بالنظر للعلاقة بين الحركة الإسلامية والمجتمع، نجد أن المسافة الفاصلة بينهما تمثل مؤشرًا مهمًّا لمسار التفاعل بينهما، ولكن هذه المسافة ليست ثابتةً، بل هي متغيرة، وتغيرها يؤشر لحركة التغير الحادثة للحركة الإسلامية والمجتمع.
من هنا تكتسب المسافات بين الحركات الإسلامية والمجتمع، دلالة خاصة؛ لأنها تشير إلى صورة العلاقة في الماضي، والحاضر، كما تشير لصورة العلاقة المتوقعة في المستقبل. يدخل في هذا الباب، قضية اندماج الحركة الإسلامية في المجتمع، أو عزلتها عنه، بوصفها حالةً تشرح العلاقة بين الحركة، والمجتمع، كما تشرح المسافة الفاصلة بينهما.
وكل الحركات الإسلامية الممثلة لتيار الصحوة الإسلامية، تمثل مشروع إصلاح؛ لأنها تقدم رؤية للمجتمع، يفترض أنها غير منتشرة في المجتمع بالقدر الكافي. فتيار الصحوة الإسلامية هو تيار تغيير، يرى أن الوضع الحالي يحتاج لتغيير وإصلاح، وبالتالي فكل حركات الصحوة الإسلامية تعمل من أجل التغيير، مع تنوع المناهج والرؤى.
وعليه يقع تيار الصحوة الإسلامية في مساحة من المجتمع، وتبقى مساحات أخرى تفصله عن بقية المجتمع، وهي تلك المسافات التي يمكن رصدها لمعرفة التفاعل بين الحركات الإسلامية والمجتمع.
الحالة المثالية
يمكن البدء بتعريف الحالة المثالية للحركة الإسلامية، وهي الحالة التي تكون فيها الحركة مندمجةً بالكامل في المجتمع، أي تصير جزءًا منه غير مختلف عنه، وهي تلك الحالة التي تتحول فيها الحركة الإسلامية إلى أغلبية معتبرة داخل المجتمع، لدرجة تجعل رؤية الحركة هي رؤية أغلبية المجتمع، وعليه لا توجد مسافة فاصلة بين الحركة والمجتمع، بقدر ما توجد مسافة تفصل تيارات الأقلية عن أغلبية المجتمع، وعن الحركة الإسلامية السائدة أيضًا.
وتلك الحالة لم تحدث بعد، فلم تتحول حركة من حركات تيار الصحوة الإسلامية إلى أغلبية في المجتمع، لدرجة تجعها ممثلةً للفكر السائد في المجتمع.
فمعظم مكونات تيار الصحوة الإسلامية، تعمل على نشر رؤيتها بين الناس، ولم تصل أي منها إلى تحقيق الأغلبية المجتمعية، والتي تتحقق من خلال سيادة رؤية معينة اجتماعيًّا؛ مما يجعلها تمثل الرؤية السائدة، والفكرة المهيمنة على المجتمع.
الوزن النسبي للحركة
كلما كانت حركة ما تمثل وزنًا نسبيًّا كبيرًا داخل المجتمع، كانت تلك الحركة مرشحةً كي تصل في وقت من الأوقات إلى الأغلبية المجتمعية.
وهنا نميز بين الأغلبية المجتمعية، والأغلبية السياسية؛ حيث إن الأخيرة تعني حصول حركة على أغلبية تمكنها من الوصول للسلطة، أما الأغلبية المجتمعية فتعني أن الحركة نشرت رؤيتها، وتصورها بين الناس، لدرجة تجعل تلك الرؤية هي الحاكمة في المجال الاجتماعي، سواء بسبب ما قامت به الحركة من نشر لرؤيتها، أو لأن رؤيتها توافقت مع رؤى أخرى، وأصبحت جميعًا تمثل رؤيةً سائدةً في المجتمع.
ومعنى هذا، أن الحركة قد تصل إلى الأغلبية من حيث سيادة رؤيتها مجتمعيًّا، رغم أن أعضاءها ومؤيديها ليسوا أغلبية في المجتمع، وهنا تكون الأغلبية للفكرة، مما يجعل الحركة تمثل التنظيم المركزي لتلك الفكرة، حتى وإن لم تصل درجة العضوية والتأييد المباشر، إلى نفس حجم انتشار الفكرة في المجتمع.
وتلك الحالة تمثل تحول الحركة إلى تيار، فكلما استطاعت الحركة نشر رؤيتها بين الناس، لدرجة جعلت هذه الرؤية مشكلة لرؤية الأغلبية، حتى وإن لم يصل حجم العضوية، والتأييد للحركة للأغلبية، فإن تلك الحركة تصبح تيارًا سائدًا في المجتمع.
وبصورة أخرى، فكلما انتشرت فكرة بين الناس، وأصبح انتشارها أكبر من حجم الحركة أو التنظيم الذي يحملها، أصبح المؤيدون للفكرة ممثلين لتيار، تمثل الحركة العمود الفقري له.
وعليه تصبح الأوزان النسبية للحركات الإسلامية، تمثل حجم الارتباط المباشر لها، وحجم التأييد لفكرتها، ويحدد الوزن النسبي للحركة المسافة التي تميزها عن المجتمع، أو التي تفصلها عنه، فكلما زاد الوزن النسبي للحركة، قلت المسافة الفاصلة بينها وبين المجتمع، وتكون فكرتها قد انتشرت بصورة تقلل الفجوة الحادثة بين الرؤى السائدة في المجتمع، ورؤية الحركة.
ويتشكل بذلك معيار الأغلبية والأقلية، ففي داخل تيار الصحوة الإسلامية توجد حركات تمثل أغلبية تيار الصحوة، وحركات أخرى تمثل أقلية تيار الصحوة، وتصبح تلك الحركات ممثلةً لأغلبية وأقلية في المجتمع، إذا ظل دورها داخل تيار الصحوة الإسلامية محافظًا على وزنه النسبي.
وزن تيار الصحوة
الملاحظ أن تيار الصحوة الإسلامية بكل فروعه، أصبح يمثل تيارًا جارفًا في المجتمعات العربية والإسلامية، كما أن الفكر والرؤى السائدة داخل الأمة، ينتمي معظمها لتيار الصحوة الإسلامية؛ لذا يمكن القول بأن تيار الصحوة الإسلامية في مجمله، يمثل نسبة تقترب من الأغلبية داخل الأمة، أو تزيد.
فقد حدث تحول مهم، بين بدايات الصحوة الإسلامية في السبعينيات من القرن العشرين، وما وصلت له في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ حيث بدأ تيار الصحوة الإسلامية ممثلاً لأقلية داخل المجتمع، ثم تحول إلى أغلبية؛ لذا يمكن القول بتضاؤل المسافة بين المجتمع وتيار الصحوة الإسلامية؛ حيث إن هذا التيار في مجمله يمثل أغلبية داخل المجتمعات العربية والإسلامية؛ لذا تصبح المسافة بينه وبين المجتمع، ليست مسافة فاصلة، بل هي مسافة تتشكل بسبب وجود أقلية خارج إطار تيار الصحوة الإسلامية.
ومن المهم تعريف أسس تيار الصحوة الإسلامية، فهو تيار قام على استعادة التدين والإيمان والالتزام الديني، واستعادة الهوية الحضارية الإسلامية، والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتعميق إدراك الأمة الإسلامية بأنها أمة واحدة، تنشد النهضة والوحدة. وتلك الأفكار أصبحت من الشيوع الآن، بحيث لا نبالغ إذا قلنا إنها تمثل الرؤى السائدة في المجتمع؛ مما يجعل تيار الصحوة الإسلامية ممثلاً للرؤية الشائعة، وعليه يكون تيار أغلبية، وتصبح المسافة بين مجمل تيار الصحوة والمجتمع، تتعلق برغبة المنتمين لتيار الصحوة لتعميق الرؤية الإسلامية، وتعميق الالتزام بها، والتأكيد على استمرارها كهوية أساسية تقاوم كل محاولات الغزو الفكري والثقافي.
فتيار الصحوة الإسلامية انتشر لدرجة واضحة، ولكنه يعمق وجوده، حتى يتحول الانتماء له إلى التزام حياتي؛ مما يؤدي إلى إحداث تغيير في الوضع العام للمجتمع والأمة، ويصبح الانتماء لتيار الصحوة هو فعل من أجل التغيير.
داخل تيار الصحوة
أما في داخل تيار الصحوة الإسلامية، فسنجد تيارات فرعية لكل منها وزن نسبي، والمتابع لمسار الحركات الإسلامية يجد أن تيار الوسط كان دائمًا هو التيار الأكثر انتشارًا، وهو الذي يمثل التيار المحافظ اصطلاحيًّا، وهو التيار الأقرب إلى الاعتدال. ولكن يلاحظ أن نقطة الاعتدال تتحرك في المجتمع حيث تتحرك تبعًا للوضع العام، وفي كل مرحلة تتشكل نقطة الوسط أو الاعتدال، ويظل التيار المحافظ هو تيار الأغلبية.
وفي المجتمعات العربية والإسلامية، كان التيار المحافظ هو التيار الغالب، ولكن هذا التيار أصابه قدر من الجمود والتردي مع فترات التراجع الحضاري، وجاءت الصحوة الإسلامية لتعيد تجديد التيار المحافظ، وتحيي وعيه من جديد.
والتيار المحافظ ينمو تدريجيًّا في المجتمعات العربية والإسلامية ليستعيد أغلبيته، وأيضًا ليستعيد دوره وفاعليته الاجتماعية، ومن ثمَّ يصبح قادرًا على استعادة دوره السياسي؛ لذا يمكن القول بأن التيار المحافظ يمثل مركز المجتمع، وبالتالي لا تفصله فواصل عن المجتمع.
وكل الحركات التي تنتمي لتيار الوسط، أي التيار المحافظ، تمثل الرؤى السائدة لدى المجتمع أو لدى أغلبيته، ولكنها تختلف عن الوضع القائم في المجتمع، في أنها تحاول تحويل تلك الرؤى إلى فعل إصلاح ونهضة.
لذا يمكن التفرقة بين رؤية جماعة الإخوان المسلمين، وهي تنتمي لتيار الوسط، أو التيار المحافظ؛ حيث نجدها رؤية واسعة الانتشار، وتنتشر خارج إطار أعضاء الجماعة والمؤيدين لها، وبين منهج الجماعة الإصلاحي، والذي يطالب الأمة بتحمل مسئولية الإصلاح والنهضة؛ حيث نجد أن التيار المحافظ المؤيد للرؤية الوسطية، والذي يقترب كثيرًا من رؤية جماعة الإخوان، لم يتحول بعد إلى كتلة نشطة تعمل من أجل الإصلاح.
وهنا تظهر مسافة بين المنهج الحركي لجماعة الإخوان المسلمين والمجتمع، أكبر من المسافة بين رؤية الجماعة والمجتمع، ولكن تلك المسافة تخص الفعل، والموقف العملي، ولا تخص الرؤية الحضارية.
ولكن داخل تيار الصحوة الإسلامية، هناك تيارات متشددة، والناظر لتلك التيارات الفرعية، يجد أنها تقف دائمًا على مسافة من المجتمع، بل إنها تحافظ على تلك المسافة، وكأنها لا تريد اختصارها من ناحيتها، بل تقبل فقط اختصارها من ناحية المجتمع. وتلك التيارات تعمل على تأكيد الثوابت بتشدد يهدف إلى تحصين الثوابت من أي اختراق.
وغالبًا ما يقوم التيار المتشدد بهذا الدور، ويصبح أحد العوامل التي تحصن الهوية والرؤية الدينية، والتي تدفع المجتمع لتحصين نفسه ضد التأثر بأي فكر وافد عليه؛ لهذا تبقى المسافة بين المجتمع والتيار المتشدد على حالها، حيث يميز التيار المتشدد نفسه عن المجتمع، ليظل يقوم بدوره في تحصين ثوابت الأمة.
ويتشكل مع الوقت تيار الأقلية داخل تيار الصحوة الإسلامية، وهو يبدأ كتيار منعزل، ومع الوقت يصبح تيارًا له خصوصيته، ويتفاعل مع التيارات الأخرى، كما يتفاعل مع المجتمع، ولكن تيار الأقلية المتشدد يدرك وظيفته في النهاية، ويتحول إلى تيار مستقر، لا يريد الانعزال عن المجتمع، بقدر ما يريد تحصين هوية الأمة، فيدرك التيار المتشدد دوره، ويتجاوز مرحلة المواجهة مع المجتمع، ولكن تبقى مسافة بينه وبين المجتمع.
أما التيار المتشدد المسلح، فيقوم بوظيفة أخرى، وهو ينعزل عن المجتمع، ويحاول تحقيق رؤيته بالسلاح، وبمواجهة كل عدوان خارجي بالسلاح، فيبقى تيارًا متشددًا ومنعزلاً.
والتيار المتشدد ليس هو تيار الأقلية الوحيد، ولكن هناك أيضًا التيار المتحرر، والذي يركز على عملية التكيف مع الواقع الحالي، ومع النموذج العصري للحياة، رغم أنه نموذج نابع من الحضارة الغربية، على أساس أن التكيف مع الواقع ضرورة. فالتيار المتحرر، فيمثل استجابة معاكسة للتيار المتشدد.
فإذا كان التيار المتشدد يدفع لتحصين الفكرة الإسلامية، فالتيار المتحرر يدفع لتكييف الفكرة الإسلامية مع الواقع؛ لذا يظل كل منهما على أطراف التيار المحافظ السائد بكل مكوناته، وكما يحدث مع التيار المتشدد، فإن التيار المتحرر تخرج منه رؤى منعزلة عن المجتمع وتخرج عن هويته، وتصبح اتجاهًا منعزلاً عن المجتمع.
وفي داخل التيار المحافظ، سنجد اتجاهًا، وهو المحافظ التقليدي، ويمثل أقليةً داخل التيار المحافظ، واتجاهًا آخر وهو المحافظ التوفيقي، ويمثل أقليةً أخرى داخل التيار المحافظ، وكل منهما يتميز بمسافة أكبر بينه، وبين المجتمع عن مجمل التيار المحافظ، وكلما ساد التيار المحافظ الوسطي، شغل مركز المجتمع، ومثل أكبر نسبة فيه.
معادلة المسافات
بالنظر لمسار تيار الصحوة الإسلامية، نجده يتجه من كونه أقليةً داخل المجتمع، ليقترب من تحقيق الأغلبية، وتياراته الفرعية تستقر مع الوقت ما بين تيار يمثل أغلبية تيار الصحوة الإسلامية، وتيارات تمثل الأقلية، ثم تستقر أدوار تلك التيارات، فتقل المسافات نسبيًّا بين مختلف تيارات الصحوة الإسلامية والمجتمع، وتخرج الاتجاهات الأكثر تشددًا والأكثر تحررًا من مسار تيار الصحوة الإسلامية، وتنعزل عن المجتمع؛ مما يدخل تيار الصحوة الإسلامية في مرحلة أكثر رسوخًا، تحقق له تأثير مجتمعي واسع، وهو ما يجعل تيار الصحوة الإسلامية ممثلاً للمجتمع، ويضعه في مواجهة عملية الإصلاح والتغيير. ويتشكل التيار السائد، القادر على توجيه حركة الأمة، نحو رؤيتها الحضارية الجامعة.