تختلف وجهة نظر الدعاة للقراءة، فمنهم مَن يعتبر أن القراءة تعني قراءة الكتب الشرعية من السيرة والفقه والحديث والتفسير.. إلخ، فإذا قرأها اعتبر أن مرحلة القراءة قد انتهت، وأن مهمته كداعية تقتضي أن يعيد ما قرأه على الناس فقط.
وآخرون يعتبرون أن القراءة تعني التقاط الأخبار السياسية فقط من الجرائد، وفئة ثالثة لا تعترف بشبكة الإنترنت وتهملها وتتهما دائمًا بالشك أو تنظر إليها بتوجس وخوف، تتحدث دائمًا عن الجريدة بثقة، بينما تتحدث عن مواقع الإنترنت بالريبة والسخرية.
ويقع عدد من الدعاة في إشكالية التصنيف، فالجريدة التي لها توجه إسلامي صريح هي التي يجب قراءتها فقط، أما فيما عدا ذلك فلا ينبغي قراءته، والكُتَّاب الإسلاميون فقط هم الذين يجب أن يُقرأ لهم، أما أي كاتب آخر لا يُعرف بتوجه إسلامي صريح فلا ينبغي أن نقرأ له، وإذا قرأ له فمن الصعب أن يأخذ منه فكرة أو رأيًا، وأن الكتاب الذي يُقرأ لا بد أن يكون كتابًا دينيًّا صرفًا، وهو الكتاب الذي يتحدث في الدين بصورة صريحة تشمل عنوان الكتاب ومحتواه من الداخل، أما غير ذلك فهو كتاب غير ديني لا داعي لقراءته، وهناك مَن يقرأ للجميع ويتابع الجميع ويأخذ من الجميع.
وأرى أن دعوة الناس تتطلب معرفة آراء كل الناس، وطريقة تفكيرهم؛ حتى وإن كانت غريبة وغير مقبولة وغير متسقة مع فكر الإسلام، فدعوة الناس تقوم على الحوار معهم، والحوار مع الآخرين يتطلب الاقتراب منهم ومعرفة آرائهم، ثم محاورتهم بالحسنى بصورة علمية منهجية تقوم على المعرفة والقراءة، وتبتعد عن العصبية والتشنج، حوارًا يقوم على العلم واحترام الخلافات بين البشر.
والدعوة بهذه الطريقة ستفتح قنوات مع كلِّ الناس، وستجد مساحات مشتركة مع الجميع، وستفتح لها آفاق من التعاون؛ حتى مع مَن تختلف معها، وستثبت بالدليل القاطع أن الإسلام يسع الجميع، ويخاطب الجميع، ويتعايش مع الجميع.
القراءة وتطور الأداء الدعوي
بمرور الوقت سيفهم الداعية النشيط أن الدعوة لا تكفيها الكتب الشرعية فقط، وسيعي أنها تضع له القواعد العامة في الدعوة التي يتحرك من خلالها وفي إطارها، وكلما زاد تفاعله مع الناس فهم أنه يحتاج بشدة إلى أن يقرأ في علم النفس وفنون التربية والخصائص السنية للمراحل المختلفة، وطرق الإدارة الحديثة، وأساليب التنمية البشرية، والنظريات السياسية المختلفة، وسيوجهه مجال تخصصه؛ لأن يستزيد بدرجة ما، وكأولوية في أحد هذه الفروع؛ لتصبح الفروع الأخرى مكملة لها، وكلما زاد نشاطه وجد نفسه في حاجة؛ لأن يبحث عن أي فكرة جديدة تحل لديه مشكلة يواجهها، أو تحسن له برنامجًا دعويًّا يزيد من إقبال الناس على دعوته.
سيجد الداعية النشيط والمجتهد نفسه، عليه أن يتابع الأخبار يوميًّا من كل وجهات النظر المختلفة، ليشعر بمدى تأثير الدعوة على المجتمع، وتأثير المجتمع على الدعوة، هل يستجيب الناس أم لا؟ هل يتأثر الناس أم لا؟ هل تسير الدعوة في الاتجاه الصحيح أم لا؟ هل تحتاج الدعوة إلى تغيير في أساليبها أم لا؟ هل يستلزم الأمر مراجعة بعض الأفكار أم لا؟.
إن متابعة الداعية للأحداث من حوله وتحليلها، ترفع مكانته كداعية بين الناس يقدرونه ويحترمونه، كما في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعْ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية 11).
كما أنها تجعله يسير مع حركة الناس والمجتمع والتاريخ، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه، ولا يفاجأ يومًا أنه يحدث بعض الشباب، فيشعر أنه مختلف عنهم وهم مختلفون عنه، وتحدث مع الوقت ما يُعرف بالفجوة بين الأجيال، وعندها يكون الداعية قد مات إكلينيكيًّا.
سيجد الداعية القراءة تحل له العديد من مشاكله، بقراءة كتاب لن يمل من الجلوس معه، يصفه الشاعر وصفًا جميلاً فيقول:
وخير جليس المرء كتب تفيده علومًا وآدابًا كعقل مؤيد
أو البحث على شبكة الإنترنت بما يطرأ على ذهنه من أسئلة، أو للبحث عن معلومة مفقودة، وسيجيبه من اختاره للإجابة بكل صدق، دون مصلحة أو تذمر.
وسيشعر الداعية حتمًا من المتابعة المستمرة للأفكار، أن أداءه الدعوي يتطور إلى الأفضل باستمرار، وأن سهم نجاحه الدعوي يتجه إلى أعلى دائمًا.
برنامج عملي للقراءة
1- قراءة جريدة يوميًّا شاملة (التنوع بين الأخبار والمقالات) (يختار الداعية جريدة أو أكثر ممن يتوسم فيها صدق الخبر والموضوعية في تناول الأحداث).
2- في حالة الاتصال بالإنترنت يصبح من السهل أن يزيد عدد الجرائد، ويضاف إليها أيضًا بعض المواقع التي تهتم بمتابعة الأحداث اليومية وتحليلها.
3- مشاهدة برنامج حواري (توك شو) مرة على الأقل في الأسبوع.
4- متابعة مقال واحد على الأقل في كلٍّ من الفروع الآتية:
أ- التربية.
ب- الإدارة.
ج- العلاقات الزوجية.
أخي الداعية.. أعرف أنه برنامج يُشكل عبئًا عليك، لكنك تعرف أنك تقوم بأعظم مهمة على وجه الأرض، تذكر معي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت).
ومهمة بهذا الشرف والسمو تتطلب منك مزيدًا من الجهد والمشقة، إرضاءً لله، وسعيًا لرفعة لشأن دعوة الله في الأرض.