البدوي عبد العظيم البدوي
المتابع لواقع وتاريخ الأحزاب والقوى الإصلاحية في عالمنا العربي والإسلامي؛ يجد أن هناك أحزابًا قد انتقلت من عالم الحياة إلى عالم النسيان، وأخرى تعرَّضت للانقسام والتفتيت، وثالثة تحيا ولديها أوراق ثبوتية ولافتات على مقرات، إلا أن أحدًا لا يكاد يعرف لها اسمًا، أو يرى لها رسمًا، ومن الحركات الإصلاحية من انقطع ذكرها بموت صاحبها، ومنها من لم يبقَ منها إلا كتابات لمؤسسيها أو رموزها التاريخيين.

فتجد الزعيم مصطفى كامل قد اهتمَّ بإعداد الأمة لكفاح طويل لنيل الاستقلال، معتمدًا على فكرة المدارس الليلية لتساعد في تعليم وتنوير الشعب وتحرير نفسه وتهذيب أخلاقه، وعلى هذا الأساس قام الحزب الوطني (الأول) على أسس ومرجعية إسلامية، وتجد حركات أخرى وإصلاحيين آخرين ممن اعتمد على تقوية الفكر وتصحيح العقيدة، مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وتجد الرافعي قد انشغل بالكتابة ليوعي الأمة بما لها من حقوق، ولكلٍّ فضله.
عبقرية البناء
وقد كانت جميعها محاولاتٍ محمودةً وصاحبةَ فضل، حتى جاء الإمام البنا رحمة الله بعد أن احترقت مهجته، بما كانت تعانية الأمة من تدهور، ودرس واستفاد من خبرات الذين سبقوه على درب الحرية مستأنسًا بخبرات وجهاد هؤلاء المخلصين الذين سبقوه على الطريق، فاختار أن يؤسس دعوةً وحركةً تحوي كل معاني الإسلام الصافي بشموله، وعمومه، مركزًا- على صغر سنه- على تربية وإرشاد من اختار الانضواء تحت لواء تلك الدعوة على معاني الإسلام الشامل، وفي إطار من الفهم لثوابت العقيدة، بعيدًا عن الخلافات التي لم يحسمها علماء الأمة على مدى تاريخها الطويل، فلا إفراط ولا تفريط، بل إسلام على المنهاج النبوي، وأطلق عليه في حينها "إسلام الإخوان المسلمين".
مصدر تلك العبقرية
ولعل العبقرية في البناء والتي تحدث عنها الأستاذ سيد قطب في كتاب بذات المعنى هي عبقرية ما يربط بين كل أفراد تلك الدعوة، أيًّا كان موقعه، وأيًّا كان مكانه، فجمعهم على رباط الحب والأخوَّة، كما جمعهم على رباط الفهم الواحد للثوابت الإسلامية التي لا يجوز أن يحيد عنها أيٌّ ممَّن اختار السير في طريق هذه الدعوة، فكان يركِّز على تصحيح الفهم، وروابط الحب، والعمل الدءوب المتواصل الذي لا يترك فرجةً للشيطان ليلج منها إلى نفوس أيٍّ من أبنائه، وهو ما عناه الأستاذ سيد قطب عندما تحدث عن الإمام البنا متسائلاً: "... هل كانت مصادفةً أن يكون هذا لقبه؟!!"، فكان مثل دعوته كمثل كلمة طيبة.. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾ (إبراهيم).
محاولات التفتيت
ولعل أية توفيق الله لهذا الرجل وربانية تلك الدعوة ظهرت جليةً في صمودها أمام كل ما لاقته دعوة الإخوان المسلمين من محاولات متتالية مستمرة للتفتيت تارةً، وللإبادة أخرى، وللإقصاء والتهميش ثالثةً، وإن كنا لسنا في معرض الإحصاء لتلك المحاولات إلا أنه من المفيد ذكر بعض منها أو أهمها، مثل:
1- قرار حل الجماعة إبان حرب فلسطين على إثر اغتيال النقراشي باشا.
2- ترحيل المجاهدين من الإخوان من فلسطين إلى السجون.
3- اغتيال الإمام البنا بعد أن تأكد عزمه السفر بنفسه للجهاد في فلسطين.
4- حملة الاعتقالات الشرسة التي شهدها الإخوان في سجون عبد الناصر تنفيذًا لتوصيات المذكرة التي أعدتها جهات أمنية، والتي تم إعلانها، ونشرها الإمام الراحل محمد الغزالي في كتابة المهم والقيّم (قذائف الحق).
5- إعدام قيادات، ورؤوس الإخوان الستة، وتعليقهم على أعواد المشانق.
6- مرورًا بمحنة التكفير في سجون ناصر، والتي تصدى لها الإخوان بحسم.
7- وانتهاء بالمحاكمات العسكرية الواحدة تلو الأخرى في محاولات شرسة لزرع الشقة بين الإخوان، والمؤسسة العسكرية، وأثناء للإخوان عن الاستمرار.
وأخيرًا المحاولات التي صاحبت الظاهرة الديمقراطية التي شهدتها مصر على يد الإخوان من اختيار مرشد جديد للجماعة، وإعادة انتخاب أعضاء مكتب الإرشاد، وما صاحب ذلك كله من محاولات زرع الشقاق بين أفراد، وقيادات الجماعة، وتصويرهم تارة بصور مشينة، ولا تليق بما بذلوه من سنوات عمرهم في الدعوة، وفي أخرى يوغرون صدور قيادات لها مكانتها ليس في الصف فقط بل في القلوب تجاه إخوانهم في محاولات مستميتة راهن فيها البعض على تفتيت الجماعة وانقسامها.
كل تلك الأحداث يمكن أن يتم فهمها والتعامل معها في إطار محاولات النظام تفتيت الإخوان المسلمين؛ بما لها من ثقل في المجتمع المصري، بعد أن عمد النظام إلى تفتيت كل مؤسسات الدولة القوية التي يمكنها أن تبعث الأمل في نفوس الشعب؛ بحيث لا يوجد لدى الشعب أمل في التغيير، ويبقى خيار بقاء الوضع على ما هو عليه هو الخيار الأوفر حظًّا، وإلا فالفوضى التي لا تؤمن عواقبها والتي لا يرغبها أو يسعى إليها أحد.
وإذا كان البعض يرى أن النظام لا يسعى إلى تفتيت الإخوان، ويرى أن في مصلحته بقاء رأس لهم لتستطيع أن تضبط إيقاع الجماعة، وتلجم حماس الشباب، وهذا الرأي له وجاهته، وله أيضًا ما يؤيده من سوابق تحياها الجماعة في الواقع، فإن الثابت أن عدم التحرك، والسكون، أو الركون إلى فترة من الوقت قد يرى معه البعض إمكان التحول من التفتيت إلى الإغراء بالإبادة خاصة.
وأخيرًا.. فإن الأهداف التي أعلنتها الجماعة لنفسها على لسان الأستاذ مهدي عاكف قبل انتهاء ولايته، ثم عاد وأكدها الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد الحالي للجماعة:
أولاً: الوقوف مع القضية الفلسطينية؛ باعتبارها قضية المسلمين المحورية.
ثانيًا: مواجهة الاستبداد، والحصول على الحرية التي يستحقها الشعب.
تلك الأهداف تنمُّ عن يقظة وحضور ووضوح رؤية لدى الجماعة كحركة إصلاح وطنية وإسلامية تهتم بالداخل، ولا تنعزل عن قضايا أمتها، وإذا كان كل ذلك يؤكد استمرار السجال والتدافع بين الإخوان والنظام؛ فإن المؤكد أن عناصر القوة لدى الجماعة- والتي أشرنا إليها بعبقرية البناء من ربانية، وحب وأخوَّة وفهم موحد للثوابت والمتغيرات لدى أفرادها- ستحافظ على وحدة ووجود الجماعة كما حافظًا على وحدتها طوال تاريخها.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
--------------------
مستشار قانوني- محكم تجارى دولي.