عدتُ بالأمس من رحلة دعوية من روسيا الجديدة من الإدارة الدينية بالعاصمة موسكو، وعشت أيامًا امتلأ فيها صدري بمزيدٍ من الإيمان بأن الله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وأن دعوة الله تسير في العالم كله كالأنهار فوق الأرض أو مجرى الماء تحت الأرض إنْ مُنِع أن يجري فوقها.

 

روسيا الأمس حَكَمَها النظام الشيوعي البلشفي من ٢٣/١٠/١٩١٧م حتى سقط تمامًا في ٢٦/١٢/١٩٩٢م بعد أن كانت المادة الأولى في الدستور: "لا إله والحياة مادة"، وقد ذَكَر لي سمو الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أنه سمع فضيلة الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- يقول: "إن الاتحاد السوفيتي لن يكمل سبعين عامًا دون أن ينهار"، والآن يكفل الدستور حرية التدين بعد أن هدمت روسيا الأمس ١٥٠ ألف مسجد وعشرات الآلاف من الكنائس، وقالوا: ما الدِّين إلا أفيون الشعوب، والأخلاق كلها دجل، ولا بد من قهر الناس وحمْلهم على الكفر بكل دين، وعدم جواز التملك أو الزواج، وقتلوا ٢٠ مليونًا من المسلمين وغيرهم؛ ليحققوا هذا الجنون، وبنوا دولةً قوية تُصدِّر كفرها وطاغوتها وفجورها إلى العالم كله، لكن إرادة الله ذي البطش الشديد شاءت أن تنهار القوة الأولى في الأرض لتصبح فجأةً من أضعف دول العالم، عندما تحول اقتصادها إلى الحضيض، ففي حين كان من يملك ١٠ آلاف روبل يستطيع شراء سيارة روسية (لادا)، فقد صار أول الانهيار أن هذه الآلاف لم تعد تكفي لشراء ٢ كيلو طماطم!، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود).

 

لكن روسيا اليوم قد احتفظت بأوسع مساحة في دول العالم؛ حيث تبلغ ١٧ مليونًا و٧٥ ألف كيلو متر مربع، وهي سابع دولة من حيث عدد السكان البالغين ١٤٢ مليونًا منهم ٣٥ مليون مسلم، كما صرَّح بذلك وزير الداخلية الروسي المسلم، واليوم تحاول إصلاح ما أفسده الشيوعيون في روسيا الأمس الذين هدموا ١٥٠ ألف مسجد؛ وذلك بالسماح ببناء آلاف المساجد حتى بُني حتى الآن ٦٠٠٠ مسجد، بل صرَّح رئيس بلدية موسكو بالقول إننا سنعلن الجهاد في روسيا ببناء المساجد، وأعطى تصريحًا ببناء ١٤ مسجدًا في موسكو التي تضم ٢ مليون مسلم، وليس فيها- من آثار روسيا الأمس- سوى أربعة مساجد، ولذا تتعطل الشوارع حول المساجد، وقد حدثني أحد مصلي الجمعة التي خطبتها في المسجد التاريخي أن المصلين حول المسجد كانوا قرابة المائة ألف، وهو مسجد كان قد أوقفت روسيا الأمس الصلاة فيه وحولته إلى مطبعة يهودية، ومركز تجنيد حكومي، وكان المسلمون يذهبون كل جمعة يصلون في الخارج ويشتبكون مع الشرطة وكثيرًا ما قدموا ضحايا، لكن روسيا اليوم تعطيهم تصريحًا ببناء مساجد جديدة بفضل الله.

 

بالطبع ليست روسيا اليوم دولة إسلامية، فقد انغرست فيها أصابع (اللوبي الصهيوني واليهودي) ليمسك بزمام الاقتصاد والإعلام ويجتهدون في تسيير السياسة لكن هناك إرادة ربانية عليا قال عنها الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾ (الرعد).

 

يا قوم ثقوا في الله وتحركوا لدينه فالله وحده مالك الملك لا قوة شرقية أو غربية، إن الله هو القوي المتين، ناصر المؤمنين ومخزي الظالمين، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء).

---------------

*www.salahsoltan.com