- ضغط الإعلام على الفئات المحرومة يزيد المعاناة
- الاحتفال السنوي فقط مجرد مجاراة للإعلام الغربي
تحقيق- هدى سيد:
21 مارس.. يوم بات ينتظره ملايين الأمهات للاحتفال به ولاستقبال قبلات الأبناء والأحفاد المعبِّرة عن الحب والامتنان، ورغم تشديد الإسلام على برِّ الوالدين والتكريم الأكبر للأم فإن البعد عن تعاليم الدين هو السبب الحقيقي في أهمية ذلك اليوم، بعد أن صارت الحفاوة بالأم عيدًا يستحق الاحتفال، وليست أمرًا يلازمه الاستمرار والدوام.
وقد يكون حال أم تنتظر احتفال أبنائها في يوم بالسنة خيرًا من غيرها ممن تسكن بدار مسنين أو يعقُّها ابنها، فلا تجد منه عطفًا أو حنانًا، أو حتى سؤالاً.
ويؤكد د. حمدي يس أستاذ علم النفس الاجتماعي والصحة النفسية بجامعة عين شمس أن فكرة هذا اليوم تأتي في إطار مجاراة الإعلام ومؤسسات المجتمع للثقافة الغربية، وفي هذا تسطيحٌ لقيمة الأم وتهميشٌ لدورها في الحياة.
ويقول إن تكريم الوالدين يكون في كل لحظة من عمر الإنسان، فالوالدية هي منشأ الحياة والطفولة والكيان الإنساني بأكمله، فالأم جزءٌ من منظومة الحياة التي يكملها الأب، وكلاهما يغزل نسيجًا واحدًا؛ قوامه الحب بغير شروط، والعطاء بلا حدود، والتضحية التي لا تعرف المستحيل، وهدفهما في النهاية أن يرسما البسمة على وجه أبنائهما، وأن تغلف السعادة قلوبهما.
ويضيف: مسيرة الحياة الناجحة هي التي يدعم الوالدان ويساندان ويعاونان فيها بعضهما بعضًا؛ حتى يصلا بأبنائهما إلى برِّ الأمان؛ بالبحث عن صيغة لبر الوالدين، فلا أروع ولا أكمل من فقه ديننا الحنيف، الذي أخبرنا أن نلزم قدم الأم فثَمَّ الجنة، والذي وضَّح لنا أن إسعادهما وإدخال السرور عليهما أفضل من الجهاد، وأننا لن نستطيع مهما فعلنا أن نوفِّي الأم حقَّها ولو بطلقة واحدة من ألم المخاض.
ويستنكر ما نراه الآن من جحود ونكران لفضل الآباء، ويتابع: ذلك أمر محزن؛ فهذا يفضِّل زوجته على أمه، وذاك نسي أمه في دار المسنين، بعد أن ضاق بيته وقلبه بها، وهؤلاء رموا والدهم المريض في الشارع، لا يجد ما يأكله؛ لأنهم في مراكز مرموقة، ويخجلون منه، وغير هذا من المهازل والعقوق.
ويبدي أسفه من اصطباغ يوم الأم بالعادات والشكليات والمظاهر الخادعة، التي فرغت الكلمات من دلالاتها النفسية والاجتماعية، موضحًا أن الأم عطاءٌ ومدرسةٌ، والأم واحةُ الحنان وبَرُّ الأمان، ويكفي أن كلمة "أم" معناها المقصد والملجأ والملاذ؛ فالأم هي الحياة بأسمى معانيها وأرقى صورها.
صورة مقبولة
من زاوية أخرى توضح الخبيرة الاجتماعية ميرفت محمد أنه في ظل الحياة المتسارعة والانشغالات المتعددة التي انغمس الجميع فيها؛ قد يكون هذا اليوم صورةً من صور البر والحب التي نريدها للوالدين طيلة الوقت، فالعرفان بالجميل بكلمة أو زيارة أو هدية قد يكون له مردودٌ إيجابي طيب عند كثير من الأمهات، والاحتفال الجماعي بهنَّ قد يشيع جوًّا من البهجة كفرحة أيام العيد.
وتؤيد اجتماع شمل العائلة في هذا اليوم من الأجداد والأبناء والأحفاد؛ ليعيدوا جوَّ الجماعة الذي نفتقده طوال العام، وتقول: وإذا نظرنا إلى اليوم على أنه أصبح عادةً اجتماعيةً يتبارى فيها الجميع بالاحتفال بالأم؛ فلا ضير أن نأخذ خيرَ هذا اليوم لنُعيد العلاقات الطيبة والمشاعرالدافئة في العائلة، والتي قد ننشغل عنها في أوقات كثيرة بأمور الحياة التي لا تنتهي، مع الأخذ في الاعتبار عدم مشروعية الاحتفال بهذا اليوم على اعتباره عيدًا، وإنما هو عادة اجتماعية.
وتضيف: إن الأم تشعر ببر ابنها الحنون، الذي يداوم على الاتصال بها وزيارتها، وتلتمس له الأعذار عندما يغيب أو ينشغل عنها، وكيف يحاول جاهدًا أن يستقطع وقتًا من يومه للسؤال عليها والاطمئنان على حالها، وأكثر ما يشقُّ على الأم أن تشعر أنها منسيةٌ وخارج نطاق حياة أبنائها واهتمامهم.
وتؤكد أن أعظم الهدايا التي تنتظرها الأمهات والجدات هو إحساسهن الدائم بأنهنَّ محورُ حياة أبنائهن، وأن دورهنَّ لم ولن ينتهي، فالاستماع إلى رأي الأم والجدة والأخذ به والاستعانة بهنَّ في تربية الأحفاد هو أهم ما ينتظرنه.
تصحيح التسمية
د. عبد الستار فتح الله سعيد

يوضح د. عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر سابقًا أنه من المعروف الحكم الشرعي للاحتفال بهذا اليوم، الذي لا يصح في الإسلام أن نسميه "عيدًا"؛ لأن أعيادنا معروفةٌ، ولأن تخصيص يوم للاحتفال بالأم لا يوفيها حقَّها من البر والطاعة والاحترام، ولا يكفيها أن يتذكرها الأبناء يومًا وينسوها بقية العام.
ويقول: الأم فضلها عظيم، وقدرها كبير، وقد أمرنا الله عز وجل ببرِّها والإحسان إليها في كتابه الكريم ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾ (لقمان) ولم ينسَ أيضًا فضل الأب، فكانت التوصية بطاعتهما والإحسان إليهما معًا، وقرن الحق تبارك وتعالى بين عبادته وبر الوالدين، فقال: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).
ويضيف: إن المشقة التي تتحمَّلها الأم، من حمل وولادة ورضاعة ومشاركة للأب في التربية والعطاء والإيثار، هو الذي جعل لها 3 حقوق مقابل حقٍّ واحدٍ للأب، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه من يسأله: "يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال أبوك".
لذلك فإن بر الوالدين وحسن صحبتهما والإحسان إليهما- خاصةً في الكبر- طاعةٌ وقربةٌ لله سبحانه وتعالى، يحرص عليها المسلم في كل لحظة من حياته.
نكرمك من أجلها
ويوضح: إن هذا اليوم أصبح مناسبةً اتخذها البعض وسيلةً لصلة والديه وبرهما، وإن كان فيه بعض النواحي الطيبة إلا أنه يحمل بمجيئه الكثير من الآلآم لأمهات يعانين من عقوق الأبناء ولسيدات لم ينجبْن ولأيتام فقدوا حنان الأم ورعاية الأب؛ ما يسبِّب لهم متاعبَ وضغوطًا نفسيةً كبيرةً.
ويرى أن اختصار البر في هذا اليوم في شكل مادي يتمثل في هدية قد تكون قليلة الثمن أو غالية- كلٌّ حسب طاقته- قد يكون عبئًا على الكثيرين، خاصةً أن الفئة العريضة في المجتمع من محدودي الدخل وتكفي حاجتها بالكاد.
ويؤكد أن البر والاحترام والإحسان على الوالدين، ولو بكلمة طيبة ونظرة حانية، يكون له أبلغ الأثر في قلوب الوالدين أكثر من هدية قد تأتي في يوم، ولا يستمر سوى النسيان والعقوق بقية الأيام، ويكفي أن الله عز وجل ينادي عندما تموت الأم: "ماتت التي كنا نكرمك من أجلها، فاعمل عملاً نكرمك من أجله".