السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أنا أدعو مجموعة من الشباب، وفي إحدى الرحلات الترفيهية طلبوا مني أن ندخل لنشاهد فيلمًا في إحدى دور العرض السينمائية، لا أخفي عليكم أنني فوجئت بطلبهم؛ لكني قابلته بالرفض، ودار بيننا جدال حول الموضوع، وأمام إصراري لم يقتنع البعض، والبعض الآخر غضب، فهل كان تصرفي سليمًا، أم أنني كان ينبغي لي أن أستجيب لهم، على اعتبار أنهم ما زالوا في بداية الطريق؟.. وجزاكم الله خيرًا.

 

يجيب عن السؤال أحمد صلاح المستشار الدعوي في (إخوان أون لاين):

الأخ العزيز..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

بالطبع لا يمكن الموافقة على طلب الشباب بدخول السينما، على اعتبار أن السينما أداة يتوقف الحكم عليها على العمل الذي يعرض فيها (ويمكن الرجوع لقسم الفتوى للسؤال على الحكم الشرعي)، ولا يخفى على أحد ولا على الشباب أنفسهم، فيم تُستخدم السينما الآن، مع الاعتراف بأن هناك أفلامًا لها أفكار جيدة وبناءة، إلا أن تعمد وجود عامل الجنس والمشاهد الخليعة يعد عاملاً أساسيًّا ومشتركًا في نسبة لا تقل عن 99% منها، وإذا كان من المتاح أن يتحكم المشاهد في تحويل هذه المشاهد عن طريق الريموت كنترول في التليفزيون، فإنه لا يمكنه إجراء هذا التحكم في السينما على الإطلاق، وبالتالي أعتقد أن الأمر هنا واضح تمامًا، وإذا كان رأيهم أنهم يريدون دخول أحد أفلام الحركة التي تخلو من المشاهد الخليعة، فسيكون الرأي أن أفلام الحركة أيضًا لا تخلو من هذه المشاهد على قلتها، كما أن السينما تقوم بعرض بروموهات (إعلانات) لأفلام أخرى ستعرض قريبًا، ويتم عن عمد وبعناية انتقاء المشاهد المثيرة من الفيلم، والتي غالبًا لا تمثِّل قيمة حقيقية في الفيلم؛ من أجل جذب شريحة أساسية من الجمهور، وهي شريحة المراهقين.

 

إن صناع السينما يعرفون ما هي أهمية وخطورة اللعب على وتر الجنس في صنع مكاسبهم الخيالية، والمراهق هو أول المستهدفين بما استجد عليه من تغيرات تجعله مشدودًا لهذا العالم ودائم التفكير فيه، والسماح بتعرض المراهق لمثل هذه المشاهد تضعف جدًّا من إيمانياته، وتجعل اتصاله بالله ضعيفًا هينًا، وتجعله يعيش حالة من التناقض النفسي إن كان ممن يريدون أن يسلكوا طريق الالتزام.

 

لكن الأهم الآن من وجهة نظري في هذه المسألة نقطتان، في حالة ما إذا كان هذا الطلب طلبًا حقيقيًّا يشتمل على نبرة الإصرار، وليس مجرد السؤال للاستشارة والرغبة في فهم المسألة:

 

النقطة الأولى:

ما الذي دفع هؤلاء الشباب المفترض فيهم أنهم في مجموعة تربوية إلى التفكير في هذا الأمر، وهو أمر لا يهتم به إلا شخص شغل البحث عن الترفيه مساحة من تفكيره؟!!

 

أولاً: أعتقد أنها مساحة كبيرة نوعًا ما، وجعلته مهتمًّا بأمور يفترض أنها تقع في مرتبة متأخرة لا تصل إلى حد الطلب، إذا ما كان يتعرض لبرامج تربوية منتظمة وجيدة المستوى.

 

الثانية: هي كيف نتناقش مع هؤلاء الشباب لنعرض عليهم وجهة نظرنا، ونحاول إقناعهم بها دون إجبار وتسلط.

 

وفيما يخص النقطة الأولى، أعتقد أن الأسباب التي دفعتهم للتفكير في هذا الأمر هي:

1- ضعف الجانب التعبدي عند المجموعة من انتظام في الصلوات في جماعة، والمحافظة على صلاة الفجرة، والانتظام في قراءة القرآن والذكر.. إلخ.

 

فالارتقاء في الجانب التعبدي يضعف تلقائيًّا الرغبة في المعصية والبحث عنها بصورة مبررة ترضي النفس وتريح الضمير.

 

2- ضعف الجانب التربوي الإيماني الذي يتناول السلوكيات الإيمانية، مثل غض البصر ومراقبة الله ومحاسبة النفس وجهادها، من أجل الرغبة في إرضاء الله وتجنب معصيته.

 

3- انخفاض مستوى التفكير الجاد لدى المجموعة من مشاكل دعوية وأخلاقية يمر بها المجتمع ومصائب سياسية تمر بها الأمة.

 

4- ضعف الممارسة الدعوية للمجموعة التي تجعل الداعية حريصًا على ألا يخطئ خطأً ظاهرًا أمام الناس؛ خشية أن يراه أحد ممن يدعونه، وحريصًا أيضًا على اتقاء الشبهات؛ خشية أن يظن به من يدعوه السوء، فيفقد فيه الثقة ويحكم على دعوته معه بالفشل.

 

مع ملاحظة أنني لا أغفل هنا جانب الترفية (الحلال)، المهم جدًّا، والمطلوب تفعيله من المشرف في حياة المراهق، ولكني أتحدث عن المطالبة بمطلب ترفيهي، أرى أنه غريب على مجموعة تريد الالتزام الديني، وربما تمارس بعض الأنشطة الدعوية البسيطة.

 

النقطة الثانية:

هي: كيف نحاول إقناعهم بوجهة نظرنا دون إجبار أو تسلط؟

ورأيي أن يتم ذلك بطرح الموضوع للحوار في الجلسة التربوية، حتى وإن أفردت جلسة خاصة لذلك، وابدأ فيها بعرض وجهة نظرك في المسألة، مستندًا إلى الفتاوى الشرعية والسلبيات التربوية والإيمانية المترتبة على الأمر لشباب يريدون طاعة الله والفوز بجنته، اطرح الموضوع بعقلانية وبهدوء، ثم أعط الفرصة لكل واحد منهم أن يتحدث بحريته، ثم عاود نقاش كل الآراء وفندها بخبرتك وبعلمك وفهمك لشخصيتهم، وكلما كنت موضوعيًّا وهادئًا، كلما كنت مقنعًا لهم، والمسألة ليست انتصارًا في معركة رأي، إنما محاولة صادقة لإقناعهم بصدق، في جو من احترام الرأي والتفكير، يغلفه إطار من الحب والحنان.

 

أعتقد أنه إذا سارت الأمور بهذه الطريقة، فستصلون جميعًا بإذن الله إلى حل يرفض المسألة عن اقتناع، أما إذا حدث ولم توفق في إقناعهم بوجهة نظرك، فأعلن رفضك للأمر، واترك لهم حرية التصرف، ومارس عملك الدعوي معهم بانتظام مع رفع المستوى التعبدي والإيماني للمجموعة، ورفع الهمم الدعوية لهم لفترة شهر أو شهرين، ثم عاود النقاش معهم في هذا الموضوع مرة أخرى.

 

أخي الحبيب..

علينا أن نتوقع أن من ندعوه سيظل يتأثر بالبيئة من حوله، وستتنازعه الشهوات من هنا وهناك، وعلينا أن نكون بجانبهم دومًا نحاورهم ونرشدهم ونعينهم على طاعة الله، وأنت قبلت أن تقوم بأشرف مهمة على وجه الأرض، مهمة الدعوة إلى الله، فلتصبر عليها، ولتتحمل في سبيلها.

 

وفَّقك الله في دعوتك.. وجزاك على جهدك خير الجزاء.