- حكومات "الحزب الوطني" تحتقر العمال
- الشعور بالظلم يقتل حافز الإتقان والإبداع
- "عضة الجوع" تشعل الإضرابات والاحتجاجات
- حقوق المعتصمين لن تعود إلا بعمومية مطالبهم
- الإنسان لا يمكنه العيش في حالة احتجاج مستمر
- طول ساعات العمل وتدني الرواتب يدفع للانتقام
- العمال الآن عرضة للإبادة الأخلاقية والاجتماعية
حوار- إيمان إسماعيل:
حذَّر الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر من خطورة التجاهل الحكومي لمطالب العمال.
وقال في حوار لـ(إخوان أون لاين) إن عمال مصر الآن يشكِّلون قنبلة موقوتة، وتجاهل الحكومة لمطالبهم يعجل بانفجارها، مشيرًا إلى أن حكومات مصر المتعاقبة تنظر إلى العمال على أنهم كائنات زائدة عن الحاجة، وتشمئز من رائحتهم.
وأكد أن العمال لن يستطيعوا تشكيل ضغط قوي على الحكومة إلا بوحدتهم وانتقالهم من المطالب الفئوية إلى المطالب العامة، موضحًا أن شعور العمال بالظلم يدفعهم للتخلي عن الإتقان والإبداع، ولقمة العيش تدفعهم إلى تصاعد الإضرابات والاحتجاجات.
* ما التحليل الذي ترون من خلاله نفسية العامل المصري الآن؟
** نفسية الإنسان، ومن ثَمَّ العامل هي جوهر كل شيء وجوهر علاج المشاكل كافة، ونفسية العامل المصري الآن مُدَمَرَة، ومن الممكن أن تفجر العديد من العواقب التي لا تحمد عقباها مستقبلاً.
* لكنَّ هناك من المسئولين من يرى أن العامل المصري يعيش حاليًّا أزهى عصوره، ويرى أن البعض منهم يفتعل مشاكل وهمية.
** الأمر ظاهر للعيان، فمن يقول ذلك هو بعيد عن حياة هؤلاء الناس، ومن يحتك بهم عن قرب يشعر بهم وباحتياجاتهم وبمعاناتهم الشديدة، فذلك الكلام لا يخرج سوى من أناس بعيدين كل البعد عن حياة العمال وفقرهم.
صفات سلبية
* ما تأثير الضغوط المعيشية على أداء العامل المصري؟
** ليس هناك شك أن العمال اكتسبوا صفات سلبية عديدة من الظروف الصعبة التي يمرون بها، وتشكل ضغوطًا نفسيةً عليهم، فهم لم يجدوا الرعاية الكافية، فمن يراهم وهم واقفون في طوابير العيش، داعين الله أن يحالفهم الحظ ويقدر لهم الحصول على رغيف واحد، ويراهم وهم في انتظار أنبوبة بوتاجاز، ومن يشاهدهم أيضًا وهم في قمة الاضطراب والحيرة من دخول أبنائهم المدارس، ومن عدم توافر الموارد المالية الكافية للإنفاق عليهم، وما يترتب عليه من حرج نفسي شديد للعامل أمام أسرته من قدوم الأعياد ودخول رمضان، فضلاً عن إقباله على تزويج أولاده وبناته، ورحلة العذاب في البحث عن عمل لأولاده المتراصين بجانبه على أرصفة الشوارع، يدرك بما لا يدع مجالاً للشك؛ لماذا العامل المصري هو الأكثر بؤسًا وإنتاجًا في العالم، كما تؤكد التقارير الدولية.
* إذن كيف ترى عيد العمال في ظل أوضاعهم الحالية من احتجاجات واعتصامات وغيرها؟
** عيد العمال لم يعد واقعيًّا الآن في ظل تلك الأوضاع، بل ليس له داعٍ، فلم يعد هناك من العيد سوى اسمه وذكراه وإجازة ذلك اليوم إن حصل عليها العمال من الأساس دون توقيع خصومات عليهم!!
فالعمال يفترشون الأرصفة بحثًا عن الحد الأدنى للحياة، فلا ينتظر أن يعيش العامل أجواء العيد وهو لا يجد المأوى له ولأسرته، وهو يشعر أن لا أحد يرعاه أو يعبأ به، فهو يعيش حالة من اليتم بعدما تخلى عنه أولو الأمر.
وفوق تلك الضغوط تأتي كارثة أن مظهر العامل أصبح لا يثير الغبطة ولا السعادة لدى مسئولي الحكومة؛ بل هو يثير اشمئزازهم ويرفع من غضبهم، نتيجة تلك الأعداد المتزايدة للعمال يومًا تلو الآخر أمام مجلس الشعب ومجلس الوزراء للمطالبة بحقوقهم الضائعة.
غياب الإتقان
* هل يضطر العامل للتخلي عن بعض القيم في مواجهة تلك الظروف القاسية؟
** من المتوقع تحت كافة تلك الضغوط أن تتغير الحالة النفسية للعامل المصري، وأن يتخلى عن صفة الإتقان وتصير إنتاجيته مشوهة، بالإضافة إلى تخليه عن الإبداع في صنعته؛ حيث إن الإبداع يحتاج إلى انشراح في الصدر وراحة في البال.
![]() |
فضلاً عن أن هذا العامل لا يشعر بحقه في المصنع أو في الوطن، بل يشعر بأنه ريشة في مهب الريح يتحكم فيها مستثمر أجنبي، وأنه يعيش في وطن لا يمنحه الاحتياجات الأساسية ليحيا حياةً كريمةً بل هو يضيق عليه حتى يفنيه.
فقد صار العمال في حالة من الغضب والتذمر، نشهدها بشكل متكرر ولافت للنظر في صورة اعتصامات في مصانعهم أو تجمعات على أرصفة الجهات الحكومية أو تظاهر في الشوارع؛ وتكرار تلك الاعتصامات والاحتجاجات تشير بقوة إلى حالة من الغضب الشديد في الأوساط الكادحة والفقيرة بوجه عام، وتستدعي الانتباه واليقظة والحذر، وتستدعي خطوات حقيقية في كافة الاتجاهات لتخفيف معاناتهم.
والوضع الآن أن مسئولي الحكومة يهربون من مواجهة تلك الجموع المحتجة والغاضبة على أرصفة مجلس الوزراء إلى الحد الذي جعل اجتماعات مجلس الوزراء تنتقل إلى القرية الذكية حتى يتجنبوا مواجهة هؤلاء العمال.
* وكيف تفسِّر هروب المسئولين من حلول مشاكل العمال؟
** المسئولون يشعرون بالعجز عن تحقيق مطالب هؤلاء العمال وأسرهم، ويشعرون أيضًا بالجفاء والجفوة نحوهم، وربما يشعرون بالغضب منهم ويلقون عليهم بالمسئولية كاملة؛ من التناسل بأعداد كبيرة جعلتهم هم وأسرهم فوق احتمال طاقتهم وقدراتهم المادية.
فالمسئولون ينظرون إلى العمال على أنهم كائنات زائدة عن الحاجة، فيُتأففون من مظهرهم وهم نائمون على الرصيف؛ فهم لا يشعرون بالتعاطف معهم، بقدر ما يشعرون أنهم ينهبون راحة بالهم ويهددون أمنهم واستقرارهم النفسي.
عضة الجوع!
* وما الدافع النفسي للعامل وراء صموده في تلك الاحتجاجات والاعتصامات التي طالت دون جدوى ودون أن تسفر عن أية حلول حتى الآن؟
** تصرف العامل هنا هو تصرف اليائس الذي عضه الجوع هو وأسرته، حيث اشتدت به الحاجة، وفقد الأمل في القنوات الشرعية من مخاطبة المسئولين، فلم يجد سوى ذلك الحل البائس، وأن يذهب إلى مقر الحكومة وينام على أرصفة الشوارع، أمام نواب مجلس الشعب الذين كثُر فيهم المتحدثون عن مصالحهم الشخصية؛ حتى يُسمعهم صوته ويُريهم أحواله على الطبيعة لعلهم لا يعلمونها، ولشعوره بحواجز عديدة تمنعه من الوصول إلى من بيدهم الأمر.
* ما مدى العامل المصري الآن في رسم خريطة العملية السياسية؟
** بالطبع لن يؤثر في العملية السياسية، فهناك حالة من الصمم السياسي، وما يفعله الوزراء والمسئولون هو محاولة لامتصاص غضب العمال المتفاقم في كل مكان، حتى ينصرفوا عن عدسات المصورين المحلية والعالمية.
ولكن العمال من المستحيل أن يؤثروا بتلك الأوضاع في أي قرار سياسي، طالما ظلَّت اعتصاماتهم في شكل احتجاجات متفرقة ومتباعدة؛ وبوحدة مطالبهم وعموميتها تشكل تلك الاحتجاجات والاعتصامات ضغطًا عامًّا لن تستطيع الحكومة تجاهله.
خط الإبادة
* وكيف ترى نتائج تلك الاحتجاجات والاعتصامات على نفسية العامل؟ ومن ثَمَّ على أسرته وجيرانه ودوائر المجتمع ككل؟
** بما أن العامل في حالةٍ من الإحباط والغضب والعنف المجتمعي، فألفاظه أصبحت خشنةً وقاسيةً وشديدةً، وارتفعت معدلات الجرائم والقتل والاعتداءات والسرقة بين تلك الفئة، فالعامل المصري أصبح تحت خط الإبادة الحياتية والأخلاقية والاجتماعية.
فهو يجد صعوبات في توفير مسكن آدمي، وملبس مناسب، ووسائل مواصلات مناسبة، فهو يحيى ظروفًا غير إنسانية جعلته دائمًا في حالةٍ من الغضب والعنف والسخط، تنتقل بالطبع إلى أسرته، ومن ثَمَّ إلى جيرانه فمَن حولهم إلى أن يعم ويشمل المجتمع بأسره تلك السلوكيات، وتلك النفسية اليائسة المحبطة.
فتراكم السلبيات لدى العمال، ومن ثَمَّ انتقالها إلى الفئات المجاورة والمحيطة بهم؛ الكثير من الناس لا يستطيع أن يدرك مدلولاتها وخطورتها؛ فافتراش هؤلاء العمال على الأرصفة طوال تلك الأيام لو أحسن المجتمع قراءة ظواهره الاجتماعية لانتفض لإنقاذ العمال خشيةَ المستقبل المظلم المدمر الذي سيطول الجميع.
* إذا لم يتم حل مشاكل العمال بشكلٍ عاجل وظلت الأوضاع على ما هي عليه.. فكيف ترى النتائج؟
** دافع العمال في التحرك الحالي من اعتصامات واحتجاجات ومبيت على أرصفة الشوارع بالشهور؛ المحرك الأساسي فيه هو الجوع والبحث عن لقمة العيش؛ فلا بد من الحذر من تحول كتل العمال الغاضبة في أي لحظةٍ إلى بركانٍ من الغضب ربما يحطم في طريقه الكثير، وسيصعب حصاره وترشيده وقتها، فلا بد أن يدرك المسئولون خطورة التهييج النفسي الذي يقومون به تجاه هؤلاء العمال.
انفجار البركان
* بالنظر في تاريخ العمال نجد فترات بها اشتعال وحمية وأخرى بها سكون وهدوء ثم الاشتعال مجددًا، بماذا تفسر ذلك؟
** تراكم المشاعر السلبية وتزايد المعاناة المحيطة بالعامل حتى تصل إلى نقطة حرجة لا يستطيع العامل تحمل الظروف والضغوط المحيطة به أكثر من ذلك يجعله في حالة من الحمية والبركان؛ ولكن الطبيعة البشرية لا تطيق الاستمرار في حالة احتجاج مستمر ودائم؛ فهم ينهون اعتصامهم، ويقطعون إضرابهم على أمل إصلاح الأوضاع وتحسن الأحوال؛ فما أن يلبثوا حتى يجدوا غير ذلك فيعودون من جديد.
![]() |
* بعد تحويل معظم الشركات من قطاع عام إلى خاص أصبح لدى العمال هاجس بالفصل في أي لحظة.. فما أثر ذلك على أداء العامل؟
** شعوره بالطبع صحيح، فهو يشعر بالخطر، خاصةً في ظل حمى بيع الشركات والمصانع بأسعار زهيدة وتضيع أموالها ولا يستفاد بها.. وشيئًا فشيئًا لم تعد مملوكةً للحكومة ويمتلكها مستثمرون أجانب، الذين لم يقدموا إلى مصر لتنمية اقتصادية أو لتحسين أوضاع العمال وأسرهم، بل هم جاءوا لتحقيق الربح السريع وتسريح العمال؛ مما جعلهم يقومون ببيع أصول تلك المصانع ليحققوا أرباحًا فلكية لهم، وشيئًا فشيئًا ترك العامل مأواه ومحل رزقه، فكل يوم يتضاعف عدد العمال المسرحين والجائعين.
* نتيجة ذلك الفصل والتشريد المفاجئ وُجدت العديد من النماذج التي يكون فيها الرجل عاطلاً وزوجته عاملة، فكيف ترى ذلك النموذج؟
** ذلك النموذج بمثابة طعنة كبيرة في كرامة الإنسان عمومًا؛ حيث تكون زوجته هي المنفقة على البيت، فتهتز صورته وكرامته؛ مما يُسفر عن تداعيات خطيرة تهدد استقرار الأسرة في المجتمع، ويحدث شيء من الصراع؛ حيث يكون الرجل بلا قوامة وبلا قيادة؛ مما يربك التركيبة الأسرية بأكملها ويهدد بمزيدٍ من الانهيارات الأسرية في المجتمع.
تمرد
* كيف يكون تأثير تهميش دور النقابات العمالية في مساندة ودعم العامل؟
** يفقد العامل الثقة فيهم، وبالتالي لا يكون هناك سبيل لإيصال صوتهم؛ مما يؤدي إلى إنشاء نقابات بديلة مثل موظفي الضرائب العقارية، وهو ما يؤدي إلى مزيدٍ من تحطيم نفسية العامل وخلق لديه شعورًا بالتمرد نحو المجتمع الذي يعيش فيه؛ حيث إن الجميع تحالف عليه.
* فما الحل من وجهة نظرك لتدارك أزمة العمال على الجانب النفسي؟
** على الحكومة أن تعيد انتماءها لجموع العمال؛ حيث إن نسبة الـ50% عمال وفلاحين في مجلس الشعب يتم استغلالها استغلالاً سلبيًّا، فلا بد أن يهبط المسئولون إلى مستوى العمال ويشعروا بهم ويتواصلوا معهم ولا ينفكوا عنهم.
وعلى المسئولين أن يتخلوا عن وجه المعاملة الحالي للعمال، ويوفروا احتياجات العمال الحقيقية ويشعرون بهم ويتعاملون معهم من فوق الحواجز التي تولد شعور المرارة والانتقام، فعلى المسئولين أن يهبطوا إلى وسط الزحام بهدف القرب من العمال ورعايتهم والارتقاء بهم.
فالعامل أصابه الكثير من العلل والأمراض، وحتى يعود من جديد ويستطيع مد جسور الثقة مع الحكومة، لا بد له من تأهيل طويل المدى حتى يتقبل الانتماء مرةً أخرى والمشاركة في رفع البلد، وقبل ذلك لا بد أن يشعروا أن القيادة تقودهم حقًّا إلى برِّ الأمان وترعاهم.
* وماذا عن دور مؤسسات المجتمع المدني وأفراد الشعب عمومهم؟
** لا بد أن تبدأ منظمات المجتمع المدني والقادرون من رجال الأعمال على فتح العديد من أبواب الرزق أمام العمال في المؤسسات والمصانع لتشغيل المشردين من العمال، فبدلاً من رحلات الحج والعمرة والأفراح والمناسبات الباهظة التكاليف، والتي إذا وجهت إلى الاستثمار في مشروعات إنتاجية لتشغيل هؤلاء الأعمال لأصلحت الكثير وخففت الكثير من الأعباء.
ولا بد على علماء الدين أن يدعوا أصحاب الأعمال إلى الالتفات إلى مطالب العمال واحتياجاتهم، وأن تصرف أموال الصدقة عليهم، وعلى الجمعيات الخيرية أن تنشأ مشروعات إنتاجية ضخمة لمعالجة أوضاع العمال المتدهورة، حتى يكون كل ذلك تحت مظلة التكافل الاجتماعي الذي أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم.

