بمساكننا التي وُلدنا فيها وسنموت فيها؛ لأن ليس لنا دخل في أن يحل علينا قرار حكومي مفاجئ ونتكبد نحن كوارثه".

 

وتؤكد مها فتح الله أن الأمن قال لهم علنًا من سيثبت عليه تهمة التعامل مع وسائل الإعلام سيتم اعتقاله على الفور!

 

وتوضح سها أن ابنها محمد عامر لم يتعد الـ15 عامًا، وتم احتجازه لدى قوات الأمن لمدة زادت عن 4 أيام؛ بتهمة إزعاج السلطات العامة، مشيرة إلى أن ابنها ليس لديه أية علاقة بما حدث، فهو تمَّ اختطافه من المنزل نظرًا لاختباء مصور قناة (المحور) داخل منزلهم يوم الجمعة قبل الماضي وهو نائم!.

 

وتقول: "جاءت قوات الأمن لمصادرة شريط الفيديو الخاص بالمصور ولكنه هرب، وكسر الأمن المنزل ودمَّر كل محتوياته ولم يتبق أي شيء سليم، فكل شيء تمَّ تدميره تمامًا، وتم اختطاف ابني من سريره وهو نائم بلا أي ذنب"!!

 

مقتل عم محمد

 الصورة غير متاحة

أراضي ومباني الجزيرة التى تريد الحكومة إزالتها

وتضيف فايزة حامد "مرتباتنا لا تتعدى الجنيهات وبالكاد نجد ما نأكله ونشربه، وزاد على ذلك تعنت الحكومة مع ذوينا أثناء اعتقالهم بصرف مزيد من الأموال عليهم في الطعام ورشاوى الأمن قبل السماح بدخوله، وتكاليف توكيل محامٍ".

 

وتقول أم حنان "ابني ذو الـ4 شهور كاد يموت من القنابل المسيلة للدموع التي ألقتها علينا قوات الأمن المركزي رغم أن منزلي بعيد عن الدائري، فمن كثرة القنابل وإلقائها على كل شوارع القرية لم يستطع التنفس واحمرَّ وجهه، حتى إن الطبيب كشف عليه وقال إنه مصاب بضيق في التنفس كاد أن يودي بحياته".

 

وتضيف "حتى جارنا الحاج محمد عبده 87 سنة مصاب بالقلب، وبمجرد استنشاقه لأدخنة القنابل دخل في أزمة قلبية حادة، وتُوفي مباشرة في اليوم الثاني، بسبب القنابل التي كان الأمن يلقيها علينا".

 

(إخوان أون لاين) حاول الحديث مع أهالي المتوفى، إلا أنهم رفضوا بسبب انتشار المخبرين وقوات الأمن بزي مدني بغزارة عند مدخل المنزل تحديدًا لمنع وسائل الإعلام من فضح الأمر أو التعامل مع ذويه.

 

النوم بعد المغرب

وتقول تهاني عبد الحميد: إن الأمن طوال اليومين الماضيين يمر على منزل منزل، قائلاً لهم: "لو ما نمتوش في بيوتكم من بعد المغرب زي الفراخ منبقاش أمن الدولة"!

 

وتضيف قائلة: "إحنا اتولدنا هنا وعشنا هنا أبًا عن جد ومش هنموت غير هنا ومش قرار صدر في 24 ساعة يهدلنا بيوتنا فجأة وينقلنا منها ويدمر لنا حياتنا".

 

وتقول أم فرح: "المجلس المحلي هو السبب لأن أعضاءه همهم جمع الفلوس فقط، ولم نشاهد منهم أي تلبية لاحتياجتنا أو أي نفع".

 

وتستطرد: "ذهبت بابنتي فرح 3 سنوات إلى المستوصف الصحي، بعدما أُصيبت في المظاهرة بسبب الأمن؛ ولكن المستشفى رفض علاجها؛ لأنها تابعة لـ6 أكتوبر، وهو ما يعني تعنت الحكومة في تطبيق القرار، على الرغم من تصريح المحافظ بأنه لن يتم تطبيق القرار إلا بعد توفير المرافق الجديدة لنا التي ستيسر علينا الحياة"!!

 

وتقول حنان "8 سنوات" وهي تبكي "أنا مش عايزة أروح المدرسة في 6 أكتوبر؛ لأن الطريق طويل وممكن يبقى في ناس تخطفنا، ده غير أننا بنتعب في المدرسة وعايزين نرجع ننام، وهنتعب من الطريق اللي هياخد ساعتين ومش هنعرف نعمل واجباتنا بعد ما نرجع".

 

مخالف للقانون

 الصورة غير متاحة

د. يسري العصار

ومن الناحية القانونية، يؤكد الدكتور يسري العصار أستاذ القانون العام بجامعة القاهرة عدم مشروعية نزع الأراضي المملوكة للأهالي؛ سواء أراضي البناء أو الزراعية، نظرًا لأنها تدخل في انتزاع الملكية الخاصة، وهو ما وضع له القانون العديد من الاشتراطات والضوابط حتى يكون بشكل سليم، فمثلاً يشترط أن يكون سبب نزع الأرض من مالكيها وجود منفعة عامة للمجتمع بالكامل، ويدخل في هذا المشروعات العامة كبناء مستشفى حكومي للأهالي أو مدرسة أو شق طريق للمارة، مشيرًا إلى أن هذا ما حدث عند بناء الطريق الدائري؛ حيث انتزعت ملكية الأراضي الزراعية من أصحابها الفلاحين، وهذا ليس مخالفًا للقانون.

 

ويضيف: وكذلك انتزاع ملكية المنازل الخاصة يجب أن يخضع لنفس الضوابط والشروط القانونية حتى لا يتم في إطار غير قانوني، موضحًا أن ما يحدث في الجزيرة الآن من الرغبة في انتزاع ملكية أراضي ومنازل أهاليها لإقامة مشاريع استثمارية بدلاً منها أمر غير قانوني ولا يجوز لأي جهة كانت أو شخصية فعله؛ حيث كفل القانون للمتضرر حق الطعن على قرار نزع الملكية أمام القضاء إذا كان الغرض منها تحقيق منفعة عامة، وبالطبع في حالة انتفاء سبب المنفعة العامة لا بد للمنزوع منه ممتلكاته أن يقيم دعوى وقف تنفيذ للقرار الصادر بنزع الملكية، وعليهم التشبث بحقهم.

 

ويلفت النظر إلى أنه إذا تم نزع ملكية الأراضي فعلى الحكومة تعويضهم القيمة السوقية العادلة للعقار أو الأرض التي تم نزعها.

 

وعلى صعيد تقسيم تبعية جزيرة محمد وطناش وبالتالي أهلها بين محافظتي الجيزة و6 أكتوبر، يشير د. العصار إلى ضرورة تطبيق القاعدة القانونية التي تنص على الموازنة بين المنافع والأضرار التي ستقع على أهالي المنطقة المقسمة، وإذا كانت الأضرار أكثر من المنافع الواقعة فعليه يكون قرار التقسيم أيضًا غير مشروع.

 

ويوضح أن أهالي الجزيرة الذين اختلفت تبعيتهم، وبالتالي كافة أوراقهم ومصالحهم ومصالح أهاليهم وأبنائهم يكون الضرر الواقع عليهم أكبر بكثير من المنفعة العائدة عليهم والتي لا يعرفها أحد حتى الآن، وبالتالي فإن قرار التقسيم غير مشروع، ويحق لأهالي الجزيرة الطعن ضد هذا القرار.

 

تحت القبة

 الصورة غير متاحة

 محمود محمد عامر

ويقول النائب محمود محمد عامر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب عن دائرة "أوسيم" أن مشكلة أهالي الجزيرة تنقسم إلى جزئين.. أحدهما عاطفي والآخر مادي؛ بالنسبة للعاطفي فهو تعلقهم بالجزيرة التي عاشوا فيها وولدوا فيها، أما الشق المادي متمثل في أن الخدمات التي تقدمها محافظة 6 أكتوبر ما زالت ضعيفة وغير مكتملة وهم على علم بذلك فلا يرغبون في الذهاب إليها.

 

ويوضح النائب أنه قام بعدة إجراءات في مجلس الشعب من تقديم طلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الشعب الدكتور فتحي سرور وغيرها حتى يتم الفصل في الأمر، إلا أن الأمر لم يتم تناوله على المحمل المرضي ولم يتم الفصل فيه.

 

ويضيف أن تلك المشكلة كان من الممكن حلها إذا استجابت الحكومة لهم منذ بادئ الأمر، ورعت تسهيل وصول الخدمات إلى الأهالي قبل الإعلان عن القرار أو فور صدوره؛ حيث استجابت الحكومة بعد الاعتصام بقرار إنشاء 10 فصول ثانوي بالمدرسة الإعدادية بالجزيرة.

 

وتعليقًا على رفض المستشفيات لقبول المرضى من جزيرة محمد، نظرًا لأنهم تابعون لمحافظة 6 أكتوبر طبقًا للقرار الجديد، أكد أن ذلك مخالف للقانون؛ حيث إن أي مستشفى عام لا بد أن يقبل كافة المرضى المتوجهين إليه دون النظر لمحل إقامتهم، إلا التأمين الصحي فقط هو الذي ينظر في محل الإقامة.

 

وعود زائفة

ويقول مسعد زكي "عضو المجلس المحلي بجزيرة محمد" أن الأهالي كافة لا يرغبون في انتقال تبعيتهم لمحافظة أخرى، ولكن في محاولة واهية من الحكومة لتهدئة الغضب الرهيب الذي تملَّك الأهالي، ووعدهم المسئولون بتوفير المرافق العامة والمستشفيات والمدارس، وهو ما لم يره الأهالي مطلقًا كي يصدقوا هذه الوعود، وأضاف أن العمل بالقرار لم يفعل بعد وتأثيره الأقوى سيظهر في الشهور المقبلة.

 

ويؤكد أن الأهالي على حق في المطالبة باستمرار تبعيتهم لمحافظة الجيزة، فمنطقة الوراق بالجيزة تبعد عن الجزيرة بحوالي 3 دقائق، أما أقرب منطقة للجزيرة في محافظة 6 أكتوبر تبعد بحوالي ساعتين.

 

ويضيف أن ما زاد من اشتعال غضب الأهالي هو انتزاع أراضي المزارعين ومنازلهم لإقامة مشروع استثماري سياحي، فبدلاً من تقديم المساعدة لهم وإعانتهم على مصدر رزقهم يأخذون كل ما يستطيعون لمص دمهم، وفي النهاية لن يعود المشروع السياحي الجديد على الأهالي بأي فوائد أو منفعة، ويتساءل: ما المنطق في نزع ملكية أراضٍ زراعية لأهالي الجزيرة التابعين طبقًا للقرار لمحافظة 6 أكتوبر وتمكين محافظة الجيزة من أراضيهم!!

 

ويطالب الحكومة بالعدول عن قرارها بضم الجزيرة إلى محافظة الجيزة نزولاً على رغبة الأهالي طالما أنها دومًا ما تعلن أنها تعمل لمصلحة المواطن.