- غياب إفريقي أفشل مبادرة النيل وحضور عربي لقمع المعارضة
- د. أحمد شوقي الحفني: الإدارة الحالية لا تفهم معنى الأمن القومي
- اللواء حسن اللبيدي: الشعب هو المسئول بنومه عن طلب الحرية
كتب- عصام فؤاد:
الإمارات تحجب موقعًا إلكترونيًا مؤيدًا للدكتور محمد البرادعي.. الكويت تعتقل وترحل عشرات المصريين من أنصار ترشح البرادعي للانتخابات الرئاسية.. خبران تزامنا مع فشل الجولة الثالثة لمفاوضات حوض النيل أواخر الأسبوع الماضي، والذي سيتبعه آثار وخيمة على أمن مصر المائي والاقتصادي، ما يعد وثيقة جديدة لاختصار مفهوم الأمن القومي في منع التعددية.
ليس جديدًا على قيادة مصر للتنسيق الأمثل بين وزارات الداخلية العربية، حتى باتت اجتماعات وزراء الداخلية العرب هي الأنجح وصاحبة الاتفاق الأكبر عربيًّا، كما صرَّح بذلك الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي، في ظل فشل متواصل لقمة الرؤساء العرب أو لقاءات وزراء الخارجية أو الاقتصاد وغيرها.
وكما دعت مصر لإنشاء مجلس وزراء الداخلية العرب خلال المؤتمر الأول لوزراء الداخلية بالقاهرة عام 1977م، فقد حملت على عاتقها تفعيله، ليتمتع بأعلى متوسط حضور وتمثيل بنحو 18 وزيرًا في كل اجتماع، ولم يشهد المجلس إلغاءً حتى إبان حرب الخليج الثانية أو الثالثة، فيما تشكو السوق العربية المشتركة الفشل منذ تم طرح مشروع الوحدة الاقتصادية عام 1945م، ومثلها اتفاقية (الدفاع العربي المشترك) التي تجاهد للظهور منذ نكبة عام 1948م إلا أنها لم تلق اهتمامًا حقيقيًّا حتى الآن.
الغريب أن التحركات المصرية للاستفادة من ذلك التنسيق لم تتعد أكثر من تبادل الخبرات والتوصيات في كيفية مواجهة المعارضة وقمع الحراك الداخلي ولو على الإنترنت، بينما تم إهمال أي محاولة لإعادة الدفء للعلاقات المتدهورة مع بعض الدول مثل سوريا، ما قدم دليلاً إضافيًّا على اندثار مفهوم الأمن القومي الذي لم يعد حتى وطنيًّا، وقصره على مصالح بعينها تتعلق بالأسرة الحاكمة ومحيطها.
أمن وطني
ويرجع مفهوم الأمن القومي إلى القرن السادس عشر الميلادي، حين تأسست الدولة القومية في كلٍّ من فرنسا وهولندا وسويسرا وبريطانيا وغيرها، ثم انسحب المفهوم إلى الوطن العربي مع ازدهار دعاوى القومية في خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي، وذلك قبل نشوب الصدام المسلح بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر سنة 1970م.
ثم تهاوى مفهوم القومية مع المفاوضات المصرية المنفردة مع الكيان الصهيوني وإبرام اتفاقية كامب ديفيد، قبل أن ينهار تمامًا مع مشاركة مصر في الحصار الغاشم على نحو مليون ونصف المليون من أهالي قطاع غزة.
والمقصود بالأمن القومي أو الوطني هو قدرة الدولة الشاملة على حماية أراضيها ومصالحها وقيمها الأساسية من التهديدات الخارجية والداخلية، وذلك باستخدام كافة الوسائل السياسية والدبلوماسية والثقافية والعسكرية وغيرها، وللأمن الوطني أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وأيديولوجية وجغرافية، ولها كلها خصائصها التي تثبت ترابطها وتكاملها.
وهذا التعريف يغيب تمامًا عن توجهات الإدارة المصرية وأجندتها، وكان الدليل الأقرب هو فشل الجولة الثالثة من مفاوضات حوض النيل بمدينة شرم الشيخ، حيث أعلنت دول المنبع السبع أنها ستوقع اتفاق إطار يتجاهل دولتي المصب مصر والسودان ويقلص حصتيهما من المياه.
وأرجع الخبراء فشل المفاوضات إلى ضياع مكانة مصر الدولية، وغياب دورها الإقليمي والقاري؛ ما شجع دول المنبع على رفض المبادرة المصرية لتأسيس إطار قانوني جديد لدول حوض النيل، لاسيما وأن القاهرة لم تؤسس علاقات سياسية واقتصادية حقيقية مع تلك الدول بما يمنع تمردها عليها، والنتيجة تهديد هو الأخطر على أمن مصر المائي، الذي يعتمد بنسبة 95% على مياه نهر النيل.
الفولاذي أولاً
فهمي هويدي

مقارنة أخرى أجراها الكاتب الكبير فهمي هويدي- في مقال بجريدة (الشروق)- بين النشاط المصري لإنجاز الجدار الفولاذي في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة، وبين الجهد المبذول لإزالة آثار السيول التي ضربت سيناء في شهر يناير الماضي.
فبينما تشيد الصحف الصهيونية بنجاح الأمن المصري في تدمير 6 أنفاق خلال الأسابيع الماضية- تكلفة الواحد منها نصف مليون دولار- كانت مخصصة لنقل السيارات والمساعدات الغذائية، وتحيي الجهد المصري في سرعة إتمام بناء الجدار الفولاذي لإحكام الحصار حول القطاع، يغيب أي معلومات عن تحركات مشابهة لمحو آثار السيول التي اجتاحت أماكن مختلفة في وسط سيناء وشمالها؛ الأمر الذي أدَّى إلى تشريد عدة مئات من البشر، وهدم بيوت نحو 600 أسرة، غير تخريب الطرق العمومية والفرعية.
الإغاثة التي وجدها متضررو السيول كان أغلبها من الجيش والأهالي، وكان غياب الجهاز الإداري للدولة دليلاً دامغًا على استهتار النظام بحياة المواطنين ومصالحهم، وعدم مبالاته بالبعد الاجتماعي في حماية أمنه الوطني، لاسيما وأن سكان شمال سيناء على ثغر مصر الأخطر المواجه للعدو الصهيوني، ومواصلة إهمالهم يضعف انتماءهم لبلدهم ويمثل تهديدًا داخليًّا حقيقيًّا للأمن الوطني.
والملاحظ بصورة أكبر عدم مراعاة البعد الاجتماعي في غياب تحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات والاهتمام بمصالح فئة محدودة على حساب المصلحة الشعبية، ما يضعف الانتماء ويحظر التفاف الجماهير حول قيادتها السياسية التي تراها سبب أزماتها من بطالة وفقر واستبداد وغيرها.
ويؤكد الغياب المصري الفاعل عن الأحداث السودانية ومسألة تقسيمه، افتقاد أي إستراتيجية تراعي البعد الجغرافي في الأمن الوطني، غير ما يمثله التفريط في موارد البلاد من بترول وغاز، يتم تصديرهما بأبخس الأثمان للكيان الصهيوني، من عدم التفات الإدارة المصرية للأمن الاقتصادي، واقتصار دورها على تأمين الكيان الصهيوني واحتياجاته، من أجل وقف أية ضغوط خارجية في ملفات الإصلاح والحريات، وتمرير ملف التوريث بعد الحصول على المباركة الغربية.
وتم اختصار أمن مصر بطولها وعرضها وشعبها في اهتمامات بعيدة عن الأمن القومي، حتى إن زيارة الرئيس مبارك لألمانيا في رحلة علاجية تهدد الاستثمار الأجنبي في مصر، وتؤدي لاضطراب واسع في تعاملات البورصة المصرية، فيما يتم إذاعة مقتل الرئيس البولندي وعدد من قيادات الدولة على الهواء مباشرة، بدون واقعة اضطراب في البلاد التي نقلت بكل يسر سلطاته لرئيس البرلمان، مع إعلان انتخابات رئاسية في غضون شهرين، هكذا بكل بساطة!.
الفشل المتواصل في حماية أمن البلاد بكافة أبعاده لا يضاهيه سوى النجاح في التنسيق على المستوى العربي لقمع المعارضة واستئصال روافدها حتى خارج البلاد، كما حدث بالكويت والإمارات.. ما يطرح سؤالاً عن الأخطار التي تهدد مصر مع تكريس السياسة الحالية؟
حياة أو موت
نهر النيل يمثل قضية أمن قومي لمصر
ويرى د. أحمد شوقي الحفني، أستاذ الإستراتيجية والأمن القومي السابق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا؛ أن فشل مبادرة حوض النيل تسبق قضايا الأمن القومي، لأنها تمثل مسألة حياة أو موت، وبدون حياة فلا مجال للحديث عن أمن أو استقرار أو غيره، موضحًا أن عصب الحياة في مصر مبني على النيل وبدونه تصبح مصر صحراء، لذا فمسألة الحفاظ على فيضانه لا بد أن يكون لها الأولوية في أجندتنا الراهنة.

ويفرق بين السكون والاستقرار، ويقول: بعض الدول لا تحظى بأمن حقيقي رغم ما تشهده من سكون، لأن ذلك السكون قد يكون معناه مواتًا نتيجة عدم الحركة وغياب التأثير في المحيط الخارجي، في حين أن الاستقرار المطلوب يأتي مع الحركة المنضبطة المتزنة التي تحقق المصالح وتحفظ الأمن، وفي نفس الوقت تخلق الأمن والاستقرار بما لها من إمكانات وقدرات على التأثير داخليًّا وخارجيًّا.
ويرى أن ضمانات الأمن يحققها أولاً الإصلاح السياسي الذي يسمح بتداول سلمي للسلطة، وقيام أحزاب هدفها تولي الحكم لتنفيذ أجندتها التي تراها الأصلح، بدون أن تهددها اتهامات قلب نظام الحكم وغيرها، وتأسيس نقابات وتنظيمات غير سياسية تصنع ضغوطًا لتنفيذ رغباتها، مع إطلاق حرية الرأي العام في الاحتجاج أو التظاهر، وحفظ حق الشعوب في تغيير إداراتها عن طريق الاقتراع، وطرد أي حزب لا يحقق مصالحها.
وكذلك تحقيق الأمن الاجتماعي لا البوليسي برعاية مصالح الناس، والتوزيع العادل للثروات بما يصنع التماسك المجتمعي، الذي يعد الأرضية التي يقوم ويستند إليها النظام، أما محاباة فئة محدودة على حساب الباقين؛ فهو يضرب الانتماء ويخلق بلدًا للفرديات، فنصبح 80 مليونًا أفرادًا بلا اجتماع؛ ما يجعل مصر ضعيفة أمام أي عامل خارجي يهدد أمنها.
ويستشهد بالمثل الإنجليزي "إذا لم أتول صنع يومي وغدي وأشارك في بناء حاضري ومستقبلي، وإذا لم أحصل على نصيبي في "الكيك" المصنوع ببلادي، فأنا خطر على نفسي ودولتي"، مؤكدًا أن تطبيق المواصفات السابقة يؤكد غياب مفهوم الأمن عن الإدارة المصرية.
ويتساءل د. شوقي ماذا لدينا الآن من أوراق لحماية مصالحنا ومستقبلنا؟، وماذا نملك من "قوة ناعمة" نستطيع بها التأثير على جوارنا الإقليمي ومحيطنا القاري، ويعمل حسابها العالم كله، فلا يجرؤ أحد على المساس من مصالحنا خشية على مصالحه عندنا؟!.
أمن الرئيس
تحركات صهيونية متسارعة للسيطرة على منابع نهر النيل
ويحذر المحلِّل الإستراتيجي اللواء حسن اللبيدي من مخاطر افتقاد مصر لإستراتيجية واضحة المعالم تحفظ كافة مصالحها وتؤمنها، ويقول: الخطر القريب الناتج عن فشل مفاوضات حوض النيل لن يكون الأخير، مع استمرار فشل سياستنا الخارجية، حتى على المستوى الإقليمي والقاري.

ويضيف إذا كان تأمين الرئيس جزءًا من مهام الأجهزة الأمنية، فإن انكفاء كل أجهزة الدولة على تأدية هذه المهمة، يهدد مستقبل البلاد كلها، ويجعل أمنها مستباحًا من أعدائها، خاصة العدو الصهيوني الذي يعبث بأمن مصر المائي في منابع حوض النيل ويهدد أمنها الجغرافي بدعمه فصل جنوب السودان، غير التهديد العسكري بالترسانة النووية وغيرها.
ويلفت إلى غياب مصر بالمقابل عن استشراف مستقبل أمنها ومهدداته، وغياب التواصل مع المناطق المؤثرة على أمننا الوطني؛ حتى إن الرئيس مبارك لم يقم بزيارة واحدة إلى دول حوض النيل، إلا لحضور القمة الإفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي شهدت محاولة اغتياله في يونيو عام 1995م، قبل أن يعزف الرئيس عن حضور القمم الإفريقية والاكتفاء بإنابة وزير أو سفير.
ويستنكر اللواء اللبيدي الاستفاقة المصرية المتأخرة جدًّا الآن ونحن على أعتاب كارثة مائية، وإرسال برقيات رئاسية عاجلة إلى قادة دول المنبع لاستيعاب خروجها من اتفاق قانوني يجمع دول حوض النيل، وذلك بعد عقود طويلة من فشل سياستنا الخارجية في توطيد أواصر سياسية واقتصادية ورعاية مشاريع تنموية وزراعية في تلك الدول، لوقف التمدد الصهيوني هناك.
ويؤكد أن النظام الحالي لا يعرف من الأمن سوى ما يخص الرئيس ودائرته، فبينما نراه متكاسلاً في حماية البلاد من التهديدات الأكبر والأخطر، تجده نشيطًا في التنسيق لقمع المعارضة، وطلب مجاملات من الأنظمة العربية لوأد دعاوى الإصلاح ولو على حساب الجالية المصرية وأرزاقها، على أن يرد تلك المجاملات من رصيد مصر السياسي أو الاقتصادي.
ويحمل اللبيدي الشعب المصري المسئولية كاملة عن تهديد مصالحه وأمن بلاده، مستشهدًا بمقولة نقلها عن د. علي الدين هلال أمين الإعلام بالحزب الوطني "الديمقراطية ليس عليها طلب في مصر"، ويقول: النظام يعرف ذلك فهو يرى المطالبين بالإصلاح والحريات أعدادًا قليلةً يمكنه بكل سهولة الانفراد بها للتنكيل بأعضائها وقياداتها.
ويرى أن نوم الشعب عن حريته وكرامته لا يعطيه الحق في طلب مراعاة أمنه أو حياته، ويطالب بهبة جماهيرية واسعة يعجز النظام عن التوحش عليها ويضطر لتنفيذ رغباتها، وتحقيق طلباتها، مناشدًا العاملين في ساحات الإصلاح الاستماتة حول رايتهم، وتوسيع مجال التوعية الشعبية بكافة الوسائل، حتى ترى مصر تغييرًا حقيقيًّا يناسب مكانتها وأهميتها وتاريخها.