الإيمان العميق القوي هو الدافع الحقيقي لأفراد الدعوة، بل هو من الخصائص المميزة اللازمة لها، ولا خير في الدعوة، ولا بركة في أعمالها إن لم تسعَ إلى تأصيل ذلك البعد في القلوب، فأصل الدعوة أنها قائمة على ابتغاء مرضاة الله، وشعارها: "الله غايتنا".

 

يلحق بالإيمان ما بعده

وضعف الإيمان يعني ضعف الأداء، وبالتالي ضعف العطاء والحركة وعدم انضباطها، وزيادة الإيمان في قلب الأخت الداعية يعكس النسبة الحقيقية لعطائها وإبداعاتها؛ بمعنى أننا إذا افترضنا أن مساحة الإيمان في القلب خمسين بالمائة، فهذا يعني أن عطاء صاحبته لدينها ودعوتها لا تتعدَّى هذه النسبة، فالإيمان القوي والقرب من الله هو أعظم حافز يدفع الأخت إلى العمل والإبداع والتحمُّل.

 

لذلك كان الإمام الشهيد "حسن البنا" شديدَ الحرص على الاهتمام بالتربية وجانبها الروحي؛ لأن ذلك بمثابة الروح من الجسد، سواء بالنسبة للفرد أو الجماعة، ولذا كانت الأخت المسلمة الملتزمة بصفات المؤمنين هي العنصر الأساسي في الحركة والبناء وتحقيق الأهداف؛ فهي التي تُقيم البيت المسلم والمجتمع المسلم، بل والدولة الإسلامية، وكلما كان هذا العنصر متينًا وسليمًا، قام البناء عليه سليمًا ومتينا أيضًا.

 

ذخيرة الوصول إلى النصر

إن هدف الدعوة التمكين للدين، ولن يتأتَّى ذلك إلا بالإيمان الحق والقرب من الله؛ لأن نصر الله لن يتنزَّل إلا على قوم أحسنوا صلتهم بربهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105).

 

نعم.. إن إقامة الدين لن تتحقق إلا بجهد بشري له محوران؛ أحدهما شعوري وجداني، متمثلٌ في القلب، ويعني قوة اتصاله بالله عزَّ وجلَّ (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (الحج: من الآية 40)
والآخر محور سلوكي، تحكمه اتخاذ الأسباب اللازمة لإقامة الدين، وهو ما نفهمه من قوله تعالى (وَأَعِدُّواْ)، وكما أن إغفال الأسباب من أسباب الهزيمة، فإن إهمال العامل الوجداني أيضًا خطأٌ كبيرٌ وابتعادٌ عن الطريق الصحيح، وإنما هو التوازن المطلوب بينهما، بل إننا نرى أن الجهد الأكبر إنما هو في تنقية القلوب، وتحسين علاقتنا بالله عزَّ وجلَّ، وهذا ما وعته الأجيال الأولى التي انتصرت بقلة العدد على كثرة الكافرين في اليرموك والقادسية وغيرها، فقد علموا أن تأخر النصر لا يرجع إلى التقصير في الأخذ بالأسباب المادية وحدها، بقدر ما هو تقصيرٌ في حقوق الله أو ضعف صلة القلوب به سبحانه، وهذا لا يعني إهمال الأسباب، ولكن يلفت الانتباه إلى شدَّة الاهتمام بحسن الانتساب إلى الله عزَّ وجلَّ.

 

طريق بمداد رباني

أخت الإسلام.. لا غنى لنا عن الربانية أثناء سيرنا في الطريق؛ فالداعية هي العابدة لله الخاضعة الطائعة له المتذللة لعظمته، والتقصير في العبادات، خاصةً الفرائض، يعني ضياع صاحبة الدعوة، وفقدانها خلق القدوة على الطريق؛ إذ كيف تدعو غيرها إلى الله وهي مقصِّرة في حقوقه، وفي ذلك يقول الإمام الشهيد: "نحن نريد أول ما نريد: يقظة الروح، حياة القلوب، صحوة حقيقية في الوجدان و المشاعر، نريد نفوسًا حيةً قويةً فنيةً، قلوبًا جديدةً خفاقةً، مشاعر غيورة ملتهبة..".

 

لذلك أختاه كان لزامًا علينا أن نُذكِّر أنفسنا وإخواننا بواجبات يومية وأٍسبوعية، وأخرى شهرية ترفع من همتنا، وتصلنا بالسماء، فتتعلق قلوبنا بخالقها، وتنقطع عمن سواه، ومن هذه الواجبات الحرص على التهجد، والوتر، والإكثار من الذكر والدعاء، والتضرع إلى الله تعالى، وإخفاء الصدقة، وتوثيق الصلة بكتاب الله عز وجل وتدبُّر آياته، ثم الحرص على محاسبة النفس قبل النوم على الخير، والاستنفار من الشر.

 

وأخيرًا أدعو الله أن يحبِّب إلينا الإيمان ويزيِّنه في قلوبنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.