الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛
جزى الله الإخوة المعلقين على المقال خيرًا لاهتمامهم، ونصحهم في الله، وما قصدت من المقال (كما ذكرت) إلا فتح باب الحوار، والمناقشة الجادة العميقة لهذا الموضوع المهم.
وقد أثارت التعليقات نقاطًا جيدةً تحتاج إلى التوضيح والبيان، والذي أرجو أن يفتح المزيد من الحوار، والمناقشة حول الموضوع.
وأبدأ بالأسئلة التي أثارها الأخ أحمد (القاهرة): إن تحديد الثوابت والمتغيرات للجماعة يحدده الشرع أولاً، ثم رسائل الإمام البنا رضي الله عنه. أما لماذا يجب أن تلتزم جماعة الإخوان برؤية الإمام المؤسس؛ فذلك لأنها جماعة الإخوان المسلمين التي بايع أفرادها على هذا الفهم، وهذه الرؤية والأهداف، وعلى الالتزام بذلك، أما غير المقتنعين بهذا الفكر وهذه الرؤية والأهداف، ولا يريدون اتباعها أو الالتزام بها، فلهم مطلق الحرية في اختيار كيفية خدمة هذا الدين، وهم إخوة لنا نحبهم، ونتعاون معهم فيما اتفقنا عليه، وأما من اختار عضوية الجماعة فقد ألزم نفسه بأركان البيعة، وبالتالي باختيارات الإمام المؤسس في العقائد والأصول.
أما موضوع الواجهات فليس المقصود منه وجود قيادة خفية و"شللية" وعدم شفافية، بل المقصود إن واجهات الجماعة (أي التي تمثل الجماعة في مجال ما) يجب أن تتحرك بفكر، ورؤية تتفقان مع فكر ورؤية الجماعة (وإلا فإنها لا تمثل الجماعة)، وهذا يصعب حدوثه جدًّا دون وجود أفراد واعين من الإخوان في قيادة هذه الواجهة، يفهمون الأهداف، والمرحلة، وطبيعة دور الواجهة، فيتحركون في ضوء هذه الرؤية، دون حاجة إلى الالتفاف والإخفاء وعدم الشفافية.
والمسألة الأهم في ذلك ألا تحاول الواجهة (خاصة بعد نجاحات أو اتساع قاعدة أعضائها) أن تكون ندًّا للجماعة، أو أن تفرض عليها اتخاذ مواقف، أو قرارات معينة، أو أن تفرض على بعض أفرادها الاختيار بين عضوية الجماعة، وعضوية الواجهة.
أما بالنسبة للواجهات التي لها منحى إسلامي عام، ولا يقودها أفراد من الإخوان، وإنما قد ينتمي إليها بعض من أفراد الإخوان، فهذه لا تعتبر واجهة تمثل الجماعة، ولا ينطبق عليها ما ذُكر في موضوع الواجهات، والتعامل معها يكون باحترام وتعاون وتنسيق.
وبالنسبة لتعليق الأخ أبو أمل (البلد)؛ فإن القضية ليست كثرة أو قلة الثوابت، وإنما هل هذه ثوابت فعلاً أم لا ولماذا؟ ولا بأس أن تذكر ما تراه تحديدًا مدللاً، ونتناقش فيه، وقد دعوت في مقدمة المقال أن يكون بداية حوار، ومناقشة جادة، وعميقة يشترك فيها من يشاء، فأنا أتفق معك تمامًا في ذلك.
أما قضية عصا الثوابت، ومعلوم من الدين بالضرورة، والتشنج، واتهام النوايا؛ فلا أعتقد أن المقال قد أشار إلى مثل ذلك من قريب أو بعيد، ونصيحتي لك أخي الحبيب ألا تدع تجربة سالبة ربما تكون قد مررت بها تؤثر عليك، وعلى تواصلك مع إخوانك وثقتك بهم، وأما مسألة "سفينة الوطن" فلا بأس بها ما دمنا نقصد نجاة الوطن بالإسلام لا غير.
وبالنسبة للأخ ابن الإخوان (مصر) فأقول له إن الثوابت قواعد عامة فعلاً، وأما أن المقال يحتاج إلى شرح وتفصيل أكثر، وأمثلة فأتفق معك تمامًا في ذلك؛ لكن عجالة طرح الموضوع، وضيق الوقت عن كتابة كتاب أو كتيب هذه الأيام، حالا دون ذلك، وأعتذر لإخواني عن ذلك.
أما ما ذكرته عن الاستغلال السيئ، والمشاكل، وسوء تفسير ركني الثقة والطاعة، فربما يكون من أسبابه نقص الحوار والمناقشة في القضايا الفكرية الأساسية في الأسر والندوات... أو نقص الأطروحات القيادية الموثقة في مثل هذه الموضوعات، أو قلة الثقافة الشرعية والفكرية لدى البعض، أو ضعف التوجيه والطرح في بعض الأماكن، أو ضعف مستوى وإمكانات بعض الأفراد، أو تأثر البعض بأفكار أخرى فاختلطت المعاني واضطربت، أو نقص المرونة لدى بعض المسئولين... إلخ، وكل هذه الأمور تحتاج إلى رصد وعلاج، لا إلى إغلاق باب مناقشة مثل هذه الموضوعات أو الخوف من أن تسبب المشاكل.
وتعقيبي على كلام الأخ عبد الجواد (القاهرة) هو أنني ذكرت المتغيرات لثلثي العناصر في المقال، وسيجد الأخ الكريم أن باقي النقاط التي لم تذكر فيها متغيرات إما أحكام شرعية ليس فيها متغير مثل أن دعوة الإخوان إسلامية بحتة، أو قواعد تعاقدية تلزم الأطراف مثل أركان البيعة وهكذا، ولا بأس من أن تنصح أنت وغيرك من إخواني بالإضافة، أو التعديل، أو الحذف، فباب المناقشة، والحوار مفتوح ما دام معنا دليل أو سند، وإنما أوضح وجهة نظري فقط.
أما العلاقة مع المسلمين (نقطة 20) ومع غير المسلمين (نقطة 21) فهي أحكام شرعية ملزمة لكل المسلمين، وليست اجتهادًا خاصًّا للإمام، أو لغيره، ولها أدلتها العديدة من الكتاب والسنة؛ لذا أرجو مراجعة النقطتين 20 و21 ثم استئناف المناقشة، مع توضيح ما الذي تقترحه تحديدًا، ولعل في النقطتين 9 و10 ما يقترب من وجهة نظرك (مرونة، واقعية...).
وأما قضية التدرج في الخطوات فهي خصيصة من خصائص جماعة الإخوان كما بين الإمام البنا رضي الله عنه، وأما ما ذكرت في المقال من أمثلة لتحقيق هذا التدرج فليست على سبيل الحصر، وإنما على سبيل المثال، وللجماعة أن تستخدم كافة الإستراتيجيات والوسائل المتنوعة التي تساعد على تحقيق التدرج، والأهم هو تحقيق أهداف المرحلة، والإعداد للمراحل التالية.
وبالنسبة لمسألة العمومية فهي لأن الثوابت هي قواعد عامة وليست سلوكيات إجرائية تفصيلية، فليس المقصود من الثوابت افعل أو لا تفعل هذا التصرف، وإنما اعرف القاعدة وتصرف إجرائيًّا بما يحقق الالتزام بها، فإذا اختلفنا حول تصرف تفصيلي هل يخضع للقاعدة أم لا، فلا بأس من المناقشة الواعية الهادئة وقبول الاجتهادات ما دمنا متفقين على القاعدة واتباعها.
أما الاستثناء والظرف المتغير فيخضعان (كما ذكرت) للنقطتين 9 و10 من الثوابت المذكورة، وأما إن كان المقصود بالعمومية الحاجة إلى الشرح والبسط والأمثلة فأتفق معك في ذلك، ولعل هذه الحوارات تستدرك على نقص الاختصار الشديد.
وختامًا.. جزى الله الإخوة المتفاعلين مع المقال خيرًا، ونفع بهم، وبارك فيهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين.