كلما تتجول بخاطرك في كلام الله جلَّ وعلا تستشعر وكأنك تحلِّق في السماء وتولد من جديد, وعندما نتدبر في هذه الكلمات: من أراد أن يكلم الله فليصلي ومن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن. ياآاااااه.. آاااااااه.. كم هو شعور لطيف عميق مؤثر، الله جلَّ وعلا جلت قدرته وتعالى في سماه يكلمني أنا الضعيف الفقير، كم أنا في خير كثير إذا استشعرت هذا المعنى، وكم أنا فقير حسير إذا فقدت هذا المعنى.
القرآن كلام الله هذا معلوم لنا جميعًا، وذكر فضل قراءته مشهور لكثير منا، ولكن التدبر فيه هو الذي نحتاجه في حياتنا الآن.
فما هو التدبر؟
هو التفكر والتأمل في آيات القرآن من أجل فهمه وإدراك معانيه وحِكَمِه والمراد منه، والسؤال هنا هل نحن في حاجة لهذا التدبر؟ يقول ثابت البناني: "كابدت القرآن عشرين عامًا ثم تنعمت به عشرين عامًا".
وكانت السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم".
قد خاض كثير من العلماء ومنهم الإمام ابن القيم والشاطبي وابن هبيرة في فهم القرآن، حتى إن الإمام الصنعاني ضرب مثالاً واضحًا في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (المزمل: من الآية 20)، فلفت نظرنا إلى التدبر في هذه الآية الكريمة وما يقع منها في قلبك، وهو أن تتعايش قلوبنا مع القرآن، وتستشعر معانيه، وينتج من ذلك تغير حالنا إلى الأفضل، ولا يعني هذا الكلام الخوض في عمق تفاسير القرآن وإن كان له أهله، ولكن ما يعنينا في هذا المقام هو أن تنساب قلوبنا مع آيات القرآن وتكون عيوننا رقراقة بالدموع، تملأ أنهار الطاعة، وتحمر وجناتنا خشية لله جل وعلا, وهل تتصور يا أخي أن آيات الأحكام في القرآن خمسمائة آية فقط برغم أن آيات القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية لدرجة أن أحد التابعين يحذِّرنا من التبلد من القرآن فيقول: "من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علمًا؛ لأن الله نعت العلماء بقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)﴾ (الإسراء).
* فضل التدبر وحال المتدبرين مع القرآن:
أ- فها هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما سمع هذه الآية ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)﴾ (الطور) وقع على الأرض مغشيًّا عليه، وظلَّ يعوده الناس ستة أشهر.
ب- هذا الشاب في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما نظر إلى امرأة أجنبية (النظرة الأولى) وبعدها سمع هذه الآية من سورة الأعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)﴾ (الأعراف)، وخرَّ مغشيًّا عليه, وحمله الناس إلى بيته، فلمَّا أفاق سأله أبوه أن يقصَّ عليه ما حدث فقص عليه القصة ثم ذكر له الآية فخرَّ مغشيًا عليه فمات، ودفنه الناس في المساء، ولما أصبح الصباح سمع بالخبر أمير المؤمنين عمر فأصر أن يزوره في قبره ونادى عليه قال: "اعلم يا فتى أنه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾ (الرحمن) فسمع هاتفًا يقول: قد أعطانيهما ربي في الجنة (ابن كثير, حياة الصحابة).
ج- عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رجلٌ يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين (حبلين) فتغشته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منه، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فقال: "تلك السكينة تنزلت من القرآن" متفق عليه.
د- وعنه أيضًا أنه: سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه.
5- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرأ علي القرآن" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (41)﴾ (النساء)، قال: "حسبك الآن" فالتفتُّ إليه فإذا عيناه تذرفان، متفق عليه.
* لماذا أريد قراءة القرآن؟
أخي الحبيب إن هذا السؤال هو مفتاح الموضوع قبل أن تجيب على هذا السؤال شفهيًّا, امسك ورقة واسأل نفسك هذا السؤال لماذا أريد قراءة القرآن؟ سوف تجد إجابات كثيرة تقليدية وغير تقليدية واستمتع وتدبر معي في هذه الإجابات (معرفة سنن الله في الابتلاء، الشفاء من الوساوس، استحضار الذنوب ثم التوبة منها، التعبد, المعايشة، التفكر، حل للمشاكل، ترويح عن القلب، تفريج الكروب، الاتصال بالله، لأخذ الزاد اليومي، لأنّ الله أمرنا بذلك، لكي نكون مع السفرة الكرام البررة، لأنه شفيعي يوم القيامة، لأنه فيه شفاء للناس، قربى لله، لأنه المنهج، لأنه فيه التغيير، لمن يحب أن يكلمه الله، لأننا نحبه، لأنه فيه جماع الدنيا والآخرة......)، تفحص يا أخي معي كل الإجابات السابقة فسوف تجدها لا تخرج عن المقاصد الأساسية للقرآن والتي أجمع عليها كثير من العلماء وهي (العلم والعمل والثواب والمناجاة والشفاء) أسألك بالله جل وعلا أن تضع هذه الخمس كلمات على صدر صفحة جديده وتسكن فيها ما هو مناسب من الإجابات السابقة وطبق هذا السؤال على نفسك واسمع بأذنيك الإجابة.
* كيف نفهم القرآن؟
يا أخي الحبيب سل هذا السؤال لقلبك وأطرق الرأس وأصغ السمع لقلبك وهو يجيب بشرط أن تلحقه بالسؤال الأول وهو من شقين:
ا- واقعنا في فهم القرآن ب- ماذا نفعل لكي نفهم القرآن كما أراده الله لنا
وللإجابة على السؤال الأول سـنستحضر سويًّا إجاباتنا التقليدية سواء واقعية وحقيقية أو غير ذلك وهي (جلاء القلوب، التعامل مع الآيات كرسائل من الله، المعايشة مع الآيات، استحضار أسباب النزول، اعتبار الآيات عبارة عن منهج يتناول جوانب حياتي، لأنها تحاكي المناخ الذي نعيش فيه، بالتدبر, بالعمل، إتقان التجويد، قراءة بعض كتب التفسير، قراءته باللسان والعقل والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ) فاسترجع يا أخي الإجابات على السؤال الأول ولعلها خرجت من القلب وكلنا قال ما في قلبه وما يشعر به لأحباب مثلك في محراب العابدين، وكذلك تأمل الإجابة على السؤال الثاني تجد كل فرد من إخوانك قال ما يشعر به ويتمناه. فهذا ما أريده يا أخي الحبيب من هذا المقال وهو أن تتحرك قلوبنا مع القرآن بـ(صدق، واقعية، تلقائية، إخبات)، ولكي يتم ذلك لا بد أن نستعين بالله في مجموعة من الوسائل تعينك على ذلك ومنها:
1- التوبة من المعاصي الظاهرة والتطهر من جنابة القلب.
2- دوام التضرع لله وسؤاله ذلك.
3- القراءة المكثفة له وتمثل حال السابقين في التعامل مع القرآن.
4- اختيار التوقيت المناسب وهي أوقات الليل أو الفجر.
5- اختيار الحال وهي الانقطاع عن الناس والاتجاه للقبلة ويفضل أن يكون في صلاة.
6- استحضار النية والإجابة على سؤال (هذا كلام من؟).
7- استحضار الإجابة على سؤال (لماذا أريد أن أقرأ القرآن؟) في الإطار الذي اتفقنا عليه.
8- تكرار الآيات ومحاولة حفظها بصوت شبه مسموع خاشع وبترتيل.
9- ربط كل ما سبق بواقعك الذي أنت فيه. حاولنا في كل الوسائل السابقة أن نتخير الأنسب، من الممكن أن تكون مجتمعة أو بعضها وهذا يتوقف على حالة الفرد نفسه.
* علامات التدبر:
1- البكاء من خشية الله ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)﴾ (المائدة).
2- وجل القلوب واجتماعها حين القراءة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾ (الأنفال).
﴿..... وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)﴾ (الحج).
3- زيادة الإيمان والفرح والاستبشار ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)﴾ (التوبة).
4- كثرة سجود الجوارح والأركان والدعاء باللسان وبكاء العين وخشوع القلب وقشعريرة الجسم ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)﴾ (الإسراء).
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)﴾ (الفرقان).
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾ (الزمر).
* الخلاصة:
هذه الكلمات أخي الحبيب خاطبت بها نفسي حول تدبر القرآن، أسالك بالله جل وعلا أن تجعل لنفسك وردًا للتدبر في القرآن ولو آية في اليوم حتى لا تحرم نفسك وأولادك ودعوتك من خيرات كثيرة حينها يتحرك القلب فيهيج ويحرك معه المشاعر والجوارح فيضطرب الفؤاد وتحمر الوجنات وتنهمر الدموع على الخدود ويلهج اللسان بالدعاء والذكر، حينئذٍ تمطر السماء ويجلب الله لنا الخيرات ويدفع إلينا بالحسنات ويذب عنا الكثير من السيئات، حينها نقول:... إفاقة قلب.
* الواجب العملي:
هيا بنا نتعاهد من الآن أن نجعل آية للتدبر ونستخرج منها وقتها توصية عملية فسترى أمورًا لم ترها من قبل وادعُ الله لي.
---------
* من قيادات الإخوان المسلمين بقنا.