- أغلبية "الوطني" الزائفة دفعتنا إلى النائب العام
- تزوير الانتخابات يحمي المجرمين من المساءلة
- توافق سليمان ورجال الأعمال لا يعني براءتهم
- لا نتربَّص وليس لنا عداواتٌ شخصيةٌ مع أحد
- نحن مع الاستثمار.. لكنْ "أعطوا الشعب حقَّه"
- الإخوان يحملون على عاتقهم محاربة الفساد
حوار- خالد عفيفي:
البداية كانت في يونيو عام 2007م حين فجَّر النائب سعد الحسيني مفاجأةً من العيار الثقيل وقدَّم للبرلمان استجوابًا مدعمًا بالمستندات يُثبت تورُّط الدكتور محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق وعضو مجلس الشعب في قضية فساد عقارية هي الأكبر بمصر مع العديد من رجال الأعمال، أبرزهم هشام طلعت مصطفى عضو مجلس الشورى.
وبعد رفض الأغلبية الحاكمة استجواب الحسيني الذي قدَّمه أربع مرات، لجأ الأخير بالملف كله إلى النائب العام، حاملاً صور العقد "الكارثة"، كما يصف عقد بيع أراضي "مدينتي" بين وزارة الإسكان وهشام طلعت، والذي سبَّب خسارةً ماليةً للدولة تقدَّر بمليارات الجنيهات.
وحال إدلائه بشهادته أمس أمام نيابة الأموال العامة فجَّر النائب سعد الحسيني مفاجأةً أخرى، عندما أثبت أن سليمان عدَّل في اللائحة العقارية التي تحكم قرارات تخصيص أراضي الدولة؛ وذلك للتستُّر على جرائمه وارتكابها تحت مظلة القانون.
المشهد لم تغِب عنه أسئلة حول توقيت تقدُّم الحسيني بالبلاغ للنائب العام، وعلاقته بالتصعيد الحكومي المستمر ضد قيادات الإخوان؛ حتى إن الحسيني نفسه ما زال اسمه في مذكرة تحريات مباحث أمن الدولة التي تتهمه بـ"غسيل الأموال"، وهل البلاغ ردٌّ إخوانيٌّ على حملات الاعتقال؟ وأسئلة أخرى أجاب عنها النائب المهندس سعد الحسني عضو مكتب الإرشاد وعضو الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين، فإلى تفاصيل الحوار:
* بعد تقديم البلاغ وإدلائك بشهادتك أمام نيابة الأموال العامة، دار في أذهان الكثيرين: لماذا الآن بالذات؟!
** تقدمنا بالبلاغ بعد أن أعيتْنا حيل الأغلبية بمجلس الشعب، فلم نستطع على مدار 4 دورات برلمانية ابتداءً من 3 يونيو 2007م أن يحظى الاستجواب الذي تقدمنا به بالمناقشة، على الرغم من أنه يحوي معلومات خطيرة، ويشير إلى تجاوزات هائلة تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات.
ولكن للأسف مجلس الشعب الذي تُسيطر عليه الأغلبية أصبح يتعامل مع الاستجوابات بشكلٍ يؤدي في النهاية إلى عدم إحراج الحكومة.
والآن وقد آذن الفصل التشريعي التاسع على الانتهاء فكان الأمر الطبيعي أن أذهب إلى النائب العام؛ ليقوم بدوره معنا في حماية المال العام، وصيانة مقدرات المصريين.
* هل فقدت بذلك الأمل في أن يدرج مجلس الشعب الاستجواب للمناقشة؟
** طبعًا، ولكن ما عجل أيضًا للذهاب إلى النائب العام التغطية الإعلامية الضخمة لتحقيقات نيابة الأموال العامة العليا في القضية، إلا أن المكشوف عنه في وسائل الإعلام ضئيل جدًّا بالنسبة للتجاوزات التي تمَّت في مشروع "مدينتي" فقط.
وما تذكره الصحف من إعطاء الوزير السابق فلانًا فيلا هنا أو قطعة أرض هناك، تعتبر هذه "ملاليم" أمام مليارات تم نهبها والاستيلاء عليها أو تسهيل الاستيلاء من خلال ما حدث في مشاريع أخرى أهمها "مدينتي".
انتصار زائف!
![]() |
|
محمد إبراهيم سليمان |
** بالعكس نحن مَن بادرنا مبكرًا في 3 يونيو 2007م بإدانة سليمان وكشف فضائحه، وكنت أول مَن كشف ذلك، وطالبت بمحاسبة سليمان في المجلس.
ولكن ما رفضناه هو المطالبة بإسقاط عضويته حين كانت التهمة عدم حضوره لجلسات مناقشة كارثة الدويقة في سبتمبر 2008م، وعدم الحضور أمر طبيعي لعشرات من نواب الوطني وليس سليمان وحده.
لذلك رفضنا؛ لأننا نعرف أن الغرض من تلك الإدانة هو الترويج لعدم حضوره الجلسات والتغطية على جرائمه الكبرى التي كنا نطالب بالحساب الحقيقي عنها، وما زلنا نطالب بمحاسبته عليها، فالتناقض ليس في مواقفنا، ولكن في من يتجاهل جرائمه البشعة ويركز على شيء تافه.
مدينة الفساد
* يرجح مراقبون أن القضية تتجه إلى الحفظ، خاصةً بعد التوافق الحاصل بين أقوال إبراهيم سليمان والمستندات التي قدمها وما قدمه رجال الأعمال المتورطين في القضية؟
** شعرتُ بشيء من هذا القبيل، وكان هذا أيضًا من دواعي التعجيل بالتقدم بالبلاغ، وما زالت الأسئلة مطروحة، وطالبت النائب العام بأن يفتش في تلك الأوراق للإجابة عن التساؤلات المطروحة في البلاغ، وعلى الرغم من ذلك نحن نتمنى أن يقلب بلاغ مدينتي الطاولة على إبراهيم سليمان.
* لماذا تعول كثيرًا على هذا البلاغ؟
** أعتقد أن عقد مشروع مدينتي هو أبشع جريمة تمت على مدار الثلاثين عامًا الأخيرة،
كما أنني في السابق من واقع مسئوليتي البرلمانية طالبت بمحاسبة سليمان، وكشف الكيفية التي تم بها إعطاء 33 مليون متر مربع لرجل أعمال واحد، ولم يكن في يدنا العقد لفحصه،
حتى لو لم يكن لدينا عقد، فالقاصي والداني يدرك جيدًا أن هناك شركة اسمها مدينتي أسسها هشام طلعت مصطفى على أرض مساحتها 8 آلاف فدان، وكانت الأسئلة المنطقية: كيف تم ذلك؟!
* هل يتضح ذلك من خلال شروط حصول المواطن البسيط على قطعة أرض محدودة المساحة؟
** نعم؛ حيث يجب عليه ليحصل على أرض مساحتها 600 متر مربع أن يدفع 10% من قيمتها مقدمًا، ليدخل قرعة تخصيص الأرض، ولو وجد أن زوجته أو أحد أولاده القصر دخلوا القرعة فسوف يحذفون اسمه، وإذا وجدوا أنه حصل على شقة إسكان شباب أو قطعة أرض منذ 10 سنوات يتم استبعاده.
وإذا حالفه الحظ ونجح في القرعة يدفع 50%، وكانت آخر قرعة في أراض القاهرة الجديدة بسعر 2500 جنيه للمتر، وحصل مستثمر صغير على قطعة أرض في مدينة العبور بسعر 1500 جنيه للمتر.
وسط كل ذلك نجد فظاعة الأمر في مدينتي؛ حيث حصل شخص واحد على 33 مليون متر مربع دفعة واحدة دون مقدم ولا ضمان جدية ولا تأمين.
الفضيحة!!
م. الحسيني أثناء خروجه من النيابة ومعه د. أحمد أبو بركة
* وماذا قلت في النيابة العامة؟

** قلت لو أن هشام طلعت كتب العقد من طرف واحد لمصلحته فلن يصيغه بهذا الشكل الفج، وبكل هذا الكم من التجاوزات الرهيبة، ورغم ذلك التسيب الرهيب والتساهل المخل لم يتم تنفيذ وتطبيق بنود العقد!!.
وتكلمت منذ فترة وجيزة مع وزير الإسكان الحالي وقلت له: إن شخصًا ما حصل على قطعة أرض في القرعة ولم يسدد ويريد التسديد الآن، فرفض بشدة كون هذا الشخص حصل على قطعة الأرض من فترة طويلة وتركها حتى تضاعف سعرها بشكل كبير "سقعها"، وتذكر الآن أنه لم يسدد ثمنها.
* وهل ينطبق "التسقيع" على حالة مدينتي؟
** بل أشد وأخطر؛ نحن أمام 33 مليون متر مربع تم تسليمها دون دفع مليم واحد لمدة 30 سنة، وعندما يقوم طلعت بالبناء- يمكنه أن يسقع الأرض لأكثر من 20 سنة- ويعطي الحكومة 7% فقط من الوحدات التي بناها، وإذا رأى أن يبيع جزء من الأرض بمرافق أو بدون خلال هذه المدة تقدر الحكومة وقتها المباني (التي كان يمكن بناؤها) على هذه القطعة ويبنيها على جزء آخر منها!!، وهذا هو التسقيع بعينه، ولكن الطامة الكبرى ليست متوقفة عند هذا الحد.
الطامة
* وهل هناك أكثر؟
** نعم إنشاءات مجموعة طلعت مصطفى القابضة شملت الرحاب ومدينتي وغيرها من الشركات، وتم تقديرها بأسهم وطرحها في البورصة، فبيعت جميعها بعشرات أضعاف أثمانها الحقيقية، وجمع هذه الأموال بضربة واحدة، وأصبح نجاح كيان "مدينتي" من عدمه أمرًا غير مهم بالنسبة له بعد حصوله على مليارات من بيع أسهم شركته القابضة في البورصة.
إنني لا أتحدث عن مخالفات تبلغ ملايين الجنيهات، بل مخالفات تبلغ عشرات المليارات المليار الواحدة منها: يعدل مُرتبًا لعشرة آلاف طبيب (لمدة 40 سنة) من حديثي التخرج، قضى كلٌّ منهم 30 سنة من حياته في المذاكرة والتفوق، أو يعدل ما يبني عشرين ألف شقة يسكنها الشباب المصري الفقير؛ الذي لا يستطيع توفيرها إلا على حدود 35 من عمره.
كما يعدل معاش الضمان الاجتماعي لعشرة آلاف أسرة فقيرة (لمدة 80 سنةً)، أو ما يبني أربعمائة مدرسة صغيرة، ويعدل ما يبني ثلاثمائة مستشفى صغير.
صاحب مدينتي حصل على ملايين الأفدنة بأبخس الأثمان لبناء مساكن فاخرة
* وكيف حدثت تلك الكارثة؟!

** أربط هذا بسؤال دائم ومتكرر للناس، وهو لماذا يزوِّر الحزب الوطني انتخابات مجلس الشعب؟! حتى يتوارى كل مجرم بجريمته ولا يستطيع أحد مساءلته، ولا يأتي مثل نواب الإخوان وغيرهم من الشرفاء الذين يلاحقون المفسدين ويقلقون مضاجعهم.
* وكيف تفسرون توافق أقوال سليمان ورجال الأعمال في التحقيقات؟
** الاتفاق أمر طبيعي في تلك الجريمة، واتفاقه معهم ليس دليلاً على البراءة، والاتفاق خلافًا للقانون لا يعفي أصحابه، فنحن لدينا أركانًا متكاملةً لجريمة الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام.
* اعتبر البعض تقديمك لهذا البلاغ بدافع مشكلات بينك وبين ووزير الإسكان السابق، وهل لو كان سليمان في السلطة كنت ستتقدم بالبلاغ؟
** لا يوجد لي عداءاتٌ شخصيةٌ أو تربُّصٌ من جانبنا ضد أي أحد في القضية؛ لأن هذا اتجاهنا ضد وقائع الفساد، وبالنسبة لموقع سليمان في السلطة من عدمه فإن الاستجواب بالأساس كان موجهًا لرئيس مجلس الوزراء وليس سليمان فقط.
وإذا كان طلعت مصطفى الآن في ورطة فأنا تقدمت بالاستجواب قبل وقوعه في هذا المأزق بعامين كاملين، ولم نستغل الظروف القاسية التي يمر بها، ولم نكن نصطاد في الماء العكر، وقلت في الاستجواب: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولكن الأمر يتعلق بمخالفة القانون ووجوب معاقبة من يُقدم على ذلك أيًّا كان.
ولا ننسى هنا التوجيه النبوي الشريف الذي تسببت مخالفته فيما نحن فيه الآن: "إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد".
"شو" إعلامي
* اتهمك البعض بمحاولة الحصول على "شو إعلامي" من خلال تلك القضية؟
** لسنا مَن يسعى وراء هذه الترَّهات، ولا يمكن أن نداري هذه الجريمة لتجنب شكوك لا أصل لها، ونحن نعمل لله عزَّ وجلَّ في الأساس ونبتغي مرضاته، واجبنا نحو أنفسنا أن نهتم بالشأن العام للأمة، ونصلح من أحوالها قدر استطاعتنا، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، نقول للظالم: يا ظالم، ونقول كلمة العدل عند سلطان جائر، نلاحق المفسدين، ونرعى مصالح الأمة طبقًا لما أقسمنا عليه في المجلس، وهذا واجبنا الشرعي والوطني والدستوري، فإذا لم نفعل فقد أغضبنا الله ورسوله وخنَّا الأمانة.
ضد الحكومة
* هل هذه الخطوة بمثابة ردٍّ من الإخوان على النظام أم كشف للفساد؟
نواب الإخوان كشفوا العديد من وقائع الفساد
** دورنا ككتلة برلمانية للإخوان المسلمين للرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وهذا دورٌ دستوريٌّ وشرعيٌّ وقانونيٌّ، ودورنا دورٌ أصيلٌ، عاهدنا الله عليه عندما أقسمنا أن نرعى مصالح الشعب ونحترم الدستور والقانون.

ومن أهمِّ صور رعاية مصالح الشعب أن نطارد الفساد والمفسدين الذين استحلوا المليارات من أموال الشعب المصري تسترًا خلف مناصبهم السياسية والبرلمانية.
* هل مرتبط بحملات النظام ضد الإخوان والاعتقالات الواسعة مؤخرًا؟
** استجواباتي قدَّمتها منذ 3 سنوات، وأعدت تقديمها لأربع مرات متتالية، وهذا دوري أمارسه بصرف النظر عن ضغوط الحكومة من عدمها.
* هل من حسابات يضعها الإخوان لردة فعل النظام ضد سعد الحسيني أو الكتلة البرلمانية أو حتى الإخوان ككل؟
** نحن نستعين بالله عزَّ وجلَّ، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، نحن نعمل الواجب، ونرعى مصالح الشعب، كما أن ردود أفعال النظام لن تتوقف على هذا البلاغ من عدمه؛ لأن الإخوان وكتلتهم البرلمانية حجر عثرة ضد الفساد والاستبداد، وهو السبب الرئيسي لحنق النظام عليهم، وتلفيق القضايا ضد قياداتهم من الشرفاء والأبرياء.
* قيل في بعض وسائل الإعلام: إنك ضد التطور العقاري بمشروع مدينتي.
** أنا سعيد جدًّا بالمطورين وخوض غمار الصحراء وتشغيل مئات الآلاف من العاطلين، ولكن هل يباح لمن يطلق عليه مطور عقاري أن ينهب مليارات الشعب المطحون باستغلال نفوذه السياسي، وإذا كان مطورًا عقاريًّا، فلماذا لم نطرح الأمر على أكثر من مطور عقاري لعله يعطي الدولة نسبة أكبر من الـ7% من الوحدات ودفعة مقدمة.
* حوار سليمان في الأهرام والمساندة الحكومية له في القضية، هل سيكون لذلك تأثير في سيرها؟
** هذا أمرٌ واردٌ وغيرُ مستبعد، ولكننا سنظل نطارد المفسدين، ولن نتراجع أو نساوم على مبادئنا.. نحن في معركة ليست لها علاقة بكرسي تحت قبة البرلمان أو غيره.
* ما توقعاتك لسير القضية؟
** أن تنتهي بمعاقبة من تثبت مخالفته للقانون، وبالمناسبة نحن لا نريد فسخًا للعقود أو سجن رجال الأعمال، وإنما استرجاع حق الشعب من تطبيق ما جاء في العقود أولاً ثم تعديل بنودها لصالح الشعب، ويظل كما هو ولكن لا يبيع الأرض.
فمن وضع يده على أرض ولم يستثمرها أو يبني عليها تُسحب منه ثم محاسبة المسئولين
وفي مقدمتهم سليمان ورجاله والكشف عن ثرواتهم.
* كيف تقيِّم أداء الإعلام في تلك القضية؟
** الإعلام أصبح يؤدي دورًا أكبر من الأدوات الرقابية بالبرلمان، ونحن نناشد الإعلام الشريف النزيه غير الموجه أن يشارك معنا في مطاردة الفساد وفضح المفسدين، وفي رعاية مصالح الشعب، والحفاظ على مقدَّراته.
