- المزارعون: سنزرع الأرز رغم التهديدات الحكومية
- وزير الري السابق: التوسع في الأرز يأتي على حساب الأمن المائي
- د. جمال صيام: المزارع يشعر بالظلم لشراء محصوله بالسعر المحلي
- حمدي إسماعيل: الحكومة فرضت رسم صادر ألف جنيه على طن الأرز
- مركز الأرض: مصر تستورد 90% من الذرة بسبب قلة زراعتها
تحقيق- الزهراء عامر:
"هنزرع الأرز حتى لو فيه مخالفات" هذا هو لسان حال المزارعين والفلاحين بعدما صدر قرار وزير الزراعة الخاص بفرض غرامات فورية مع إزالة الزراعات المخالفة فورًا، إلا أن المزارعين لم يستجيبوا لمثل هذه العقوبات لأن الحكومة لم تقدم لهم البدائل التي تحقق لهم عائدًا ماديًّا مثل زراعة الأرز.
وزارة الموارد المائية والري بدأت منذ بداية الموسم الماضي حملةً لتوعية أعضاء مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء لأهمية تقليل مساحات زراعة الأرز من خلال توزيع كتيبات تحتوي على معلومات حول مشكلة زراعة الأرز في مصر، وأسباب إصرارها على تحديد مساحات الزراعة والتبعات والغرامات الناتجة عن تجاوزها، والتي لم تؤتِ ثمارها بعد.
وقد حددت اللجان المشتركة من وزارتي الزراعة والموارد المائية والرى مساحة 1.1 مليون فدان فقط لزراعة الأرز في الأماكن القريبة من البحر المتوسط والبحيرات الشمالية شمالاً، وقناة السويس والبحيرات الشرقية شرقًا، والتي تشمل محافظات كفر الشيخ والبحيرة والدقهلية والشرقية والغربية؛ لكن المزارعين لا يلتزمون بخطة الدولة، حيث وصلت المساحات المخالفة أقصاها خلال العام الماضي 2007- 2008م إلى 2.2 مليون فدان أرز أي بنسبة مخالفات تتجاوز 100%.
ورغم قرار وزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد بمنع تصدير الأرز منذ مارس 2008م؛ ما أدَّى إلى تراجع أسعاره محليًّا، إلا أن الفلاحين يصرون على الاستمرار في زراعته لقلة تكلفته مقارنةً بمحصول الذرة.
وترى وزارة الموارد المائية والري أن تصدير الأرز في باطنه خسارة اقتصادية ومائية قومية، حيث تضع معادلة توضح ذلك وتقول بأنه "إذا اعتبرنا أن متوسط إنتاج فدان الأرز هو 4 أطنان شعير، وأن استهلاك الفدان الواحد هو 7 آلاف متر مكعب من المياه. فيكون استهلاك كيلو أرز الشعير هو 1.75 متر مكعب من المياه، وإذا كان تكلفة الحصول على متر واحد من المياه تصل إلى 3 جنيهات مصرية عن طريق تحلية مياه البحر فسوف تصل تكلفة إنتاج كيلو الأرز إلى 8 جنيهات، وهو أعلى بكثيرٍ من السعر الذي يتم تصدير الأرز به".
وتنص المادة الأولى من القرار الوزاري رقم 258 لسنة 2008م على أنه "يحظر تبديد مياه الري بصرفها في مصرف خاص أو عام أو في أرض غير منزرعة أو غير مرخص بريها أو في زراعة أرز بدون ترخيص، ويحصل مبلغ 30 قرشًا عن كل متر مكعب من المياه قام الزارع بسحبها زيادةً على ما هو مقرر لري أرضه أو تسبب في تبديدها".
![]() |
(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية بين المزارعين والفلاحين ليتعرف على نواياهم، وما الذي سيفعلونه خلال موسم الأرز القادم:
في البداية يقول الحاج محمد السعيد، أحد المزارعين "بمركز ههيا" بالشرقية أنهم سيقومون بزراعة الأرز رغم تحذيرات المحافظ والمسئولين بفرض الغرامات على المزارعين، مشيرًا إلى أن نفس الإجراءات تم إتباعها منذ ما يقرب من أربعة أعوام، وما زالوا حتى الآن يزرعون الأرز.
ويؤكد عادل البنداري "مزارع بالإبراهيمية" أن المزارعين في بلدته لا يمانعون في زراعة الذرة بدلاً من الأرز، لكنهم يريدون أن تكون هناك شركات تتعاقد معهم مقدمًا وتقدم لهم الموارد الزراعية اللازمة من التقاوي والسماد، وأن تتسلمه منهم وقت الحصاد حتى يضمنوا تغطية التكاليف وتحقيق ربح، "لو الحكومة ها تخذه ها نزرعه لكن الزراعة الفوضوية لا تأتي بأي تكاليف".
قطار الغلاء
ويقول جمعة عواد "صاحب أراضٍ زراعية بالزقازيق" إنه يقف عاجزًا أمام قطار غلاء الأسمدة والذي يقابله قطار انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية، حتى أصبحت الأرض بدلاً من أن تصرف على نفسها، اليوم الفلاح يدفع من جيبه ليغطي تكاليفها، موضحًا أنه يقوم بتأجير نصف أرضه ويزرع النصف الآخر حتى يستطيع أن يسدد أموال السماد للجمعية وتظل عملية الزراعة قائمة؛ لأن الفلاح لا يمتلك سوى أرضه وفأسه.
خديعة المزارعين
ويطالب الحاج إبراهيم السيد "بمركز أبو حماد" بالمساواة والعدل؛ فإذا كان وزير الزراعة يريد أن يرفع أسعار السماد بشكلٍ غير مباشر عن طريق خديعتنا كفلاحين بتحرير السماد، لا بد أن يقابله ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، وإلا فلا توجد جدوى لاستمرار الزراعة في مصر، ويعتمدون على استيراد الأقماح الفاسدة من الخارج التي تُدمِّر الشعب كما يفعلون.
ويقول مصطفى عبد الرحمن "مزارع" بعدما أوقفت الحكومة تصدير الأرز أصبحنا نقوم بدشه للمواشي بدل العلف لأنه أرخص.. أرز الشعير بجنيه يعني أرخص من أي علف، ولكن لا نستطيع أن نزرع الذرة لأنها تحتاج إلى كمية من السماد أكبر من الذرة، فإذا كان فدان الأرز يحتاج إلى 3 شكائر من السماد فإن فدان الذرة يحتاج إلى ضعف العدد 6 شكائر سماد، وسعر الشيكارة يصل إلى 90 جنيهًا.
حصاد الشتلات
![]() |
|
د. محمود أبو زيد |
من جانبه يؤكد د. محمود أبو زيد وزير الري والموارد المائية السابق أن الاستفادة بمياه السيول تتوقف على قوة مشروعات التحكم الخاصة بإنشاء خزانات كبيرة وسدود الإعاقة وإنشاء برك أو الاستفادة منها بتخزينها، موضحًا أنه لو تم الاهتمام بمشروعات التحكم وبناء السدود والمخرات لاستطاعت مصر أن تستفيد بكمية أكبر من 50 مليون متر مكعب لتخزينها.
وأشار إلى أنه من الممكن الاستفادة بأمطار السيول في زراعة آلاف الأفدنة من الحبوب والقمح والشعير التي لا تعتمد على نظام الري الدائم ولا يمكن زراعة محاصيل تقليدية تعتمد على هذا النظام، في مناطق الساحل الشمالي وشبه جزيرة سيناء والمناطق الجبلية التي تسقط فيها السيول.
ويوضح أن منذ أن تم إنشاء السد العالي تم تحديد المساحة المنزرعة من الأرز، وتتراوح ما بين 700 ألف فدان إلى مليون فدان، ولكن الفلاحين والمزارعين لم يلتزموا بهذه الكمية حتى وصلت النسبة من 1.8 مليون فدان إلى مليوني فدان.
ويضيف أن كل ما تفعله الحكومة هو إلزام المزارعين والفلاحين بعدم الخروج عن المسموح به في الزراعة، وأنها لم تقلل أو تقلص المساحات ولكنها تحارب المخالفات؛ ما يتطلب وجود تخطيط سليم من الوزارة لتظل مساحات الأرز في حدود المسموح به، ويتم تلافي خسائر وإهمال المزارعين، موضحًا أنه من الصعب تقليص المساحة المنزرعة ومواجهة المساحات الزائدة باستخدام نظام الغرامات والعقوبات لأن المزارعين لا يلقون بالاً لكل هذا، طالما أنهم سيزرعون محصولاً له عائد مادي كبير، ولكن من الممكن استخدام نظام حصاد الشتلات عند بداية الزراعة للتخلص من الشتلات.
ويبين أن تحديد مساحة الأرز تكون على حساب قدرة الأرض على تحمل نسبة الملوحة العالية وتحمل ارتفاع وانخفاض منسوب الماء مثل أراضي شمال الدلتا؛ لضمان وجود أكبر ضاغط ممكن من المياه العذبة لوقف تداخل مياه البحر، خاصةً أن هذه المناطق ذات مستويات منخفضة، بالإضافة إلى تمتعها بدرجات حرارة معتدلة ومحتوى رطوبي مرتفع يقلل من استهلاكها للمياه، بينما يمنع زراعة الأرز في مناطق وسط وجنوب الدلتا والوجه القبلي بالكامل لكونها مناطق حارة نسبيًّا وذات محتوى رطوبي منخفض؛ ما يزيد من احتياجاتها المائية.
ويشدد على ضرورة أن تحدد المساحة المنزرعة في ظلِّ ندرة الموارد المائية حتى لا يحدث اختلاف في ترتيب نوعية المحاصيل الزراعية واختلاف الميزان المائي والتحصيل التأشيري، موضحًا أنه في حالة زيادة المساحة يكون على حساب الأمن المائي.
هجرة الفلاحين
ويوضح د. جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة القاهرة أن هناك قاسمًا مشتركًا يربط ما بين زراعة الأرز وعامل المياه؛ لأن فدان الأرز يحتاج إلى ما يقرب من 6 آلاف متر مكعب من المياه، بينما المحاصيل الزراعية الأخرى البديلة لا تحتاج سوى 3 آلاف متر مكعب للفدان، وبالتالي يتم توفير 3 آلاف متر مكعب من المياه.
ويوضح أن تحديد الحكومة لزراعة الأزر بمليون فدان بدلاً من مليوني فدان، سيوفر ما يقرب من مليارَي متر مكعب من المياه سنويًّا.
ويشير إلى أن الحكومة لم تقدم للمزارع بدائل أخرى لزراعتها عندما اتخذت القرار الخاص بتقليص حجم الأراضي المنزرعة من الأرز، ولا يوجد أمام الفلاح سوى محصول الذرة والقطن، وهذه المحاصيل لا تمثل تشجيعًا للفلاح لكي يقوم بزراعتها.
ويستنكر إغلاق وزير التجارة باب التصدير للخارج بالشروط التي وضعتها الوزارة، وبالسعر المحلي الذي وضعته للفلاح الذي لا يتجاوز 1000 جنيه للطن الواحد، بينما يبلغ السعر العالمي 5 آلاف جنيه للطن، مفندًا الفارق في السعر وهو 4 آلاف جنيه يتم توزيعها مناصفةً بين الوزارة والتاجر؛ أي كل واحد يأخذ 2000 جنيه من التصدير.
ويدين الظلم الواقع على المزارع المصري لمطالبته بشراء الأسمدة بالسعر العالمي، وهو 1500 جنيه للطن، وفي المقابل لا يحصل على السعر العالمي لمحصوله، وأن يكون هناك تسعيرة لأسعار المحاصيل على أسس غير المعمول بها، مطالبًا بتحقيق العدل، وأن يطبق السعر العالمي لكل مستلزمات الفلاح من محاصيل وأسمدة ومستلزمات إنتاج لينتهي مسلسل الظلم.
ويضيف أن أغلب المزارعين التي يعملون بالزراعة يزرعون من أجل توفير لقمة العيش، والحكومة تعطي لموردي الأقماح 70 جنيهًا دعمًا لهم، وبالتالي المزارع الذي لا يورد لحاجته للمحصول يحرم من حصوله على الدعم.
ويؤكد أن كل هذه الضغوط على المزارع تسببت في حدوث نوعٍ من أنواع الهجرة "هجرة الأراضي الزراعية" من المستأجرين الذين تركوا الأرض لأصحابها، وملاك الأراضي الذين يطرحون أراضيهم للبيع، مشيرًا إلى أنه إذا ازدادت واتسعت هذه الهجرة سينتج عنها أضرار اجتماعية بالغة الخطورة لأن 40% من سكان مصر يعتمدون على الزراعة.
تحطيم الفلاح
![]() |
|
د. حمدي إسماعيل |
ومن جانبه، يوضح حمدي إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن هناك كميات كبيرة من المياه مهدرة من حصة مياه النيل، لعدم وجود خزانات سليمة لتجميع هذه المياه والمصبات غير صالحة للتخزين، موضحًا أن مشكلة زراعة الأرز تقتصر على زيادة كمية الفاقد من المياه وعدم وجود بوابات محكمة الغلق في القنوات والقناطر في مصر والحكومة تحاول أن تحمل الفلاحين والمزارعين وحدهم مسئولية هذا الفاقد.
ويوضح أن زراعة الأرز تحتاج إلى أربعة أضعاف أية زراعة أخرى للمياه، ومعظم الأراضي الأرز لا تعتمد على مياه النيل؛ لأن هناك مساحات كبيرة تعتمد على المياه الجوفية في عملية الري لعدم وصول مياه النيل إليها.
ويتهم الحكومة بتحطيم الفلاح المصري لعدم توفير الدعم والاهتمام الكافي له، مثلما تفعل الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتوفير كل مستلزمات الفلاح، متسائلاً: لماذا لم يتم تخصيص ملياري جنيه من صندوق دعم الصادرات لدعم وحل مشكلات الفلاح؛ مما يقود إلى ثروة قومية وثروة حيوانية مثلما تفعل الحكومة مع المستثمرين ببيع أراضي الدولة لهم برخص التراب.
ويشير إلى أن مصر تقوم باستيراد 6 ملايين طن من القمح، وفي المقابل تصدر 6 ملايين طن من الأرز، وبهذه الطريقة من الممكن أن تقضي مصر على استيراد الأرز.
ويضيف أن المشكلة التي حدثت في العام الماضي وأدَّت إلى فساد وتلف الأرز عند المزارعين واستخدام الأرز كعلف للماشية؛ كان سببه فرض الحكومة رسم صادر 1000 جنيه على طن الأرز، بجانب احتفاظ الفلاحين بالمحصول لعدم رغبته في البيع انتظارًا لارتفاع سعره.
ويؤكد أن الحكومة تفتقر إلى سياسة الاكتفاء الذاتي من القمح والذرة وكل شغلهم هو إلقاء اللوم على الفلاح، ولن يلقوا بالاً لما قالته منظمة الفاو من أن مصر هي أول الدول المستوردة للأقماح والذرة.
ويشير إلى أن الفلاح والمزارع في هذا الوقت إذا توفَّر لديه فرصة عمل بديلة سيترك الأرض ويعمل بها بعدما قلَّت الأيدي العاملة، متوقعًا أنه في وقتٍ من الأوقات ستلجأ مصر إلى استيراد أيدٍ عاملة من دولة أخرى لزراعة أراضيها لقلة الأيدي العاملة المصرية.
دائرة مغلقة
ويُقسِّم إبراهيم حجازي مدير مركز الأرض الخسائر الناتجة عن زراعة الأرز ما بين المُزارع والدولة؛ لأن زراعة الأرز تأخذ من 15 إلى 18 مليار متر مكعب من حصة مصر البالغة 55 مليار متر مكعب من مياه النيل، بجانب ترك العديد من الزراعات مثل زراعة الذرة بكل أنواعها: البيضاء والصفراء التي تستخدم كعلفٍ للماشية وفي صناعة الزيوت بسبب إقلاع الفلاح عن زراعتها حتى أصبحت مصر تستورد 90% من الذرة من الخارج.
ويؤكد أن هناك صراعًا وتناقضًا بين مصلحة المزارع ومصلحة الدولة، فالمزارع ظل في حيرةٍ من أمره بعد أن انتهى أمر القطن بسبب سياسات الحكومة وعدم دعمها له فخرج من المعادلة ولم يبق سوى الأرز والذرة، وإذا نظرنا للذرة نجد أن تسويقه صعب لأن الإقبال عليه قليل عالميًّا مما يجعل الفلاح في النهاية يفضل الأرز، خصوصًا أن ربحيته أعلى من الذرة، فيختار الأرز حتى وإن كان بهذا الاختيار يكسر القوانين.
ويوضح أن سياسة مصر التصديرية غير واضحة، خاصةً تجاه محصول الميزة التنافسية لمصر وهو ميزة إنتاج الأرز في العالم؛ مما جعل المزارعين يصرخون بسبب الخسائر التي تقع عليهم.
ويضيف أن مشكلة الأرز ليس لها حل لأن الكل يدور في دائرة مغلقة الفلاح ينظر إلى مصلحته في النهاية، ولا يوجد لديه سياسة مائية في التعامل، مطالبًا بضرورة أن تتوفر الثقافة المائية عند المزارعين حتى تكون منهجًا للحفاظ على المياه في ظلِّ تنفيذ مشروع الوزارة الخاص بتطوير زمام الكمية، والذي من الممكن أن يفرض تسعيره على استهلاك المياه وتكون مرتفعة الثمن لا يستطيع الفلاح تحملها.
ويرى أنه إذا ظلِّ استمرار باب تصدير الأرز للخارج مفتوحًا وفي نفس الوقت يتم تحديد المساحة المنزرعة ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار واستحواذ التجار على كمية المحاصيل، مؤكدًا أن هذه العملية تحتاج إلى تنظيم القرار الذي يأخذ من فوق مشاركة مع تحت لتقييم الوضع ودراسته وتحديد المتطلبات.


