تتمايز الأمم عزةً وهوانًا، وقوةً وضعفًا، بحسب ما لديها من ثقة بنفسها واستعلاء بمنهجها، ويقين مكين بربها وخالقها.
وهذا التمايز الذي أودعه الله ضمائر الأمم، هو الذي يحفزها إلى المنافسة، والمدافعة، والرغبة القوية في السبق على الآخرين، وهو ما عناه الخالق الحكيم بقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ (251)﴾ (البقرة).
ولقد شاءت إرادة الله سبحانه أن يوزع أسباب التمايز ومقومات العيش بين الأمم، فذهبت كل أمة بمزية انفردت بها، لا يشاركها فيها أمة أخرى؛ حتى تستشعر كل أمة حاجتها إلى أختها، فيقع بين الأمم حالة من التعاون، والتآلف تثمر تعاملاً تسعد به البشرية، وتستمر الحياة، وهو ما نفهمه من قول ربنا سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات).
لكن المؤسف، والمؤلم هو غياب مفهوم التعارف عن حياة بعض الأمم، واستبدالها به أسلوب التصادم والتقاتل وإفناء الآخرين؛ رغبة في الغلب والإذلال واستلاب ما لدى الغير عنوةً وقهرًا.
وهذا الخلل الذي أصاب هؤلاء استتبعه انحراف في أسلوب العيش، ومنهج الحياة، فقدمت القوة المادية على غيرها لما تحققه تلك القوة من ضمان الاستعلاء، واستمرار القهر، وتحقيق شهوة الانفراد بزمام الأرض ولو كره الآخرون، وكان لا بد للآخر المستهدف أن يحتاط لنفسه حتى لا يكون هدفًا للإهلاك والإفناء، ويرتبط مصيره بلحظة غضب، يتبعها قرار طائش، وبضغطة رقيقة صغيرة على زر صغير تنطلق قنبلة نووية لتبيد عن وجه الأرض في لحظات ملايين الأرواح ممن لا يعرفون بأي ذنب قُتلوا، ولا بأية جريمة حُصدوا إلا ما ابتلى الله به البشرية من هذا الجنون الأسود الذي يمارسه الغرب الجاهل في همجية وشراسة تفوق شراسة أشد الوحوش دمويةً وفتكًا.
ومن المؤسف والمؤلم أيضًا أن الغرب يمارس هذا المنهج الحياتي، وهو مقتنع أنه الضمان الوحيد الذي يمكنه من تحصيل لذة الاستعلاء والقهر وضمان السعادة والرفاهية لشعبه ومواطنيه، بل إن هذه القناعة تصل لدى الشعب الأمريكي إلى درجة تجعله يبدي دهشته وعجبه إذا رأى المظاهرات تملأ الدنيا غضبًا، وسخطًا لأسلوب التدمير، والتخريب ومحاولات التركيع، والتجويع، ويشعرون بالحيرة إذا رأوا العلم الأمريكي يُحرق والرمز الأمريكي يُمزق ويُداس؛ لأن الآلة الإعلامية الخطيرة استطاعت أن تقنعهم بمشروعية هذا السلوك الدموي الخطير، وأشعرتهم أنهم مستهدفون من غيرهم، وخاصة المسلمين؛ وأقنعهم كبار شياطينهم من صنائع اليهود، أن القضاء على الإسلام أو الإرهاب كما يسمونه هو الضمان الوحيد لعدم وصوله إلى الرجل الأمريكي في بيته، ومكتبه، ومصنعه.
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم أمام ابتلاء لا مفر لهم منه، وأمام تحديات لا قِبل لهم بها، ولم يعد أمامهم إلا أن يتقبلوا هذا البلاء بما يعينهم على تحمله مستسلمين في ذلك لقدر الله ومشيئته، واثقين كل الثقة من قول ربهم سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 36)، وموقنين تمام اليقين أن الخير كل الخير فيما اختاره الله وقدره، وأن الله تبارك وتعالى لا يبتلي أمة الإسلام بغضًا لها، أو نقمةً عليها، وإنما يبتلي ليميز الخبيث من الطيب.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ (141)﴾ (آل عمران).
إنها عملية تنقية للصف المؤمن من شوائب النفاق، والشرك وعبادة الأهواء، والشهوات والركون إلى اللذات؛ وهي عملية ضرورية في حياة كل أمة مستهدفة بالإبادة من أعدائها، كما نرى في هذا الزمان، لا سيما وقد طغى على الأمة تيار الإباحية والجهل، والبعد عن منابع الدين، ومكارم الأخلاق، وبعد أن أفرخت في بلاد المسلمين أفكار الغرب وثقافاته، فأسقطت خلافتهم، وضيعت شريعتهم، وعطلت حدودهم وأفسدت تعليمهم وإعلامهم وزرعت في حياتهم رؤوسًا شبت على يد شياطين الغرب فانقلبوا إلى أهلهم مفتونين بفكر الإلحاد والشهوات، فكان ضروريًّا أن يمحص الصف المؤمن حتى يتهيأ لما بعد التمحيص وهو محق الكافرين. وحتى يكون أهلاً لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم).
إن مرور أكثر من مائتي عام من المكائد، والمؤامرات، ووضع الخطط وإجراء الدراسات لكي يصل الغرب الحاقد إلى الحيلولة بين الأمة ودينها، وتفريغ صدور الناشئة والرجال من آيات ربها، وتعطيل أثر القرآن في حياتها، إن ذلك كله قد أنتج واقعًا شائنًا ممسوخًا لا ينتسب إلى الإسلام، ولا ينتسب الإسلام إليه، فاحتاجت الأمة إلى أن تمحص بنيران الفتن القاسية: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال: من الآية 42).
وكان من فضل الله عليها أن يتولى بنفسه تدبير الأقدار لتوقظ الأمة من رقدتها، ولتنهضها من عثرتها، وتعود بها من جديد خير أمة أخرجت للناس.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)﴾ (محمد).
إن ما يجريه الله تبارك وتعالى على أمتنا من محن، وما ينزله بها من ضربات موجعات، كالذي نراه اليوم في العراق وفي فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي لبنان، وفي السودان، وما يدبر لسوريا، وما يخطط لإيران، إن ذلك كله دليل على أن الله تبارك وتعالى لم يدع هذه الأمة، وإنما يتولاها بالشدائد ليحييها، وبالمحن ليقويها، ولينفي عنها خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد.
ولقد مرَّ بالأمة من قبل ضربات وضربات، وتعرضت لمحن وابتلاءات، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ (آل عمران: من الآية 146).
لأن الضربات التي أصابتها، والمكائد التي واجهتها، كانت تردها دائمًا إلى معينها الصافي، ومنهجها القويم، فما تلبث الأمة حتى تعود إلى عقلها، وتثوب إلى رشدها، وتستدرك الفارط من أمرها، فترجع من جديد خير أمة أخرجت للناس، فهل تدرك الأمة اليوم أن خروجها من محنتها، ونهوضها من عثرتها مرهون بمدى ثقتها في دينها، وعودتها إلى ربها، وقيامها بحقوقه كلها عليها، والتزامها منهجه عقيدةًَ، وشريعةً، ونظامًا للحياة.
إن عودة الأمة إلى دينها عقيدة وعبادة ونظام حياة، لم يعد فريضة شرعية فحسب، وإنما أضحى ضرورة بشرية لا تقوم بدونه الحياة، إنه هويتنا التي تحفظ كياننا فلا يهدم، وتحفظ وجودنا فلا يضيع.
ولقد جربت الأمة على مدى قرن من الزمان جميع الحلول الأرضية والمناهج البشرية ما بين مادية غربية وإلحادية شرقية، وتقاذفتها الأهواء ما بين رأسمالية واشتراكية؛ فما زادها ذلك كله إلا ضياعًا وشقاءً وهوانًا على الله وعلى الناس.
إن أخطر عدو يكيد لأمتنا اليوم، هو من يسعى لتغييب عقيدتها وتعطيل شريعتها ومحو هويتها، وتركها ضائعة بين الأمم لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا.
وأريد أن أطمئن الصفوة المؤمنة التي استشعرت مسئوليتها عن دين الله، فقامت تفديه بالنفس والنفيس، وتبذلك دونه الأموال والأرواح، إلى حقيقة ضمن الله قيامها وثباتها وخلودها في العالمين، وهي أن الله ناصر جنده، ومتم نوره ولو كره الكافرون.
ويوم حاول الاستعمار الفرنسي محو هوية الجزائر المسلمة كان سبيله إلى ذلك قتل الفضيلة وإشاعة الرذيلة، والحيلولة بين قلوب الأمة، وكتاب الله، وعندما خاب سعيهم في تشويه كتاب الله، أو تحريفه رأوا أن يقطعوا الطريق بين الناس وبينه، فعطلوا اللغة العربية واستبدلوا بها اللغة الفرنسية، فكان أعظم عمل حفظ الله به الأمة ما قام به الإمام الجليل عبد الحميد بن باديس فتح الكتاتيب، وتعليم ناشئة الأمة كتاب الله.
وهذا ما وعاه المخلصون الصادقون من رجال هذه الأمة أمثال محب الدين الخطيب، ورشيد رضا، وشكيب أرسلان، وحسن البنا.
يقول محب الدين الخطيب:
"إنما أوتينا من المدرسة والصحافة فهما اللتان كونتا رجالنا ومجاهدينا، ولن نتقي شر الانحلال ما لم تكن مدارسنا وصحفنا مؤسسة على مفهوم الإسلام ودعائم من الوفاء لتاريخ الإسلام" (1).
ويقول شكيب أرسلان فاضحًا النوايا الخبيثة التي تتربص بالأمة الدوائر، وتسعى إلى إسقاطها في شباك الغرب الصليبي:
"لقد أضاع الإسلام جاحد وجامد، أما الجاحد فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين، وسائر الشرقيين، ويخرجهم عن جميع مقوماتهم، ومشخصاتهم، ويحملهم على إنار ماضيهم، ويجعلهم أشبه بالجزء الكيماوي الذي يدخل في تركيب جسم آخر كان بعيدًا فيذوب فيه ويفقد هويته، وهذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه، واعترافه بأن آباءه كانوا سافلين، وأنه يريد أن يبرأ منهم، لا يصدر إلا عن الفسل الخسيس الوضيع النفس أو من الذي يشعر أنه في وسط قومه دنيء الأصل، فيسعى في إنكار أصل أمته بأسرها؛ لأنه يعلن نفسه منها بمكان خسيس ليس له نصيب من تلك الأصالة، وهو مخالف لسنن الكون الطبيعية، التي جعلت في كل أمة ميلاً طبيعيًّا للاحتفاظ بمقوماتها ومشخصاتها من لغة وعقيدة وعادة وطعام وشراب وسكنى، وغير ذلك إلا ما ثبت ضرره" (2).
إن الأمة التي تملك اليقين في النصر والثقة بالنفس، والاستعلاء بالمنهج والاستناد الواثق إلى ركن الله، أمة لا بد أن تنتصر، مهما علا شأن عدوها، ومهما امتلك من بأس الحديد والنار.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).
-----------
(1،2) صفحات مضيئة- أنور الجندي- دار الاعتصام ص 458.
-----------
* دكتوراه في علم اللغة- كلية دار العلوم- جامعة القاهرة