في كتابه القيّم (وحي القلم) ذكر أديب مصر الكبير مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله) عبارةً بليغةً تقول: "مَن لم يزد شيئًا على الدنيا كان عليها زائدًا", فكم من الناس يأتون للحياة فلا يتركون أثرًا في حياتهم أو بعد مماتهم, وقليل من الناس قد يغيبهم الموت لكنهم من الأحياء في حسِّ كثير من الناس، ولعل الأخ الحبيب الدكتور سناء أبو زيد- رحمه الله من هذا الصنف من الناس الذين لا يغيبون أبدًا، وقد أثر هذا الرجل في جيل من الإخوان بأكمله، بالكلمة الصادقة، والشعور المرهف، والمعاني الراقية، والعلم الوافر، وأحسب أن كثيرًا من الإخوان يدينون له بالفضل بعد الله سبحانه وتعالى فيما تعلموه، وفيما فهموه، وفيما تربوا عليه على درب هذه الدعوة المباركة، وأحسب (والله حسيبه) أن الحب الذي حازه في قلوب إخوانه لم يأتِ إلا من فيض حب الله له؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل, فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القبول في أهل الأرض". وأحسب أنه رحمه الله كان عازفًا عن المناصب والأضواء، وأحسب أن ما تحقق له من حب إخوانه كان أبلغ كثيرًا مما تحقق لغيره من الإسلاميين في تيارات مختلفة، ومنهم من هم ملء السمع والبصر، ومنهم من يتصدرون المناصب، ومنهم من تلاحقهم الأضواء، لكنه لم يستطع أي منهم أن يحوز ما حازه الدكتور سناء (رحمه الله) من حب وقبول!!!
صبرًا أم خلاد
لقد قرأت الرثاء المتجدد للأخت الفاضلة أم خلاد زوج الراحل الكريم، وهي تعدد مناقب الزوج سناء، وأجد أن شهادتها أبلغ شهادة، فكم يتجمل كثير من الناس في مواقع العمل أو بين الناس، حتى إذا خلوا بأهلهم تكشفت الحقائق عن تناقض بشع بين سلوك في البيت، وسلوك آخر في غيره!!, ولكن أنَّى لسناء أن يكون كذلك! وهو الذي كان يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في كثيرٍ من أقواله وأفعاله؛ لذا يحق لك أختاه أن ترثيه، ويحق لك أختاه أن لا تنسيه، وهل مثل الدكتور سناء يُنسى؟
المرور على العيادة والبيت
وقد قدر الله لي أن أسير يوميًّا أمام بيته وعيادته، وسبحان الله الذي يُلقي في نفسي كلما مررت على البيت أو العيادة أن أدعو الله له بالرحمة، وقد كان من حسن الطالع أن يكون سكني في نفس الحي مجاورًا لبيته وعيادته، فكانت معه اللقاءات والحوارات والتربويات والتنقلات والمناقشات والسفرات، ومع كل كلمة منه معنى، ومع كل موقف منه معنى، ومع كل لقاء معه معنى، بلا تكلف ولا تصنع.
مواقف لا تنسى
أحسب أن لكل أخ مع الدكتور سناء (رحمه الله) مواقف أخوية أو تربوية أو تثقيفية، وأحسب أن نحيب (وليس بكاء) الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رفيق عمره، ودرب الدكتور سناء له ألف معنى في يوم وفاته، فكم كان الرجل (رحمه الله) بصدق محققًا لما أشار إليه الأستاذ البنا (رحمه الله) من صفات لازمة للقائد, إذ كان يجمع في شخصيته بين صفات الأستاذ والشيخ والوالد في آن واحد.
ومواقف أستاذيته لا يمكن حصرها، إذ يكفيه ما كان يشعر به أساتذة اللغة العربية من ارتباك في حضوره، وهو يراجعهم في إعراب أو معنى لكلمة أو لبيت من الشعر, وأتذكر يومًا أنني أعطيت له مقالاً قبل نشره لأستأنس بكريم رأيه، وأنتفع بواسع علمه، وظننت أنه سيوافيني بملاحظاته بعد يوم أو اثنين (نظرًا لمشاغله العديدة)، لكنني فوجئت به في نفس الليلة يأتي لبيتي مُسلمًا المقال، وقد وضع بجوار بعض الفقرات ملاحظات في غاية الأهمية بالقلم الرصاص، وهو يقول بأدب بالغ: لقد (تجرأت) ووضعت بعض الملاحظات على بعض الفقرات, وأنا أكاد أن أذوب خجلاً من كرمه ورقة أخلاقه ونبل إنسانيته وعظيم تواضعه بعد أن أثنى على المقال ثناءً لا أستحق معشاره!!.
وقد كان يأبي أن يجلس خلف مكتبه حين زيارتي له في عيادته، فيقوم من خلف المكتب ليجلس أمامي في أحد المقعدين المقابلين لمكتبه، وأحاول أن اُثنيه عن ذلك فيأبي في كل مرة؛ مما يزيدني خجلاً من تواضع الأستاذ مع تلاميذه ومحبيه، وأتعجب من هذا الخلق الرفيع لمن هو في علمه ومكانته، لأقارنها بمواقف أخرى لمن هو أقل منه علمًا ومكانةً!! ومن أكثر المواقف التي تأثرت بها كانت يوم عيد، إذْ حرص على حضور خطبة العيد لشخصي الضعيف، وشعرت بالحرج البالغ أن أقف خطيبًا أمام من اهتزت لخطبه المنابر, وتجمع لسماعه الألوف حتى حالت الظروف بينه وبين الخطابة، وأردت أن أتفادى الموقف فلم أستطع، واستعنت بالله وخطبت خطبة العيد، وجلس مستمعًا مطرقًا إلى الأرض، حتى إذا انتهت الخطبة جاءني معانقًا، وهو يقول لقد حرصت على النظر إلى الأرض تفاديًا للنظر إليك (وأحسبه فعل ذلك تفاديًا لارتباكي) ويقول: كنت أدعو الله لك أن يثبتك ويوفقك!!
برقوق الدكتور سناء أبو زيد
وتبقى المواقف الإنسانية لكل أخ مع ذلك الإنسان النبيل سناء أبو زيد (رحمه الله) لا تنسى، ولعلي أتذكر منها ما كان وقت اعتقالي على خلفية انتخابات مجلس الشورى المصري، فإذا به يمر على أسرتي للاطمئنان عليهم في غيابي، ويقف رحمه الله على الدرج قريبًا من مدخل الشقة احترامًا لخصوصية البيت، واحترامًا لغياب العائل، ووقف داعيًا لهم ويطالبهم أن يؤمنوا على دعائه، وقد اصطحب معه كيسًا من فاكهة البرقوق، وبعد أن غادر المكان تناولت الأسرة البرقوق الذي أحضره الدكتور سناء رحمه الله، وقد قصوا عليّ القصة بعد خروجي من السجن وعودتي للبيت، وقالوا: والله ما تناولنا برقوقًا في حياتنا أحلى من الذي جاء به الدكتور سناء، حتى إنني شعرت بحبهم للبرقوق فكنت أشتريه بعد ذلك للأهل فكانوا يقولون: ولكنه ليس كبرقوق الدكتور سناء!! وحاولت أن أفهم سر برقوق الدكتور سناء، فهو من نفس البرقوق المتداول في الأسواق، فقلت لعله سر الإخلاص، ففاكهة مغموسة بإخلاص صاحبها كان لها ذلك الطعم الزكي الذي لم يتكرر!! رحمك الله أخًا حبيبًا وأستاذًا كريمًا، وأجزل لأهلك المثوبة والسلوان، وجمعنا الله بك في مستقر رحمته وفسيح جناته.