- الشيخ عبد الله الخطيب: مفاسد الشبكة العنكبوتية تهدد البيوت الآمنة

- د. رمضان درويش: إشباع الرغبات في عالم افتراضي مرض نفسي

- ميرفت محمد: التواصل والصداقة بين الزوجين خطوة نحو السعادة

- نادية رجب: تحديد وقت للإنترنت حتى لا يصل إلى مرحلة الإدمان

 

تحقيق- هدى سيد:

إنذارات كثيرة يطلقها خبراء علم النفس والاجتماع عن مخاطر الاستخدام السيئ للإنترنت على الفرد والمجتمع، إلا أن الكوارث المتوالية على الأسرة مؤخرًا من جرَّاء إدمان الشبكة العنكبوتية، دفعت الخبراء لإطلاق صرخة استغاثة لإدراك ما يمكن إنقاذه تحت شعار: "الأسرة في خطر".

 

في أمريكا مبتدعة هذا الاختراع ظاهرة جديدة تسمى (أرامل الإنترنت)؛ حيث وصلت نسبة النساء اللاتي يشتكين من إدمان أزواجهن الإنترنت ويطلبن الطلاق إلى 53%.

 

وفي مصر؛ أعلن جهاز التعبئة العامة والإحصاء خلال عامين 2006- 2007م أن 45 ألف حالة طلاق سببها إدمان الأزواج الإنترنت؛ وذلك من مجموع حالات الطلاق التي بلغت 75 ألف حالة.

 

وتوضح النسبة أن 68% من حالات إدمان الإنترنت المسببة للطلاق كانت لإنشاء تعارف وصداقة بين الزوج ونساء أخريات، ووصلت العلاقات في 56% منها إلى حدِّ الخيانة الزوجية عن طريق الدخول إلى المواقع الإباحية أو غرف الشات والمنتديات الجنسية.

 

ورصدت دراسة سعودية أن نسبة الطلاق بسبب الإنترنت بلغت 65% بين أزواج تتراوح أعمارهم بين 29 و30 عامًا، ولم يمر على زواجهم عدة سنوات، وكانت دوافع دخولهم هذا العالم هي: 46% ضعف الوازع الديني، 20% الملل الزوجي، 16% غياب أحد الزوجين خارج المنزل، 10% حب الاستطلاع والرغبة في التغيير، 6% صعوبة التفاهم، 3% فتور العلاقة العاطفية والحميمية بينهما.

 

ومن وقائع محكمة الأسرة في مصر قيام زوجة بخلع زوجها بعد 15 عامًا من الزواج بعد اكتشافها دخوله إلى مواقع منحرفة وقيامه بنشر صور فاضحة لجذب الفتيات.

 

وفي دراسةٍ أجرتها مجلة أمريكية متخصصة أكدت أن المجتمع البشري سيعيش حالةً من الفوضى خلال السنوات المقبلة نتيجة طغيان تكنولوجيا المعلومات على الحياة البشرية قبل أن يتوصل الإنسان إلى توازن معيشي جديد معها وتوظيفها مع متطلباته المعيشية والاجتماعية بشكلٍ سليم.

 

سارق السعادة

تصف "سمية. ع" الإنترنت بأنه سارق السعادة بعد أن حوَّل الحياةَ بينها وبين زوجها إلى خلافٍ دائم وهجرٍ وخصام لا ينقطع بسبب انشغاله المستمر أمامه وإهماله البيت والأبناء، فبمجرد دخوله المنزل يجلس أمامه لإنهاء باقي العمل، ثم الدخول إلى المواقع التي لا نهايةَ لها، وهكذا حتى يستغرق في النوم.

 

أما "نهى. ك" فتقول: لقد وصل الأمر بيننا إلى طريقٍ مسدودٍ بسبب إدمان زوجي الجلوس أمام الإنترنت، وقد بدأت معاملته لي تتغير، خاصةً بعدما تعرَّف على أصحاب السوء الذين جروه معهم إلى طريق الفساد والمواقع اللاأخلاقية، وأنا الآن في بيت أهلي حتى يتم الطلاق.

 

وتعاني "هالة. خ" من الصمت الرهيب الذي خيَّم على حياتها الزوجية بعد أن كانت لا تستطيع أن توقف زوجها عن الكلام أثناء الخطبة، وتأسف إلى ما وصل إليه الحال الآن بسبب تواجد زوجها المستمر أمام الإنترنت الذي بات كما يقول هوايته المفضلة، وأصبحت لغة الإشارة هي طريقة التعامل بينهما.

 

عالم افتراضي

يوضح د. رمضان درويش أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر أن الإنترنت يعدُّ سلاحًا ذا حدين؛ يفيد المرء في عمله وتخصصه ويُوسِّع مداركه ويُنجز مهامه بسرعةٍ ودقة، ولكن حال استخدامه لأغراض سيئة سيؤدي إلى نتائج خطيرة مثل التي نراها في المجتمع من تفكك الأسر وتصدع العلاقات.

 الصورة غير متاحة

 

ويقول: إن انغماس الشخص في الجلوس أمام الإنترنت لا يعدُّ من قبيل الصحة النفسية في شيء، فالمرء السليم نفسيًّا وعقليًّا هو الذي يستطيع أن يوازن بين متطلباته المتعددة بحيث لا يطغى جانبٌ على آخر، وبذلك يتكيف مع الحياة بشكلٍ سليم، ولا يجعل رغباته تتحكم فيه كما تشاء، ولا تتحول الوسيلة إلى غاية في حدِّ ذاتها.

 

ويضيف: أن الحياة الزوجية في بدايتها تجذب كلا الطرفين إلى عالم جميل من الأحلام الوردية والآمال التي لا تنتهي، ولكن مع مرور الأيام والشهور والسنوات يقل الحنين وتتزايد المسئوليات وتتراكم الواجبات وتقل الأوقات التي يقضيها الزوجين معًا دون مشكلات، ومع ميل الإنسان الفطري للتغيير وملله من الروتين وزهده الفسيولوجي فيما يمتلكه، قد يبحث عن طاقات أخرى حتى يكسر الممل والروتين، إلا أن ترك الزوج زوجته ليشبع رغباته في عالم افتراضي وخيالي دليل واضح على مرض نفسي يضعف مناعته تجاه هذه الموبقات.

 

ويتابع: وقد يبرر الأزواج ذلك بسبب عدم التوافق بينهما وكثرة المشاكل والخلافات والفتور المادي والعاطفي، ومن ثَمَّ يلجأ بعض الأزواج إلى الدخول على مواقع إباحية متوهمًا أنه سيجد فيها من المتعة والسعادة ما افتقده مع زوجته، وكذلك قد تفعل بعض الزوجات، وهذا يعدُّ أسهل الطرق للهروب والانعزال عن الواقع، والذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الزوجين، والتي دائمًا ما تكون نهايتها مدمرة نفسيًّا وأسريًّا واجتماعيًّا.

 

ويؤكد أن الذي ينغمس في هذه الأفعال المشينة يعلم أنه على خطأ لذلك تصاحبه دومًا أعراض نفسية وجسمانية كتأنيب الضمير والإحساس بالذنب واحتقار الذات وعدم القدرة على مواجهة الآخرين والعجز عن توجيه النصح لغيره، خاصةً إذا كان في موضع القدوة أو المربي والصداع المستمر وآلام الجسد والتوتر والقلق.

 

أوهن البيوت

ويلفت إلى أن الوقاية دائمًا خيرٌ من العلاج، والبعد عن مصادر الخطر والفساد أهون من علاج آثارها السيئة، فالوازع الديني لدى الفرد هو الحصن الأول الذي يقيه شر هذه المفاسد والتمسك بتعاليم الدين وأحكامه هو القاعدة الصلبة التي تبني عليها الأسرة تماسكها وأمنها.

 

ويشدد د. درويش على أهمية إعادة التواصل بين الزوجين والاهتمام المتبادل وقيام كل فردٍ بدوره كما ينبغي، وإظهار المودة والمحبة ووجود الثقة المتبادلة بين الزوجين وتحقيق الإشباع المادي والعاطفي والعقلي والوجداني داخل الإطار الشرعي للأسرة حتى لا يلجأ أحدهما إلى طرق أخرى لإشباعه.

 

ويختم حديثه قائلاً: وإذا كنا نطلق على الإنترنت الشبكة العنكبوتية لما تقوم عليه من تداخل وتشابك وإحكام في التصميم فإننا نعلم أيضًا أن أوهن البيوت هو بيت العنكبوت، فمن السهل تمزيقه والنجاة من سمومه وآثامه إذا احتاط المرء لذلك جيدًا وانصرف عن الوقوع في شباكه السامة.

 

ذكاء الزوجة

وتوضح الخبيرة الاجتماعية ميرفت محمد أن الحياة الزوجية تمرُّ بكثيرٍ من المتغيرات التي قد تباعد بين الزوجين وتجعل لكلٍّ منهما عالم قد ينشغل به عن التفاعل الاجتماعي بين باقي أفراد الأسرة وتساهم وسائل الاتصال الحديثة في هذا؛ حيث يجد الكثير من الأزواج فيها بديلاً عن انشغال الزوجة أو هروبًا من ضغوط العمل ومشاكل البيت والأبناء.

 

وتضيف: إن انشغال بعض الزوجات عن أزواجهن يؤدي إلى شعوره بالفراغ العاطفي والذهني والنفسي، وقد يبرر لنفسه تأثره بالعديد من الفتن والمغريات التي يراها، ويسمع عنها كل يوم سواء في الشارع أو العمل أو التلفاز أو حتى على الإنترنت، والتي قد يبحث عنها بنفسه في بعض الأحيان.

 

وتشير إلى أن الأعباء المادية المتزايدة على عاتق الزوج وطلبات الأسرة ومشاكلها قد تفقد يفقد الزوج الاهتمام الذي كان يجده من زوجته في بداية حياتهما، ومع الملل والروتين اليومي قد يجد ضالته في الدخول إلى عالم واسع ومثير وجذاب على الإنترنت سواء عن طريق مواقع عادية أو التطرق إلى مواقع لاأخلاقية والتدرج في علاقات مشينة، خاصةً إذا كان يقضي أوقاتًا طويلةً في العمل بمفرده وليست لديه الجدية والطموح الكافي أو حتى الوازع الديني الذي يمنعه عن هذه التصرفات.

 

وتوضح المستشارة الاجتماعية أن العبء الأكبر على الزوجة هو عملية التوازن بين متطلبات المنزل والأبناء وبين الاهتمام الخاص بزوجها حتى تُشعره بالراحة والسكينة، ولا تُحمِّله مزيدًا من الهموم، وعليها دومًا أن تملأ عقله وكيانه وتشاركه اهتماماته، وتُلبي احتياجاته، ولا تنشغل عنه حتى لا يدخل في دوامة الفراغ فيبحث عن أي وسيلةٍ ليملأه.

 

وتتابع: وعليها ألا تغفل قيمة الصداقة بينهما وإعادة التواصل دائمًا، وليس إشباع النواحي المادية فقط؛ ولذلك لم نكن نسمع من الأمهات والجدات مشاكل مثل التي تعيشها الأسرة الآن، فالزوجة كانت من الذكاء بحيث تعرف طلبات زوجها وتلبيها له في وُدٍّ وسعادة.

 

وتؤكد أن الزوجة هي سكن زوجها ومنبع المودة والرحمة بكل ما تعنيه الكلمة، وهي الراحة والحنان والاحتواء، وعلى الزوجة أن تعرف مفاتيح شخصية زوجها، وما الذي يُسعده حتى تفعله، وما الذي يضايقه حتى تتجنبه وعليها أن تبتكر الوسائل الجذابة التي تسعد زوجها وأبنائها حتى تعيد التواصل بين جميع أفراد الأسرة ويشعر الجميع بالحب والسعادة.

 

خطوات الشيطان

 الصورة غير متاحة

 فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب

ويشير الشيخ محمد عبد الله الخطيب عضو مكتب الإرشاد السابق لجماعة الإخوان المسلمين إلى تنامي الشكاوى بعد دخول الإنترنت إلى البيوت وتأثيره الضار على العلاقات داخل الأسرة بانشغال الزوج عن زوجته وأبنائه؛ ما يدل على افتقاد المسئولية قبل انتهاك الحرمات.

 

ويوضح أن أعداء الإسلام استغلوا هذه النتيجة المؤسفة التي وصلت إليها البيوت بعد تغلغل شبكة العنكبوت فنشطوا لنشر المزيد من المفاسد والشرور؛ لإحكام الحصار حول فرائسهم من الرجال والنساء وعزلهم في عالم الإنترنت عن أسرتهم، فلا يراعوا مصالحهم ولا يتعهد أحد الأبناء بالرعاية والعناية والتأديب.

 

ويصف الواقعين في براثن الإنترنت بأنهم لا خلاقَ لهم ولا مروءة، ولا دين ولا احترام للآخرين؛ حيث أن الزوج والأولاد المساكين يكونوا هم الضحايا لتخلي أي من الأزواج عن مهمته في الحياة وانطلاقه وراء غرائزه وتعلق قلبه بالفتن واتباعه خطوات الشيطان التي حذرنا منها الخالق عز وجل؛ حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)﴾ (النور).

 

ويأسف الشيخ الخطيب على حال البيوت مع كثرة ما يرد عليه من أسئلة حول هذا الموضوع من نساء فضليات يشتكين بمرارة من تغير أحوال أزوجهن وانصرافهم عن الأبناء في مراحل مهمة وخطيرة من حياتهم وافتقادهم كقدوة حسنة داخل البيت، مؤكدًا أن الزوج يخطأ كثيرًا إذا ظنَّ أن دوره في الأسرة مادي فقط؛ لأن الله سيحاسبه يوم القيامة على كل ما يخص رعيته من زوجة وأولاد.

 

ويؤكد أن النجاة من هذه الكارثة وعلاج هذا الضياع يكمن في محاربة هذه البؤر التي تنشر الفساد وعدم استخدام أي شيء حديث فيما يغضب الله جل وعلا حتى تأمن البيوت من شرورها.

 

ويطالب الشيخ الخطيب بعودة الناس إلى الدين واستشعار الخوف والحياء من الله سبحانه وتعالى الذي يراهم ويسمعهم حتى إذا خلا كل واحدٍ منهم بنفسه، وكما قال صلى الله عليه وسلم "الحياء كله خير".

 

وقال أيضًا: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وعلى كل منا أن يجدد إيمانه دائمًا ويدعو الله عز وجل أن يجنبه الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، فالمرء في وقتِ الفتنة إما يصمد وإما يتذبذب وإما ينساق إليها طائعًا، وكلٌّ حسب درجة إيمانه وتحصين قلبه بالطاعات والعبادات واللجوء إلى خالق الأرض والسماوات.

 

ويدعو المسلم إلى النجاة بنفسه بعيدًا عن هذه الفتن، ويُحصِّن بيته منها بالتمسك بتعاليم الدين والقيام بواجباته نحو مَن يعولهم وعدم تضييع الحقوق، وكما صدق رسولنا الكريم على قول سلمان الفارسي: "إنَّ لربك عليك حقًّا، وإنَّ لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه".

 

انفصال اجتماعي

وتوضح نادية رجب أستاذة الإرشاد الأسري بمركز معوقات الطفولة بجامعة الأزهر أن وجود الإنترنت في البيت قد يؤثر على الحياة الزوجية إذا اهتمَّ به الزوج بشكلٍ زائد عن الحد، وأصبح شغله الشاغل، وانتقل من درجةِ التعامل العادي معه إلى مرحلة الإدمان التي لا يستطيع فيها أن يستغنى عنه وينسى نفسه أمامه بالساعات.

 

وتقول: "ولا عجب إذا سمعنا مؤخرًا عن الشاب الذي توفي أمام الإنترنت، وإذا وصل المرء إلي مرحلة التلاحم هذه مع الإنترنت فإنه من ثَمَّ ينفصل تدريجيًّا عن عالمه الاجتماعي وعلاقاته الإنسانية الطبيعية مع مَن حوله ويدخل في عالمٍ غير حقيقي ليكون فيه علاقات ناقصة ومشوهة وغير طبيعية مع أشخاصٍ لا يراهم أو يسمعهم، ومن ثّمَّ يفتقد الشكل السليم والصحي للاتصال.

 

وتؤكد أن ذلك الانعزال يُؤثِّر بدوره على العلاقات الاجتماعية المباشرة ومزيد من البعد بين الزوجين وكراهية الزوج لزوجته التي يقارن بينها وبين مَن يشاهدهن في بعض المواقع، ومن ثَمَّ تبادله زوجته الكراهية عندما تعلم بهذا والدخول في نزاعاتٍ ونفور نفسي وعاطفي، وفي النهاية الطلاق الذي يُصدِّع الأسرة ويُنشئ علاقات اجتماعية واهية.

 

وتطالب الزوجين بإحياء مساحات الاهتمام المشترك بينهما وعدم الانشغال بالإنترنت أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم والاهتمام بالنواحي الإيجابية فيه، والتي تنمي التواصل بين الأسرة ولا تهدمه.