تستعد الحكومات العربية لمؤتمر "بكين + 15" الذي ينعقد في مارس 2010م بنيويورك لمراجعة ما تم تنفيذه من بنود وثيقة المؤتمر، والذي كان أول انعقاد له في الصين عام 1995م.
ويواجه المؤتمر العديد من الاتهامات والانتقادات؛ حيث يتهمه البعض بأنه يهاجم الأديان السماوية بشكل عام، والدين الإسلامي بشكل خاص، وذلك لما تنص عليه الوثيقة من بنود تخالف الشريعة الإسلامية، وتسعى لتدمير الأسرة العربية والمسلمة، فعلى الرغم من مرور 15 عامًا على انعقاد هذا المؤتمر إلا أن القائمين عليه مصرون على تنفيذ بنوده التي تسعى لتخريب الأسرة المسلمة، وضرب ثوابت المجتمع.
مؤتمرات التخريب
بدأت الأمم المتحدة مؤتمرات ضرب الأسرة المسلمة، وغسيل مخ المرأة بشكل جدي في عام 1975م؛ حيث عقدت مؤتمر مكسيكو ستي للمرأة: المساواة، والتنمية، والسلم، واعتبر ذلك العام: العام العالمي للمرأة، واعتمد فيه أول خطة عالمية متعلقة بوضع المرأة، ثم جاء مؤتمر "القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة"، أو ما يسمى "بالسيداو" 1979م، وخرج هذا المؤتمر باتفاقية تتضمن ثلاثين مادة تحمل كلها هجومًا على الدين؛ حيث تعتبر الدين من أشكال التمييز ضد المرأة، وبلغ عدد الدول الموقعة على هذه الاتفاقية 133 دولةً إلى ما قبل مؤتمر بكين 1995م.
ثم عقدت مؤتمرها الخاص بالمرأة تحت عنوان "المساواة والتنمية والسلم" عام 1980م؛ وذلك لاستعراض وتقويم التقدم الذي تم إنجازه في تنفيذ توصيات المؤتمر العالمي الأول للسنة الدولية للمرأة "مؤتمر مكسيكو ستي" (عام 1975م)، ولتعديل البرامج المتعلقة بالنصف الثاني من العقد الأممي للمرأة، مع التركيز على الموضوع الفرعي للمؤتمر: العمالة والصحة والتعليم.
وجاء مؤتمرها الخاص بالمرأة عام 1985م في نيروبي بكينيا؛ لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة، والتنمية، والسلم، والذي عرف باسم (إستراتيجيات نيروبي المرتقبة للنهوض بالمرأة).
ثم كان مؤتمر المرأة في بكين عام 1995م، تحت عنوان: "المساواة، والتنمية، والسلم"، وانتهت الأمم المتحدة فيه إلى الشكل النهائي للمرجعية الجديدة والبديلة التي تحاول فرضها على العالم، وتهدف بكلمة واحدة إلى "عولمة المرأة"، وقد وقعت على هذه الوثيقة 186 دولةً.
مفهوم الحرية في وثيقة بكين
تحاول وثيقة بكين ترسيخ مفهوم الحرية، والمساواة بشكل يتفق مع الثقافة الغربية العلمانية، فنجد الوثيقة تحاول التأكيد على حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية من ذكر إلى أنثى، ومن أنثى لذكر، أو أن يختار أن يكون بينهما، مع الاعتراف رسميًّا بالشواذ، وحقهم في الزواج، والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير الأرحام!!!.
كما تطالب الوثيقة بالحريات الجنسية للمراهقين، وتلزم الدول الموقعة عليها بضرورة رعاية المراهقين الناشطين جنسيًّا، وتعليم الجنس للأطفال، والمراهقين من خلال وسائل الإعلام والتعليم وتدريبهم على تفادي حدوث الحمل أو الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًّا وعلى رأسها الإيدز، وكذلك تقر بحق المرأة في التمتع بحرية جنسية آمنة دون التقييد بالزواج الشرعي، وتلزم الدول بمحاسبة من يحاول منع المرأة من ممارسة هذا الحق سواء كان أحد الوالدين أو الزوج.
وتدعو أيضًا إلى سنِّ القوانين للتعامل مع حمل السفاح، فمن حق المرأة التي حملت سفاحًا الاختيار ما بين الإجهاض أو إبقاء الحمل على أن تلتزم الرعاية الاجتماعية برعايتها ورعاية مولودها!!.
الحصاد المُر لبكين
تحاول الأمم المتحدة الضغط على الدول الموقعة على وثيقة بكين لتنفيذ ما ورد بها من بنود، وتسعى لمتابعة ما تم تنفيذه منها، والعوائق التي وقفت أمام الحكومات أثناء التنفيذ، وتتم هذه المتابعة كل خمس سنوات في مؤتمر دولي يضم الدول الموقعة على الوثيقة والمنظمات غير الحكومية في هذه الدول، فهذه المنظمات غير الحكومية الممثلة في الأمم المتحدة تمثل قوة ضغط في دولها لمراقبة التزام هذه الدول بقرارات الأمم المتحدة وتوصياتها ومتابعة ذلك.
ومن أخطر نتائج مؤتمر بكين تعديل التشريعات في عدد من الدول العربية بما يتناسب مع بنود هذه الاتفاقية:
- فتم تعديل مدونة الأحوال الشخصية في المغرب عام 2003م، وإدخال مواد جديدة بها تتناسب مع وثيقة بكين؛ حيث نصت التعديلات على اعتبار الولاية حقًّا للمرأة، ورفض قوامة الرجل، وتقييد حق تعدد الزوجات، وجعل الطلاق حلاًّ لميثاق الزوجية يمارس من طرف الزوج والزوجة، وتوسيع حق المرأة في طلب التطليق، ورفع سن الزواج للذكر والأنثى إلى 18 عامًا، واشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابيًّا في حالة الزواج بأخرى، والاستفادة للزوجة المطلقة من الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، ورفعت الوصاية عن النساء الراشدات.
- وفي مصر تم تعديل القوانين المتعلقة بتجريم ختان الإناث، ورفع سن الزواج للذكور والإناث إلى 18 سنة، وتسجيل الطفل المولود خارج إطار الزوجية، بالإضافة إلى إعطاء الزوجة الحق في تطليق نفسها عن طريق قانون الخلع، وأيضًا الحق في السفر بدون إذن الزوج، كما تم تعديل القوانين الخاصة بتمثيل المرأة السياسي، وتوليها بعض المناصب العليا مثل القضاء، وتم إنشاء نظام جديد لمحاكم الأسرة في مصر.
- ألغت مصر والأردن القانون الذي يلزم الزوجة بالحصول على موافقة الزوج قبل إصدار جواز السفر، وأيضًا عند السفر خارج القطر.
- تم تعديل قانون الجنسية في مصر عام 2000م، لكي يسمح للأم أن تمنح أبناءها الجنسية (مع الاحتفاظ بخصوصية الحالة الفلسطينية).
- تعديل قانون الحضانة في مصر، والذي رفع سن الحضانة إلى 15 عامًا، يمكن أن تمتد إذا رأى القاضي ضرورة ذلك.
- يساعد مكتب الشكاوى بالمجلس القومي للمرأة في مصر في نفقات القضايا أمام المحاكم للنساء الفقيرات.
- تنص التعديلات في الأردن وسوريا والعراق ومصر على إعلان الزوجة الأولى في حالة الزواج بأخرى، وتوجب الدول الثلاث موافقة القاضي على تلك الزيجة استنادًا لقدرة الزوج المالية.
- تحدد الجماهيرية الليبية سن الزواج بـ20 عامًا للجنسين، ولا يتم الطلاق إلا بإشراف قضائي، كما أن للمطلقة الحق في حضانة الأطفال.
- تطبق حكومة جزر القمر القانون العرفي الذي يسمح للمرأة بتوريث الملكية حسبما تشاء دون الالتزام بالشريعة الإسلامية.
- وقامت معظم الدول العربية مثل مصر والسعودية والإمارات والأردن إلى إنشاء خط ساخن للطفل لتلقي الشكاوى من الطفل إذا تعرض لأي شكل من أشكال العنف من قبل الوالدين، وهذا ما يؤدي إلى تمرد الأبناء على آبائهم ورفض سلطة الآباء عليهم، كما قامت أيضًا بعض الدول مثل الأردن ومصر والمغرب بإنشاء خط ساخن للمرأة، وهذه الخطوط من شأنها تهديد استقرار الأسرة وإعلان العصيان بين أفرادها.
- وقد سعت الحكومات العربية أيضًا لنشر مفهوم الجندر وإلغاء الصور النمطية للفتاة في المناهج التعليمية، ومن خلال وسائل الإعلام، ونشر بعض القيم التي حاولت الوثيقة التأكيد عليها مثل تحديد النسل، ومحاربة ختان الإناث.
وتتبنى الجمعيات الأهلية العربية حملة رأي عام لتعديل قوانين الأسرة، وهو ما تم بالفعل ملاحظته في الفترة الأخيرة.
- ونظمت رابطة المرأة العربية في القاهرة في الفترة من 13-14 ديسمبر 2009م، مؤتمرًا حاشدًا للعديد من المنظمات والهيئات العربية العاملة في مجال المرأة؛ وذلك لصياغة الشكل النهائي للتقرير العربي الذي يرصد جهود الجمعيات الأهلية بالتضامن مع الحكومات بعد 15 عامًا من صدور منهاج عمل بكين، وهو التقرير الثالث من نوعه بعد (بكين + 5)، (بكين + 10)؛ وذلك تمهيدًا لاستئناف العمل بمنهاج بكين في نسخته الثالثة على التوالي، والتي تتم إعادة التأكيد عليها كل خمس سنوات. وقد تضامنت المؤسسات السابقة لرصد ما تم إنجازه على أرض الواقع في المجتمعات العربية من ميثاق بكين، ثم تشرح العوائق، والتحديات التي ما زالت قائمةً وتقف عقبةً في سبيل تحقيق كافة ما جاء في ذلك الميثاق.
- ويرصد التقرير المعوقات في هذا الشأن من وجهة نظره، والتي يسعى للقضاء عليها وهي:-
- تعدد الزوجات، وحرية الرجل في الطلاق، ومن الواضح أن تلك الجمعيات تريد الزواج عقدًا أشبه ما يكون بالعقود المدنية في الغرب. كما ينتقد التقرير الدعوة الشعبية في تونس بالعودة لتعدد الزوجات والذي ألغاه القانون هناك.
- وفي نهاية المؤتمر تم عرض رؤية مستقبلية، تتضمن بعض المؤشرات للتغلب على العقبات في كافة البنود السابقة، منها على سبيل المثال تعميم المصادقة على الاتفاقيات الدولية وإلغاء التحفظات عليها، وأيضًا التوسع في التعديلات القانونية والتشريعية والتي تضمن تمايزًا ايجابيًّا أكثر لصالح المرأة.
وتنتظر المجتمعات الإسلامية مؤتمر "بكين + 15" بترقب وحذر شديد، فبناءً على توصيات هذا المؤتمر ستتحدد معالم المعركة القادمة بين المنظمات النسوية المتطرفة، وبين الإسلام، وباقي الشرائع السماوية، فيمكن اعتبار مؤتمر "بكين + 15" الجولة الرابعة من هذه الحرب الشرسة، والتي تحاول فيها المنظمات النسوية المتطرفة متابعة تنفيذ ما توصي به في مؤتمراتها السابقة، والعوائق التي تقف أمام تنفيذ هذه التوصيات، والعمل على إزالتها.
وما يزيد من خطورة هذه الوثيقة أنها أصبحت أساس المرجعية الكونية البديلة، والتوصيات والوثائق التي توقع عليها الدول، والحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة تعتبر ملزمة لها، كما تسعى الأمم المتحدة لاستخدام آلية دولية لها طابع الفرض والإلزام والمتابعة تتدخل في الشئون الداخلية للدول لتطلب منها الالتزام بما وقّعت عليه، وهذه الآلية يمكن أن تمارس الإرهاب بفرض العقوبات الدولية على الدول التي ترى الأمم المتحدة أنها غير ملتزمة، كما أن هذه الآلية تمارس الإغراء بمنح معونات أو قروض أو ما شابه، إذا التزمت بمقررات الشرعية الجديدة.
كل ذلك لاستبدال التشريعات الإسلامية للأسرة ببنود بكين الوضعية؛ لتعيش مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالمنظومة الغربية، وتطرح شرائعها وعاداتها وتقاليدها الأصيلة.