العلمانية والعلمانيون
بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب
يقول الحق تبارك وتعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ (فاطر).
أولاً:
إنما بدأنا بهذا المقال بهذه الآية الكريمة ليستيقظ الكثير من النوّام الذين يرددون أحيانًا بعض هذه الألفاظ، ويدّعون أنهم يعتنقون هذه الأفكار، وتلك المذاهب، فنسمع أحيانًا من يقول إنه علماني، وآخر يقول إنه يدينُ بهذا المذهب، أو ذاك، وقد غَفِلَ تمامًا أنه مسلم ينبغي عليه أن يقول: أنا مسلم أنتمي لهذا الحق كما علمنا صلى الله عليه وسلم أن نقول دائماً: "رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً"، وحقيقة نحن نشفق على الذين تستهويهم الشياطين وتستولي عليهم ثم تدفعهم بعيدًا عن طريق الله، وعن الهدى المستقيم، وعن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول بعض العلماء في معنى الآية التي صدرنا بها المقال: (لن يستوي عند الله أبدًا الاستقامة، والعوج، ولا الإيمان، والضلال، ولا الخير والشر كما لا يستوي العمى، والبصر، والظلمة، والنور، والظل، والحرور، والحياة والموت، وهي مختلفة الطبائع من الأساس)، ثم يقول: (إن الإيمان نور، نور في القلب، ونور في الجوارح، ونور في الحواس، نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث، وما بينها من ارتباطات، ونسب وأبعاد، فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله فيرى حقائق الأشياء، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه، ولا يبطش في خطواته، والإيمان بصر يرى رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة، ولا مخلخلة، ويمضي بصاحبه في الطريق على نور، وعلى ثقة، وفي اطمئنان، والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس، ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك، والقلق، والحيرة في التيه المظلم بلا دليل، والإيمان حياة، حياة في القلوب والمشاعر، حياة في القصد، والاتجاه، كما أنه حركة بانية مثمرة قاصدة لا خمود فيها، ولا همود، ولا عبث فيها ولا ضياع.
ثانيًا:
أيها الناس.. أيها المسلمون.. أيها الإخوان: تعالوا ننظر ماذا قال علماء الغرب عن هذا المذهب (العلمانية) التي يتشدق بها البعض، وينادي بها البعض الآخر لنعرف في أي طريق يمضي هؤلاء.
العلمانية- بفتح العين- مصطلح غريبٌ على لغتنا العربية، غريب في صيغته، غير واضح في مدلوله، فمن حيث الصيغة هو من قبيل المصطلحات التي أدخلتها الفلسفة حين تُرجمت إلى اللغة العربية.
مثل كلمة- روحاني، وجسماني، ونفساني، وعقلاني، لكن ما هو الأصل الذي أخذت منه؟ أهو- العلم- بكسر العين؟ فيكن نطقها علمانية "بكسر العين" أم هو العالم "بفتح العين" جاء في المعجم الوسيط: "إنها من العَلْم- بفتح العين وسكون اللام- بمعنى العَالَم بفتح اللام".
وكان هذا الغموض اللغوي فرصة للدجل على الناس، فيقدمها أنصارها على أنها تعني الاعتماد على العلم- بكسْر العين- وهذا مقصود حتى تبقى أهدافها مختفية وراء لفظ العلم.
حتى قال- جان ريفرو: "إن العلمانية كلمة لها رائحة البارود لما تثيره من استجابات متضاربة، ومتناقضة"، ومعنى العلمانية في اللغات الأوروبية- لا ديني- وعلى حد تعبير- معجم أكسفورد للجيب: "هي مبدأ يعني أن الأخلاق، والتعليم يجب ألا يقاما على أساس الدين".
ويشير هذا المعجم إلى أن أصل الكلمة لاتيني- بمعنى زمن. أو دَهر، والترجمة الدقيقة لهذا المبدأ بمصطلحاتنا الإسلامية هو- الدهرية- الذي يعني الإيمان بهذه الدنيا فقط، والكفر بالآخرة.
فليس هو فقط (فصل الدين عن الدولة) كما يظن.. بل هو إلغاء للدين الحقيقي بالكلية، وصدق الله العظيم ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24)﴾ (الجاثية).
تقول دائرة المعارف البريطانية: (العلمانية هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام فقط بهذه الدنيا وحدها).
ويعرفها أيضًا قاموس العالم الجديد: (بأنها الروح الدنيوية وهي نظام من المبادئ، والتطبيقات يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة).
ويقول دعاة العلمانية: إن المراد منها: الاعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس، ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة، والتحرر من العقائد الغيبية لأنها في زعمهم من الأوهام والتحرر أيضًا من كل العواطف بضروبها المختلفة دينية كانت، أو وطنية، وهم بهذا يخالفون جميع الأديان صراحةً لأنها تؤمن بالغيب. قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)﴾ (البقرة).
وحين سُئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقضاء، والقدر حلوه، ومره خيره وشره"، وهي كما ترى كلها غيوبٌ يجب حتى يوجد الإيمان اليقين بها. ولذلك نستطيع أن نقول: إن العلمانية ترفض بكل وضوح:
1- أن الدين أساس للحياة.
2- أو أن يكون الدين أساسًا من أسس الوطنية.
3- وهي تدعو بصراحة إلى الاعتماد على الواقع المحسوس فقط، ولا تعترف بغيره.
4- ترفض الإيمان بالغيب وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
5- تدعو إلى دراسة الإنسان، والمجتمع كما تدرس الماديات بشكل موضوعي.
6- الكون مستقل بذاته يصرف نفسه بنفسه، بصراحة- لا خالق له.
![]() |
والعلمانية تنكر بصراحة وجود الله الخالق المصور لهذا الكون، ثم لجأت إلى حيلة شيطانية لتفسير ظاهرة الإيمان، والتدين عند المؤمنين، وقالت إنها أكذوبة، وزعمت أن سلوكيات الإنسان ترجع في الأصل إلى الغريزة الجنسية فهو يحب بدافع منها، ويأكل بدافع منها.
أي أنه حيوان، وليس هناك غيبٌ، ولا إيمان، وهكذا تترّس اليهود وراء هذه الأوهام، وأوجدوا منها نظريات، وفرضوها على بعض الجامعات في العالم فهي تدرس باسم الفلسفة، ويوجد من يعتنقها خاصة في عالمنا العربي، والإسلامي، وللأسف الشديد يوجد البعض ممن يدافعون عن هذه الأفكار.
وهي من صنع اليهود، والذين يزعمون "أن الإيمان بالله أصله عبادة الأسلاف التي تطورت إلى الإيمان بالله، أي أن الدين خرافة، وأن الله غير موجود..
والمطلوب من كل مسلم، ومسلمة، وكل أسرة، وكل تجمّع للمؤمنين أن يحذروا هذه السموم، وأن يفتحوا مصاحفهم، وقلوبهم لكي يذهب هذا الهباء، وتلك الغيوم التي لا أساس لها، وهي من أعمال شياطين الإنس، والجن، ومن اختراعات الأفاكين، والنصابين والضالين، كل هذا، وغيره يذهب هباءً إذا استيقظ المسلمون، ورجعوا إلى دينهم، وإلى ربهم، ووقفوا للدفاع عنه، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)﴾ (الأنبياء).
والله أكبر ولله الحمد.
---------------
* من علماء الأزهر الشريف
