- د. حسن نافعة: مصر تحتاج إلى ردٍّ قويٍّ ولو باستخدام السلاح

- د. هاني رسلان: الصهاينة يحرِّضون دول المنابع على إشعال الحرب!

- د. رفعت السيد: دور الأزهر واجب للمِّ شمل حوض النيل

- د. حازم فاروق: إهمال ملف المياه يفند مزاعم الأمن القومي

- بدر الشافعي: مصر فشلت في مد جذور الثقة مع دول المنبع

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

لم يكن مفاجئًا الفشل الذي انتهت إليه جولة المفاوضات الثالثة لدول حوض النيل التسعة بمدينة شرم الشيخ، فلم تنجح التحركات المصرية المتأخرة والمفاوضات التي استمرت حتى فجر أمس الأربعاء، في جمع دول المنابع ودول المصب حول مبادرة الإطار القانوني والمؤسسي لحوض النيل التي تقدمت بها مصر، وانتهت الجولة دون التوصل إلى أي اتفاق.

 

وأكدت دول منابع النيل السبع- بوروندي والكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا- تخليها عن الاستمرار في المفاوضات حول النقاط الخلافية في الاتفاقية الجديدة وعزمها على عدم الاعتراف إلا بقراراتهم المنفردة خلال اجتماعات كينشاسا في مايو 2009م.

 

وأصدرت بيانًا مشتركًا لإعلان انسحابها من المبادرة المصرية، وذلك في ختام جولة المفاوضات التي استغرقت نحو 20 ساعة على مدار 6 جولات تفاوضية بدأت منذ التاسعة صباح الثلاثاء حتى الرابعة والنصف فجر الأربعاء.

 

واتفقت الدول السبع على فتح باب توقيع مبادرتهم اعتبارًا من 14 مايو المقبل ولمدة عام واحد فقط، مع إهمال البنود الخاصة بالإخطار المسبق قبل تنفيذ المشروعات، ودون بند الاعتراف بالحقوق المائية التاريخية لمصر والسودان، وآلية اتخاذ القرارات بالإجماع.

 الصورة غير متاحة

خريطة دول حوض نهر النيل

 

وأكدت وفود الدول السبعة رفضهم التام لاقتراح مصر والسودان بمد مهلة 6 أشهر جديدة للتفاوض، وأعلنوا رسميًّا عن إصرارهم على التوقيع المنفرد على المبادرة الجديدة بدون مصر والسودان؛ بسبب تمسكهما ببنود الأمن المائي وحقهما في الحصص القديمة، موضحين أن الجولة الثالثة للمفاوضات تعدُّ آخر سلسلة من المفاوضات حول الاتفاقية الإطارية للتعاون منذ بدء إطلاق المفاوضات في عام 1995م، وأنه لن تكون هناك مفاوضات أخرى في أديس أبابا يوليو المقبل كما طلبت مصر والسودان.

 

وناقشت المفاوضات إمكانية إنشاء مفوضية عليا لتنظيم التعاون بين دول الحوض؛ تهدف إلى تفعيل العمل المشترك في مجالات المياه والاستثمار والتجارة وتوليد الطاقة الكهربائية.

 

في الوقت ذاته رفضت مصر التوقيع على الاتفاقية بصيغة "كينشاسا" التي لا تتضمن بنود الأمن المائي وآلية اتخاذ القرارات بالإجماع والحقوق التاريخية لمصر والسودان.

 

وصرَّح وزير الري المصري بأن الموقف المائي القانوني لمصر لن يتأثر بهذا التوقيع؛ حيث تمتلك مصر اتفاقيات منذ عام 1800م، وجميعها ملزمة لكل دول الحوض، مؤكدًا أن مصر لديها من الإمكانات والوسائل التي تمكنها من الرد بقوة على أي مواقف تؤثر في حصتها التاريخية من مياه النيل، والوزير هو نفسه الذي صرَّح قبل المؤتمر بسويعات أن كل شيء على ما يرام، وأعرب عن تفاؤله بالوصول إلى اتفاق جذري وتوقيع وشيك للمبادرة المصرية!.

 

(إخوان أون لاين) عرض القضية برمَّتها على السياسيين والخبراء والمتخصصين؛ لبحث خطورة تلك النتائج وتأثيرها في مستقبل مصر المائي، وطارحًا حلولاً جذريةً لتدارك الأزمة.

 

استخدام السلاح!

 الصورة غير متاحة

 د. حسن نافعة

   بدايةً يوضح الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن تلك النتائج سيئةٌ للغاية، وتعكس وجود أزمة كبيرة في العلاقات بين الجانبين؛ دول المصب من جهة ودول المنبع من جهة أخرى، مؤكدًا أنها بمثابة جرس إنذار خطير لمصر والسودان.

 

ويضيف أن ضعف الدور الإقليمي والدولي لمصر، جعل دول المصب السبعة تطمع في تغيير الاتفاقيات القديمة، بتحريض من الكيان الصهيوني الذي هو المستفيد والرابح الأول من تلك الاوضاع المضطربة.

 

ويرجع تدهور الأوضاع إلى ذلك الحد إلى استغلال الكيان لغياب الدور المصري في العالم العربي، وإلى الانشقاقات التي تحدث بالسودان؛ ما أدَّى إلى استهانة دول الجوار بوضع مصر وقدراتها.

 

ويؤكد أن زيارات رئيس الوزراء المصري إلى أديس أبابا من قبل، وزيارة المسئولين المصريين بالتتابع لتلك الدول لم تؤتِ ثمارها؛ لغياب الرؤية الشاملة والعامة لدى السياسة المصرية؛ ما أفقدها وجود أي تأثير.

 

ويحذِّر د. نافعة من التعامل مع ملف حوض النيل كملف فني أو كملف سياسي، موضحًا أنها أصبحت مسألة حياة أو موت، مشددًا على ضرورة استعداد الحكومة المصرية بأكبر قدر من وضوح الرؤية والثقة بالنفس؛ للرد على تلك النتائج؛ حتى إن لجأت إلى التصعيد لأكبر مدى، واستخدام السلاح إن تطلَّب الأمر؛ لتوحي للدول الأخرى التي يثبت سعيها لإيذاء مصر أو ابتزازها بأن مصر لن تتورع عن استخدام السلاح.

 

وعلى صعيد الاتفاقيات التي ترفضها دول المنبع السبعة؛ بحجة أنها وجدت أثناء الاستعمار، يوضح د. نافعة أن الاستعمار البريطاني لم يجامل مصر، ولكنه أخذ في الاعتبار أن مصر دولة مصبّ، فمنحها تلك الحقوق.

 

ويرى أن تدارك الأزمة ينبع من استعادة مكانة مصر أولاً قبل البحث عن حلول لأزمة المياه؛ لأن جلَّ الأزمة الآن يكمن في استهانة البلدان المجاورة لمكانة مصر، وهو ما أفقدها كافة حقوقها، وجعل تحركاتها منعدمة التأثير.

 

ويؤكد أن قضية حوض النيل الآن بالغة الخطورة، وأصبحت قضية أمن قومي، وإهمالها مؤشر خطر، حتى لا تسنح مزيد من الفرص أمام دول حوض النيل لتستغل ذلك الضعف في ابتزاز مصر وتركيعها.

 

ودعا إلى ضرورة تقليل الفاقد من المياه على نطاق الشعوب، وضرورة البحث عن حلول فنية جذرية، وإنشاء المشروعات المشتركة حتى يتم تدارك الأزمة.

 

ضربة صهيونية

 الصورة غير متاحة

د. هاني رسلان

   يؤكد الدكتور هاني رسلان رئيس وحدة حوض النيل بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ"الأهرام" أن لجوء دول المنبع لحوض النيل الثمانية إلى التوقيع المنفرد على الاتفاقية يمثل أزمةً حقيقيةً بالنسبة لمستقبل ملف المياه.

 

ويعتبر أن تمسك دول المنابع السبعة برأيها في نقاط الخلاف الثلاثة حول الاتفاقية يعني تعنتها، وأن تلك الدول ماضيةٌ فيما يحقق مصالحها منفردةً دون الاعتبار لمصالح الدول الشقيقة من مصر والسودان.

 

ويرى أن الموقف الذي لجأت إليه تلك الدول هو موقف عدائي بالدرجة الأولى وموقف سياسي وليس فنيًّا، على الرغم من تأكيد الحكومة المصرية والسودانية على مبدأ التعاون والوحدة والبحث عن المصالح المشتركة، مشيرًا إلى أن تلك الدول تنطبق عليها مقولة "لا حياة لمن تنادي".

 

ويحذِّر د. رسلان من خطورة الأوضاع القائمة على الصعيد المصري بعد نتائج جولة المفاوضات تلك، مشددًا على ضرورة أن تبحث مصر عن مصالحها بشكل فوري من اتخاذ كل الوسائل السياسية والقانونية للدفاع عن مصالحها، مع الأخذ في الاعتبار كل الوسائل الممكنة قبل الغرق في كارثة محققة.

 

ويفنِّد قائلاً: إن ما يصل خلف السد العالي من المياه 3% فقط من مياه الأمطار، فضلاً عن أن دول المنبع السبعة لا تعتمد اعتمادًا جذريًّا على مياه النيل، بل اعتمادها الأساسي على مياه الأمطار، أما مصر فـ95% من استهلاكها معتمدٌ على مياه نهر النيل، وهو ما يؤكد أن وضع مصر حرج للغاية، ويهدد بكوارث مستقبلية إذا لم يتم تدارك الأمر.

 

ويؤكد أن خلف تلك الأزمة وخلف تعنُّت تلك الدول هو تحركات الكيان الصهيوني المستميتة، التي تستهدف مصر ومصالحها، وتستهد إشعال فتيل الحرب في المنطقة، سواء حرب مائية فقط أو امتدادها إلى عسكرية.

 

ويشدِّد على ضرورة اتخاذ الحكومة المصرية لرد فعل قوي ومؤلم تجاه تلك الدول، من التلويح بالتهديد وغيره؛ حتى تستشعر أن مصر قويةٌ وليست بضعيفة، تسعى كالمتسوِّل على الأعتاب حتى يفتح له الأبواب!.

 

دور الأزهر

 الصورة غير متاحة

د. رفعت سيد أحمد

   ويحذر الدكتور رفعت السيد أحمد رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث من نتائج تلك الجولة التي تنذر بمؤشرات بالغة الخطورة، على الرغم من أن فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق جذري كان أمرًا متوقعًا.

 

ويُرجع ذلك إلى أنَّ تخلي مصر عن دورها الإفريقي التاريخي في المنطقة؛ هو ما أدَّى إلى تمرُّد دول حوض النيل على اتفاقيات حوض النيل القديمة لعام 1929م ، و1959م، وتوسع الدور الصهيوني في منابع النيل.

 

ويوضِّح أن تعامل مصر بمنطق "الموظفيين" خلال الزيارات الصورية المتعاقبة لدول حوض النيل، وخاصةً التصريحات الواهية للمسئولين المصرين بأن كل شيء على ما يرام وكل شيء تحت السيطرة؛ هو ما دفع تلك الدول إلى ذلك التعنُّت وعدم المبالاة لمطالب مصر.

 

ويستنكر د. رفعت التحركات المصرية الواهية المخيبة للآمال، وتزامنها مع التحركات الواسعة القوية للكيان الصهيوني في المنطقة، والتي يراها قد تؤدي إلى قطع المياه تمامًا عن مصر في القريب العاجل.

 

ويشدِّد على ضرورة إيجاد حلول سريعة وعميقة تمس جذور المشكلة بشكل فوري، مشيرًا إلى ضرورة استرجاع الأزهر دوره الرائد في لمِّ الشمل من توطيد العلاقات مع البعثات الوافدة إليه من تلك الدول بوجه الأخص، وتعميق أساليب الالتفاف والوحدة بينهم، بالإضافة إلى الآمال المعقودة على النقابات المهنية، وكل منظمات المجتمع المدني، والقوى السياسية المختلفة؛ حتى يتمَّ التحام كافة الجهات في اتجاه موحد للتغلُّب على تلك الكارثة.

 

تسول الماء!

 الصورة غير متاحة

د. حازم فاروق

   ويؤكد الدكتور حازم فاروق عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، أن نتائج جولة المفاوضات الثالثة مؤلمةٌ للغاية وتُوجِع قلب كل مواطن مصري علم بجهود مصر السابقة اتجاه دول حوض النيل وتأثيرها ووجودها القوى مسبقًا، ثم ينظر في الوضع الحالي، فلا يرى سوى تلاشي تلك البصمة واندثارها؛ بسبب إهمال العلاقات؛ ما أدَّى إلى تدهور الأوضاع إلى ذلك الحد.

 

ويأسف د. حازم لذلك التردي الذي وصلت إليه العلاقات بين مصر ودول حوض النيل الأخرى، مرجعًا تلك النتائج التي وصفها بالمخزية إلى تراجع دور مصر في دول حوض النيل بنسبة 60% من وجودها السابق.

 

ويضيف أن التدخل الصهيوني شديد التأثير في منابع النيل- في مقابل انكماش التأثير المصري من غياب الدور التجاري المصري، وغيابها في مجال الطاقة والبترول والكهرباء وغيرها، عامًا تلو الآخر- هو ما أدى إلى تلك العواقب الوخيمة.

 

ويوضح أن كافة تلك الأزمات المتعاقبة التي تمر بها مصر ما هي إلا نتيجة سوء الإدارة وغياب التخطيط والتنظيم، مشيرًا إلى أن مصر بدأت تلتفت لإنقاذ ملف حوض النيل بعد تدهور الأوضاع، وزيادة التوغل الصهيوني في معظم البلدان.

 

ويلفت النظر إلى أن مصر كانت في العهد القديم صاحبة أعرق مدرسة ري في بلدان حوض النيل، يلجأ إليها الجميع، ويحسب لها ألف حساب، على عكس وضعها الحالي من تقزيم اختصاصها، ونزع هيبتها.

 

ويدعو كل المتشدقين بالأمن القومي المصري؛ الذين سعوا إلى بناء الجدار الفولاذي بين إخوان عزل محاصرين فاقدين لقوت يومهم تحت حجة الحفاظ على أمن مصر القومي، إلى أن يلتفتوا إلى التهديد الحقيقي لأمن مصر القومي، وأن يقوموا بهبة واضحة، قبل أن يأتي اليوم الذي ستتسوَّل فيه مصر قطرة ماء واحدة.

 

ويشدِّد على ضرورة إقامة الحكومة المصرية لتحركات فورية عاجلة، تخرجها من القوقعة والعزلة التي وضعت نفسها فيها بمعزل عن تلك الدول، دون التشدق بالألفاظ والتصريحات البراقة، لافتًا النظر إلى أن النتائج القادمة تنذر باحتمالية إبرام مزيد من الاتفاقيات المستحدثة بين دول المنبع السبعة بمعزل عن مصر والسودان، وهو ما يعني إفساح المجال أمام الدول إلى اللجوء إلى التحكيم الدولي ومجلس الأمن وما بتبع ذلك من عواقب غير مبشرة.

 

غياب الثقة

من جانبه يرى الدكتور بدر الشافعي الباحث بمعهد البحوث الإفريقية بجامعة القاهرة، أن نتائج جولة المفاوضات الثالثة لدول حوض النيل لا جديد فيها عما سبقها من مفاوضات قبل حوالي عام أثناء الجولة الثانية في يوليو الماضي بالإسكندرية.

 

ويشير إلى أن سيناريو الفشل كما هو لم يتغير؛ حيث لم تنجح مصر في مد جذور الثقة بينها وبين تلك البلدان، بل تباعدت خيوط الثقة بين الطرفين عما كانت عليه مسبقًا، مستنكرًا استغراق أكثر من 10 سنوات للوصول إلى اتفاق مجمع ولكن دون جدوى.

 

ويرجع تلك النتائج إلى استمرار حالة عدم الثقة بين دولتي المصب ودول المنبع السبعة؛ ما أدَّى إلى استمرار نقاط الخلاف الثلاثة من (الأمن المائي والحقوق التاريخية وبند الرقابة المسبقة على المشروعات وآلية اتخاذ القرارات بالإجماع)، كما هي دون وجود أي تقدم ملحوظ في حل إحداها.

 

ويحذر الشافعي من خطورة الأوضاع؛ حيث إن حصة مصر من المياه 55.5 مليار متر مكعب؛ أي منذ توقيع الاتفاقية إلى الآن، وذلك على الرغم من تضاعف عدد السكان، ومتوسط الفرد الطبيعي من المياه يبلغ 1000 متر مكعب، أما الوضع الحالي فهو يبلغ 760 مترًا مكعبًا، وبحلول عام 2020م سيبلغ 500 متر مكعب، وهو ما يعني وجود المواطن المصري تحت خط الفقر المائي.

 

ويشدد على ضرورة إنشاء مشاريع مشتركة بين بلدان حوض النيل؛ حتى تنشأ المصالح المشتركة التي تدفع إلى الحفاظ على مصالح الطرفين، بالإضافة إلى محاولة الجانب المصري مدَّ جذور الصلة والتعاون وتتابع الزيارات التي بدأتها متأخرة، على أن تكون ذات طابع ودي لا سياسي فقط.

 

ويشير إلى أن مصر وفِّقت في ذلك عندما قامت بزيارة لدول حوض النيل لم يحضر فيها وزير الري المصري؛ حتى لا تكون ذات طابع سياسي بحت وحتى تعطي شيئًا من الطمأنينة لتلك الدول.

 

ويوضح أن موقف "البنك الدولي"- الذي هو بمثابة ممول المشروعات- أكد أنه لن يقوم بتمويل أية مشروعات إلا بوجود اتفاق بين دول حوض النيل التسعة من مصب ومنبع، وهو ما يعطي بصيصًا من الأمل في تدارك الأزمة الحالية.