- الحكومة تفتقر إلى إستراتيجية واضحة في تنفيذ القرار
- أصحاب المصالح والنفوذ لن يخسروا.. والصناعة في خطر
- الشركات والمصانع الكبرى ستحمِّل المستهلك تبعات خسائرها
تحقيق- شيماء جلال:
"الدعم سيصل إلى مستحقيه، ولا مساس بدعم محدودي الدخل".. نغمة حكومية متكررة اعتاد عليها المصريون، وسط العديد من التساؤلات التي يطرحها المصريون أهمها: أين هذا الدعم؟ ومن هم مستحقو الدعم من وجهة نظر الحكومة؟ ولماذا لا يصل لهم حتى الآن؟ وهل إلغاء الدعم على الطاقة الذي أعلنت عنه الحكومة مؤخرًا على لسان رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة سيكون في صالح المواطن المصري أم ضده؟
رشيد أكد أن دعم الحكومة للطاقة كلفها 60 مليار جنيه، تم توجيه 20 مليار جنيه منهم للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.. يأتي ذلك في الوقت الذي كشف فيه تقرير حديث لوزارة المالية انخفاض حجم الدعم في الموازنة العامة للدولة بنسبة تصل إلى 25%.
ويعرف الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة؛ الدعم بأنه إجراء مؤقت يساعد على دفع عملية التنمية إلى الأمام بشكل مستديم ومتصاعد؛ ما يزيد من الدخول الإنتاجية لتحقيق حياة طيبة كريمة للمواطن.. والسؤال هنا: هل حدثت عملية تنمية جادة ومستدامة؛ حتى ننظر إلى الصفة المؤقتة للدعم؟ أم أن المشاكل الاقتصادية في مصر تزداد يومًا تلو الآخر؛ ما يجعل مسألة الإبقاء على الدعم أمرًا وجوبيًّا وحتميًّا لبقاء المواطن الفقير والبسيط حيًّا.
(إخوان أون لاين) يكشف في سطور التحقيق التالي مَن المستفيد من إلغاء دعم الطاقة، والأسباب الواهية التي تستند إليها الحكومة في قضية الدعم، والرؤى التصحيحية التي ينبغي أن تتبناها الحكومة في مسألة الدعم.
يقول عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي: إن مسألة الإعلان عن إلغاء دعم الطاقة بمثابة الطلقة التي أطلقتها الحكومة لتكون مصر بلا صناعة ولا خطوط إنتاج أو تكنولوجيا، مقارنة بحال أغلب دول العالم التي تتبنى صناعاتها بشكل جيد وتعمل على الحفاظ عليها.
ويرى أن مسألة دعم الطاقة من الممكن النظر إليها من منظور آخر وهو تصريف منتجات الصناعات المعتمدة على الطاقة في السوق المحلية أو تدعيمها برسوم دعم في حالة تصديرها للخارج، موضحًا أنه لو كانت السلعة تباع للمستهلك وهي مدعمة بـ100 جنيه فستباع بعد إلغاء الدعم بزيادة 25 جنيهًا فيما فوق، لذلك سيكون المستهلك هو المتضرر الأول والأخير في هذا الشأن.
وحول تصريحات المسئولين ووزير المالية بشأن إيجابية قرار إلغاء الدعم في تخفيف أعباء الموازنة والتقليل من حجم الدين المحلي يتهكم عبد الحافظ الصاوي من هذا الأمر قائلاً: "الموازنة أصبحت في مصر بمثابة لغز يحتاج إلى حل".
ويشير إلى حجم الأموال الهائلة المتواجدة داخل الصناديق الخاصة والتي تعدت التريليون، مؤكدًا أن الكلام عن عجز الموازنة أصبح أكذوبة تكشفها غياب الشفافية السياسية، وأنه في حالة إذا ما أراد واضعو السياسات حل أزمة الموازنة فليبحثوا عن أموال تلك الصناديق، وعن الأموال التي تحصلها الدولة من موارد متعددة تصل لأربعة أضعاف حجم الموازنة يمكن من خلالها حل أزمة الموازنة.
فوضى
![]() |
|
د. إبراهيم زهران |
بينما يرى الدكتور إبراهيم زهران خبير البترول وعضو المجالس القومية المتخصصة أن قرار إلغاء الدعم عن الصناعات الكثيفة يعد واجبًا قوميًّا، وأننا بحاجه إليه خلال تلك الفترة، مشيرًا إلى أن هناك أفرادًا من الطامعين في الاستثمار المصري قدموا للبلاد واستفادوا من مسألة الدعم للطاقة، وحققوا حصيلة ربحية هائلة ووضعوها في جيوبهم ولم يستفد منها المواطن المصري في شيء.
لكنه يستنكر أن يتم إلغاء الدعم الموجه لكافة الصناعات المصرية، منتقدًا أن تمنع الحكومة الدعم عن الشباب والفلاحين، وتقوم بتصدير وبيع الغاز المصري للكيان الصهيوني لإمداده بالغاز لمدة 20 عامًا بسعر دولار واحد للمتر المكعب، بينما يصل السعر في الأسواق العالمية لأكثر من ثلاثة دولارات.
ويشدد على ضرورة إحكام السيطرة والرقابة على المنظومة التي تتم في الدعم بمصر، خاصةً في ظل اختلال المعايير وغياب الشفافية وتضارب البيانات والتصريحات حول الدعم من وقت لآخر.
ويتساءل د. زهران في حالة من الدهشة والاستنكار: ماذا تعني كلمة دعم عند الحكومة؟ وما هي حدود الدعم بالنسبة لهم؟ ومن المستحق بالدعم؟
ويقول: إن الحكومة في قناعتها الخاصة ترى أن الدعم يصل لـ3 دولارات بينما عالميًّا يصل لـ10 دولارات، وحينما تبيع للمستثمر تبيعه له بالسعر العالمي بينما المواطن البسيط يأخذ الفتات من الدعم.
ودعا إلى الاهتمام بمصانع الحديد والصلب بحلوان، ومناجم الحديد بالواحات ملمحًا إلى أن تلك المشاريع تمثل ضرورة قومية لكي يتوافر لدينا مخزون إستراتيجي كافٍ.
وفيما يتعلق بغياب الضوابط والرقابة على تخطيط الطاقة يوضح د. زهران أن الوزير عثمان محمد عثمان ألغى جهاز تخطيط وترشيد الطاقة؛ حيث وجد أن مسماه غير ملائم ويفكر الآن في إنشاء جهاز جديد، لكن التوقيت لا زال طي النسيان.
ويتوقع أن تزداد الفوضى في ظل تطبيق هذا القرار، مشيرًا إلى أن تبعاته ستكون وخيمة وسيتحمل عواقبها المواطن وصغار المستثمرين، بينما سيكون المستفيد الأول أصحاب المصالح، وسيحصلون على أضعاف مضاعفة ليزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا.
وألمح إلى أن إلغاء دعم الطاقة والمنتجات البترولية سيفتح باب الاحتكار مثلما هو حادث في صناعة الحديد الآن.
تبعات
ويوضح الدكتور جمال المنزلاوي مدير إدارة الجودة بشركة النصر للبترول أن الشركات بمثابة كيانات كبيرة لها خططها التي تحميها في السوق، ففي حالة إلغاء دعم الطاقة ستلجأ لزيادة أسعارها لتعوض الخسارة وسيتحمل تبعات ذلك المستهلك.
ويشير إلى أن الزيادات في الأسعار ستكون كبيرة خاصة في الصناعات التي تعد أساس السوق المصري كالأسمنت والحديد والخبز.
ويعيب على متخذي هذا القرار مؤكدًا أنه ينم عن غياب رؤية ودراسة واضحة لتبعات وعواقب القرار على السوق المصري القائم على سياسة العرض والطلب.
ويتساءل المنزلاوي: أين ستذهب مليارات الدعم؟ وهل ستذهب للمستحقين بالفعل؟ أم أن هناك مصالح وجهات عليا ستوجه لها تلك الأموال لتستفيد منها؟
ويطالب المنزلاوي المسئولين بضرورة تبني سياسة الوضوح والشفافية؛ خاصة أن أمر الدعم يهم جميع المصريين وبالأخص الطبقات الكادحة التي قد تتدهور أحوالها نتيجة لتلك القرارات العشوائية والمتخبطة.
ويتوقع أن تلجأ الشركات لتسريح عدد كبير من العمالة لديها أو تخفيض مرتباتهم لكي تتغلب على مسألة إلغاء الدعم، وهنا ستكون النتيجة وخيمة وأغلبها ستكون نتائج سلبية.
لصالح الكبار
ويتفق الدكتور صلاح الدسوقي أستاذ الإدارة بجامعة عين شمس مع الطرح السابق الذي يؤكد أن تبعات هذا القرار ستؤدي لزيادة في وتيرة الظلم التي يلقاها المواطن البسيط الذي سيجد نفسه مطالبًا في الميكروباص والمواصلات لدفع أموال إضافية دون أن يشعر بفائدة عليه من مسألة إلغاء الدعم للطاقة، بل سيجد نفسه كبش فداء وضحية لهذا القرار.
ويرى د. الدسوقي أن الحكومة تسعى لتجميل القرار وإملاء العديد من المميزات والإيجابيات عليه ولكن في الحقيقة أن القرار سيكون شكلاً جديدًا من أشكال إهدار المال العام في مصر لصالح الكبار على حساب الصغار.
تهريج
ويصف الدكتور صلاح الدين فهمي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر قرارات الحكومة المتعاقبة بشأن الدعم ومؤخرًا إلغاء دعم الطاقة بأنها "حكومة مهرجة" وهذا أقل وصف- والكلام لـ"د. فهمي"- يمكن أن توصف به تلك الحكومة التي باتت تستعبد المواطنين، وتتعامل معهم بسياسة الإذعان فكأنهم لا يسمعون ولا ينطقون.
ويؤكد د. فهمي أن الدعم له شقان أحدهما بالمصانع والآخر بالبيوت، وأنه في حالة إلغاء دعم الطاقة فسوف يتضرر المستهلك في كلتا الحالتين؛ لأن التكلفة ستزيد ومن ثم يتحملها المواطنون".
![]() |
|
أزمة ارتفاع أسعار السولار راح ضحيتها المواطن البسيط!! |
ويسوق أبعادًا أخرى لتداعيات مسألة الدعم وهي انخفاض حجم الاستثمارات وغياب الميزة التنافسية؛ لأن المستثمر حينما يتوجه لبيع سلع بالخارج ستكون بسعر مضاعف بعد إلغاء الدعم؛ مما يترتب عليه أن يترك المستهلك في الخارج المنتج المصري لارتفاع سعره.
ويقول: إن التداعيات ستكون سلبًا بأكملها، بدءًا من الاستثمارات والتضخم ومزيد من الأعباء للاقتصاد الوطني، مرورًا بحجم الصادرات الخارجية وميزان المدفوعات.
وحول غياب الرؤية الحكومية في مسألة الدعم يقول د. فهمي: كان من الأجدر أن يتم إبلاغ الوحدات الجديدة من المصانع بأنه لن يتم توفير دعم لها؛ حتى لا تقيم دراسات جدوى وتفتح مصانع وفي نهاية المطاف يجدون البساط سُحب من تحت أرجلهم مثلما هو حادث الآن؛ ليكونوا بذلك الأمر أشبه ما يكونون داخل خندق لا يعرفون المخرج منه.
ونفى أن تكون هناك خطة حكومية لإلغاء الدعم تسير بها، ملمحًا إلى أن كافة القرارات تأتي بمنطلق العشوائية والتضارب في كثير من الأحيان ما بين "هنلغي ومش هنلغي".
ويلقي الضوء على أزمة ارتفاع أسعار السولار، موضحًا أنها تسببت في فساد كبير، وراح ضحيتها مواطنون فقراء يسعون للقمة عيش.
ويؤكد أن حكومة رجال الأعمال تسعى لمصالحها هي فقط ولا صوت يعلو فوق صوتها في تلك القرارات، متسائلاً: "كيف يصل الدعم في عام إلى 100 مليار جنيه؟ ولمن وصل هذا الدعم؟.
وطالب الحكومة أن تتخلى عن نغمة وصول الدعم لمستحقيه لفظيًّا، وأن تتم عمليًّا على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن العلاوة من قبل أن يتم صرفها سيكون المواطن هو الخسران وليس المستفيد؛ لأنه في ظل إلغاء الدعم من المتوقع أن يصل التضخم لأكثر من 16%.

