- د. المشاط: اتساع الدائرة يقلل المنفعة من العملية الانتخابية
- أحمد أبو بركة: المشروع افتقر للدراسات العلمية والواقعية
- د. حبيب: التعديلات جاءت بطريقة عفوية اهتمت بالشكل
- د. السيد: وزارة الداخلية تجاهلت اللجنة العليا للانتخابات
- شيحة: ستنتج المزيد من العزوف السياسي للشعب المصري
تحقيق- مي جابر:
أثارت التعديلات التي أقرها مجلس الشورى مؤخرًا بتعديل الدوائر الانتخابية لانتخابات الشورى الجدل عن الهدف من هذه التعديلات التي تمثلت في إلغاء الدائرة الانتخابية الثالثة، ومقرها قسم شرطة مصر القديمة بمحافظة القاهرة، ونقلها إلى دائرة محافظة حلوان عدا قسم شرطة مصر القديمة الذي تم نقله إلى الدائرة الثانية، ومقرها قسم شرطة السيدة زينب بالقاهرة، لتصبح محافظة القاهرة بالتعديلات الجديدة مكونة من سبع دوائر بدلاً من ثماني، ومحافظة حلوان الجديدة دائرة واحدة، بينما أصبحت محافظة الجيزة بها دائرتان بدلاً من أربع، وكذلك محافظة 6 أكتوبر، وتم أيضًا إلغاء الدائرة الخامسة، ومقرها شرطة الأقصر بمحافظة قنا؛ حيث تم نقلها إلى دائرة مديرية أمن الأقصر بمحافظة الأقصر لتصبح أربع دوائر بدلاً من خمس.
وهذا الجدل حول اتساع بعض الدوائر مقارنة بدوائر أخرى، وتوقيت التعديلات الذي يسبق انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى بشهرين فقط، طرحناه على عدد من المتخصصين في هذا التحقيق:
د. عبد المنعم المشاط
بدايةً ينتقد الدكتور عبد المنعم المشاط مدير مركز البحوث، والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد، والعلوم السياسية بجامعة القاهرة التعديلات قائلاً: هناك قاعدة سياسية أساسية ننطلق منها وهي، كلما اتسعت الدائرة الانتخابية قلت المنفعة العائدة على الناخبين والمرشحين على حد سواء، مشيرًا إلى أن اتساع مساحة الدائرة الانتخابية تضعف تواصل الناخب مع المرشحين ليختار الكفء من بينهم أثناء العملية الانتخابية، وبعد الانتخابات تكون عائقًا بينه، وبين من يمثله في المجلس، أما السلبيات الواقعة على المرشح نفسه فسترتفع تكلفة حملته الانتخابية حتى يستطيع تغطية دائرته بالدعاية، بالإضافة إلى صعوبة التواصل بينه، وبين ناخبيه لإقناعهم بانتخابه، ونشر برنامجه الانتخابي، كما يصعب على أي نائب تمثيل دائرة كبيرة بها كثافة سكانية مرتفعة، وتلبية مطالبهم، وتقديم الخدمات لهم.

ويضيف د. المشاط أن التعديلات تثير العديد من التساؤلات حول الجدية النظام في تحسين الحياة السياسية، وضمان انتخابات نزيهة، حيث ستحسم نتائجها لصالح المرشحين المدعمين من قبل الأجهزة الحكومية ليستطيعوا الانتشار في الدوائر الكبيرة، فالنظام يسعى لضمان مقاعد الشورى لصالح مَن يرى فيهم منفعته بعيدًا عن مصالح الناخبين، والوطن.
سلق القانون
![]() |
|
أحمد أبو بركة |
ويقول النائب أحمد أبو بركة عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن تعديل دوائر الشورى لم تقم على أسس علمية؛ حيث لم يرفق بها الدراسات، والمعلومات الكافية عن الكثافة السكانية، والانفصال الجغرافي للدوائر، ونسبة المقيدين في الجداول الانتخابية، مما يؤكد أن السلطة التشريعية في مصر هي سلطة صورية ومقيدة ومحكومة بأهواء نواب الأغلبية، والتي تتفق مع أهواء النظام الحاكم، ومصالحه.
وأشار إلى أن أي تعديل للدوائر الانتخابية يتم على مبدأين هما دراسة الكثافة السكانية للدائرة، والانفصال الجغرافي، وأي تعديل يتجاهل هذين المبدأين هو تعديل غير قانوني، ويمكن إلغاؤه لأنه لا يساوي بين جميع المواطنين، حيث يمثل نائب دائرة بها أكثر من 335 ألف مواطن بينما يمثل آخر دائرة لا يتجاوز سكانها الـ50 ألفًا.
ويضيف أنه من المنتظر مناقشة تعديلات الدوائر الجديدة في مجلس الشعب باعتباره قانونًا مكملاً للدستور، وأن نسبة تمريره كبيرة جدًّا في ظل استخدام الحزب الوطني لأغلبيته الميكانيكية في التصويت، وهذا يتنافى مع أهمية دراسة المشروع بشكل معمق خاصة أن انتخابات الشورى بعد شهرين.
وأرجع أبو بركة إلى أن تفصيل الدوائر الجديدة بهذه العيوب هو في الأساس لمصالح فردية لبعض الأشخاص البارزين في النظام الذين يفصل لهم التشريعات حسب هواهم ومصالحهم الفردية، فالمخالفة القانونية بالتعديلات الجديدة تناقض قواعد الممارسة السياسية السليمة.
إستراتيجية الترقيع
ويصف الدكتور أكرم حبيب الباحث السياسي التعديلات الجديدة بإستراتيجية الترقيع، التي اعتاد النظام العمل بها، فالأولى هو العمل على إصلاح الحياة النيابية المصرية، والتي تعاني من العديد من المشاكل المهددة للحياة السياسية بأكملها.

ويضيف: "نحتاج لدراسة مستقبلية للإصلاح البرلماني تشمل تعديلاً شاملاً للتمثيل البرلماني، والذي لا يتناسب مع الواقع السياسي المصري، فأي تعديل يجب أن يفعل دور مجلسي الشعب، والشورى في الحياة السياسية المصرية، ليعيد للبرلمان دوره الأساسي التشريعي والرقابي ولا يقتصر على تقديم الخدمات للناخبين، فالمطلوب الآن هو الإصلاح الجذري للتمثيل البرلماني في مصر، وليس مجرد ترقيع للدوائر، والتي لن تؤثر إيجابًا عليه.
ويوضح أن هذه التعديلات جاءت عفوية مهتمة بالشكل على حساب المضمون، كما جاء تقسيم المحافظات الجديدة؛ حيث تفاجأ المسئولون بعد تقسيم محافظة حلوان دخول المحكمة الدستورية ضمن حدود المحافظة الجديدة، فتراجعوا عن هذا التقسيم، وأعادوها مرةً أخرى للعاصمة لعدم دستورية تواجدها في حلوان، وهذا يثبت أن القرارات لا تأتي بعد دراسة علمية واقعية، مشيرًا إلى تجاهل النظرة المستقبلية لمحافظات مصر، والتي يزداد تعددها السكاني كل سنة، وخاصةً المدن الجديدة مثل 6 أكتوبر وحلوان.
ويقول: إن تعديل الدوائر كانت يجب أن تتم بعد إعادة تقسيم المحافظات الجديدة مباشرة، ويتساءل: لماذا تم تأجيل هذه التعديلات لأكثر من سنتين بعد إقرار المحافظات الجديدة؟ ولماذا الإصرار على 88 دائرة فقط لمجلس الشورى؟ والإصرار أيضًا على أن يظل عدد نواب الشورى أقل من نواب الشعب؟
تغييرات ظالمة
ويرى الدكتور شوقي السيد عضو مجلس الشورى أن مشروع القانون المقدم يضيف دوائر جديدة، ويغير مسميات أخرى، ويغير مكونات ثالثة، والملاحظ في المشروع أنه يفتقد التقسيم الموضوعي للدوائر، فلا يعتمد على نسبة الناخبين، أو الكثافة السكانية، أو المساحة الجغرافية، فهي تفتقر للعدالة والمساواة بين كل الدوائر، مشيرًا إلى أن هناك محافظة بها دائرة واحدة وأخرى بها تسع دوائر، وثالثة بها دائرتان.
ويضيف أن أغلب نواب مجلس الشورى تقدموا بتظلمات لرئيس المجلس، واعترضوا على هذا المشروع، محتجين على اتساع رقعة الدائرة، وترامي أطرافها؛ مما يصعب فيها أداء النائب لمهامه النيابية على أكمل وجه، وتواصله مع أبناء دائرته المنتشرين في كافة أنحاء الدائرة الواسعة.
ويستنكر د. السيد عدم مشاركة اللجنة العليا للانتخابات التي نشأت عام 2008م في وضع التعديلات؛ حيث لم تمارس حقها القانوني في اقتراح تعديل الدوائر الانتخابية، واقتصار وزارة الداخلية على عرض مشروع التعديلات على اللجنة، كما لم يأخذ رأيها إلا بعد ما أحيل لمجلس الشورى، وهو ما يخالف الدستور الذي أقرَّ أن هذا التعديل من اختصاص اللجنة العليا للانتخابات، وليس وزارة الداخلية.
ويشير إلى أن التعديلات تمت بعشوائية دون النظر إلى المعايير العلمية لتعديل هذه الدوائر، والتي تضع في الاعتبار عوامل التحول الديمجرافي، وتعداد السكان، والانفصال الجغرافي كما كان يحدث في دستور 1923 والذي كان يحدد الدائرة وفقًا لعدد الناخبين.
خدمة الوطني
![]() |
|
عصام شيحة |
ويؤكد عصام شيحة عضو الهيئة العليا بحزب الوفد أن هذه التعديلات لا تخدم سوى نواب الحزب الوطني، فدائرة مجلس الشورى قبل التعديلات تساوى ثلاث، أو خمس دوائر من دائرة "الشعب"، مما يصعب على النائب تأدية واجبه نحو أبناء دائرته، فالتعديلات لا تصب إلا في مصلحة أعضاء الحزب الحاكم، كما تعمل على زيادة تهميش الأحزاب المصرية والمستقلين لأنهم يفتقدون المزايا العديدة التي يمتلكها مرشحو الحزب الحاكم الذي يحتكر الحياة السياسية لحسابه الخاص.
ويشير إلى أن دائرة حلوان بعد التعديل اتسعت بشكل كبير، وأصبح من الصعب على المرشح التجول في كافة أرجاء الدائرة وخاصة بعد إضافة قرى جديد وإلغاء أخرى، ونتج عنه خروج المرشح عن دائرته الأصلية، وانضمامه لدائرة جديدة عليه، فمثلاً النائب الحالي لدائرة مصر القديمة شبل همام انتزع من دائرته وأصبح يمثل دائرة حلوان التي لم يكن منها، مما يضيف المزيد من الضغط على النائب الذي يجب عليه التواصل مع أبناء دائرة جديدة عليه.
ويلفت شيحة النظر إلى ضيق الوقت المتاح للمرشح بعد التعديلات؛ حيث لم يتبق سوى شهرين فقط على انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، ليضيف عليه عبء التسارع مع الوقت لعمل حملة الدعاية الخاصة به التي يجب أن تغطي كل أنحاء دائرته الجديدة، بعد أن رتب حملته على أساس نظام الدوائر القديمة.
ويؤكد أن تعديل الدوائر الجديد سيؤثر سلبيًّا على نسبة الإقبال على التصويت والتي هي منخفضة بالأساس، والتي لم تتعد 23% من إجمالي المقيدين في الجداول الانتخابية بانتخابات الشعب عام 2005، بينما كانت في انتخابات الشورى، والمحليات أقل من ذلك بكثير، ويضيف متسائلاً: لمصلحة من العمل على زيادة نسبة عزوف الشعب عن الحياة السياسية؟ ولماذا يعمل النظام على زيادة حجم هذه المشكلة، وليس السعي لجذب الشعب للعملية الانتخابية؟

