- توقعات بحدوث فوضى في السوق يدفع ثمنها الفلاحون

- الشركات المستفيد الوحيد من السياسة الزراعية الحالية

- تخطي سعر الشيكارة 250 جنيهًا.. ولا عزاء للمزارع

 

تحقيق- صالح الدمرداش:

حذَّر خبراء ومتخصصون من احتمالات حدوث فوضى في سوق الأسمدة يدفع ثمنها الفلاحون، وترتفع نتيجتها أسعار الحاصلات الزراعية التي يستهلكها كل المواطنين على خلفية قرار وزارة الزراعة بالسماح للقطاع الخاص بالعودة لتجارة الأسمدة والتوجه نحو تحرير سوق الأسمدة خلال الفترة القادمة، وطالبوا بضرورة استمرار المساندة والدعم الحكومي للمزارع أسوةً بما يحدث في جميع دول العالم.. في الوقت نفسه يرى آخرون أن قرار تحرير سوق الأسمدة يبقى على علاقة المزارع بالأسمدة على أساس العرض والطلب، وبالتالي سيخدم القطاع الزراعي ويأتي في صالح المزارع والشركات والتجار.

 

وكانت الحكومة قد أعلنت منذ ثلاث سنوات عزمها تحرير سوق الأسمدة في بداية العام الحالي إلا أنها أجَّلت القرار، وهناك اتجاه لتنفيذ القرار بداية الشهر القادم، وبلغ الإنتاج من الأسمدة الأزوتية في مصر حوالي 1.61 مليون طن مكافئ يقوم بإنتاجها القطاع الخاص من خلال 4 شركات، بالإضافة إلى شركات قطاع الأعمال العام المملوكة للحكومة وتوجه إنتاجها للسوق المحلي في حين تُصدر شركات القطاع الخاص إنتاجها للخارج.

 

يقول شريف الجبلي رئيس الجمعية المصرية لتجار وموزعي الأسمدة: إن تحرير سوق الأسمدة له العديد من الإيجابيات على الاقتصاد الزراعي؛ حيث يقضي على السوق السوداء، ويرشد من استهلاك المزارعين للأسمدة، بالإضافةِ إلى التنوع في استخدام عناصر الأسمدة؛ لأن الاعتماد الأول حاليًّا على الأسمدة الأزوتية وبكمياتٍ ضخمة في حين يتم تجاهل الأسمدة الفوسفاتية، كما أن هذه الخطوة ستوفر على الدولة أموالاً طائلة، ويضيف الجبلي أن وزارة الزراعة ما زالت تدرس تحرير السوق، مؤكدًا أن الفترة الحالية مناسبة لاتخاذ قرار التحرير؛ لأن الأسعار المحلية والعالمية متوازنة، وليس هناك فوارق كبيرة بينهما.

 

ويؤكد الجبلي أهمية وضع الدولة ضوابط وقواعد منظمة لتوزيع الأسمدة لضبط الأسعار والحد من انفلاتها في حالة ارتفاعها بالسوق العالمية وحماية المزارع، مشيرًا إلى أهمية توفير مخزون إستراتيجي من الأسمدة ببنك التنمية والائتمان الزراعي لمواجهة أي مشكلة طارئة بالسوق.

 

سوق الاحتكار

 الصورة غير متاحة

 أحوال الفلاحين والمجالات الزراعية تدهورت بشكل كبير في ظل سياسات الحزب الوطني

   ويختلف معه في الرأي الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمعهد القومي للتخطيط، مؤكدًا أن قرار تحرير سوق الأسمدة سيكون له العديد من الانعكاسات السلبية، ولا يوجد لدينا سوق حر بالمعنى المتعارف عليه، وسوق الأسمدة مليء بالاحتكارات والشركات المنتجة بالسوق تابعة للحكومة وبنك التنمية والائتمان الزراعي يسيطر على عملية التوزيع، وبالتالي فإن الإنتاج والتوزيع يمر بأكثر من حلقة حتى يصل للمزارع، وتعدد هذه الحلقات يزيد من الانحرافات، ويحقق أرباحًا احتكارية لصالح التجار والمصنعين على حساب المزارعين وتحرير سوق الأسمدة سيتيح الفرصة للمزارعين، خاصةً أن شركات الأسمدة الموجودة بالسوق تحصل على الدعم الحكومي من خلال الحوافز الاستثمارية والطاقة المدعمة، وبذلك فإن الحكومة ستدعم المصانع والمزارع البسيط سيتحمل كل الأعباء، وهو في الأصل الأحق بالدعم.

 

وتساءل صيام: هل يبيع المزارع الأرز بالسعر العالمي حتى يشتري الأسمدة بالأسعار العالمية؟ ومن غير المعقول أو المقبول تحرير السوق في ناحية والإبقاء عليها دون تحرير في نواحي أخرى.

 

وأضاف صيام: نحن مع عملية التحرير، ولكن لا بد من ضوابط وقواعد حاكمة لهذا التحرير، وعلى أن يكون التحرير كاملاً وليس جزئيًّا أو انتقائيًّا ومنع سياسة الاحتكار، وتحديد أساليب سليمة لحلقات التوزيع سواء بنك التنمية أو الجمعيات التعاونية؛ لأن ذلك يضر بصغار المزارعين، مشيرًا إلى أن المزارع هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة.

 

وأضاف أن الأسمدة تمثل 20% من تكلفة الإنتاج، وتحرير السوق سيكون له انعكاسات مباشرة على إجمالي تكلفة الإنتاج، وبالتالي أسعار السلع الزراعية، وأكد صيام أن جميع دول العالم تدعم مزارعيها؛ حيث إن المزارعَيْن الأوروبي والأمريكي يحصلان على مساندة ودعم حكومي بنسبة 30% من تكلفة الإنتاج، خاصةً أن التجارة العالمية للمنتجات الزراعية لم تحرر حتى الآن.

 

ويقول د. صلاح مقلد أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة عين شمس: إن وزارة الزراعة تخلَّت تمامًا عن المزارع المصري، وبالفعل تم تحرير مستلزمات الإنتاج، وارتفعت أسعارها بنسبة 100%، وأدَّى ذلك إلى صعود أسعار مختلف السلع الزراعية وشركات الأسمدة هي المستفيد الوحيد من السياسة الزراعية الحالية، وحققت مكاسب تتعدى ملايين الجنيهات، والمستهلك هو المتضرر الأول، مشيرًا إلى أن وزارة الزراعة غابت وتركت المزارع دون أية مراعاةٍ لطبيعة وظروف السوق المصري، وكانت البداية منذ إلغاء نظام الدورة الزراعية.

 

سلاح ذو حدين

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد الخولاني

   ويُحذِّر الدكتور أحمد الخولاني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الزراعة بمجلس الشعب من آثار قرار أمين أباظة وزير الزراعة بتحرير أسعار الأسمدة وتركها لمبدأ العرض والطلب.

 

ويؤكد أن تحرير الأسعار سلاح ذو حدين؛ حيث من المفترض أن تبقى العلاقة بين المزارع والأسمدة علاقة عرض وطلب، ولكن المشكلة أن الطلب أكثر من العرض، وصدور ذلك القرار في ذلك الوقت بالتحديد سيجعل المواطن البسيط عرضةً لاستغلال تجار السوق السوداء.

 

ويضيف أن بنك الائتمان الزراعي كان يقوم بالإشراف على عملية البيع ممثلاً عن الحكومة؛ الأمر الذي يجعله في حالة استقرار نسبي، ولكن بعد القرار والظروف المحيطة سيصاب المزارعون بالتوتر، وخاصةً مع قابلية السوق المصرية لانتشار السوق السوداء دون "ضابط أو رابط" وقد يتجاوز سعر الشيكارة الـ250 جنيهًا، وفي النهاية يكون المواطن البسيط هو ضحية الغلاء.

 

ويؤكد د. الخولاني أن استمرار القرارات الوزارية المتكررة المعتادة ستؤدي بسوق الاستثمار الزراعي إلى الانقراض، وهو ما أثبته الوزير في مواقف وقرارات متعددة، واتجاه المستثمرين لزراعة الكنتالوب والفراولة والبطيخ وامتناعهم عن زراعة المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والقطن.

 

ضد الفلاحين

من جانبه يقول إبراهيم حجازي مدير مركز الأرض إنه رغم استقرار أسعار الأسمدة المصرية إلا أن قرار الوزارة سيفتح الباب أمام تجار السوق السوداء، وخصوصًا أن بنك الائتمان الزراعي يمتلك 70% من إجمالي الأسمدة التي يحصل عليها المزارعون، مضيفًا أن المتضرر الأكبر هو المواطن البسيط الذي سيتحمل ارتفاع أسعار الأسمدة أحد المدخلات الأساسية في العملية الزراعية، في حين يقوم المزارع برفع الأسعار لتحقيق أرباح تغطي خسائره.

 

ويضيف أن هناك نوعين من الأسمدة الأول تنتجه شركات مصرية للإنتاج المحلي وتبلغ نسبته 80% من الناتج العام و20% لشركات المناطق الحرة بغرض التصدير، وكلاهما ينتجان قرابة 14 مليون طن سماد في السنة.

 

ويرى حجازي أن قرار الوزير كان متسرعًا؛ لأنه أغفل موظفي وعمال الجمعيات والمراكز الزراعية المنتشرة في القرى والقائمة على عمليات التوزيع والبيع للفلاحين؛ الأمر الذي سيتسبب في تشردهم أو اتجاههم إلى السوق السوداء بحكم علاقاتهم الوثيقة بالشركات المصنعة للأسمدة.

 

ويقول عادل وليم رئيس جمعية أولاد الأرض: إن المشكلة ليست في عملية تحرير سوق الأسمدة، ولكن في ارتفاع أسعارها؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 100% وتحرير السوق بالكامل سيؤدي لارتفاع أسعارها، بالإضافةِ إلى صعود أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي بشكلٍ عام بما يعرض صغار المزارعين لمزيدٍ من الضغوط، وأشار وليم إلى أن السوق المصري تتوافر به الأسمدة، وتُلبي احتياجاته، ويتم التصدير للخارج، وطالب وليم بمساندة الحكومة للمزارع المصري، وتقديم الدعم الكافي أسوةً بما يحدث في العالم كله، وفي مقدمته الدول الغربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.