يحتفل المسلمون-  كلما هلَّ شهر ربيع الأول من كل عام-  بذكرى مولد الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ولا شك أنها ذكرى عزيزة أثيرة لدى نفوس المسلمين، محببة إلى قلوبهم، مرتبطة بوجدانهم وذلك لما يمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير عميم على البشرية جميعها، وبالأخص المسلمين منهم، فهو صلى الله عليه وسلم الذي جاءنا بالإسلام، ونزلت عليه آيات الله البينات، وعن طريقه، صوّبت البشرية وجهتها، وتوجهت بكل كيانها للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وأسلمت وجهها له سبحانه فزالت عنها لوثات الشرك، وتحررت من قيود الذل والعبودية لأي من البشر أو الحجر أو الشجر، أو النظم، وكل ما من شأنه صرف العبودية والطاعة لغير الله عز وجل.

 

وكل مسلم يستشعر رحمة الله وفضله بأن هداه إلى صراطه المستقيم، وطريقه القويم عن طريق هذا النبي العظيم، ونوجز ذلك بأن نشير إلى:

1- أننا نستشعر، ونوقن، أن الله عز وجل قد مدّ إلينا طوق النجاة، وحبل الإنقاذ، فنجانا بهذا الدين، من المهالك، ومن الظلمات، وأبصرنا الطريق إلى عالم النور، إلى البصر والبصيرة، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾ (البقرة)، ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)﴾ (إبراهيم).

 

2- أن الحياة الحقة، لا تتحقق إلا بالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إذ الحياة التي نقصدها ليست هي الحياة "الفسيولوجية" التي تستمد وجودها من المأكل والمشرب والتناسل فقط فهذه المكونات يشترك فيها كل مخلوقات الله.

 

ويتميز الإنسان بأن فطرته نقية نظيفة طاهرة متوجهة إلى ربها.. له مثلٌ وقيم، وله رسالة ويدرك أنه مخلوق لغاية سامية لتحقيق العبودية لله عز وجل، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، وبالتالي فإن القدر الذي يشترك فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات لا يحقق له الحياة الحقة والمعتبرة عند الله عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾ (محمد).

 

وكما أخرجنا الله بالإسلام، من الظلمات إلى النور، فهو كذلك، نقلنا من الموت إلى الحياة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾ (الأنعام).

 

ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين لكل الدنيا وكل الجن والإنس، وكل المخلوقات لا نبي بعده، ولا كتاب بعد القرآن الذي أنزل عليه ولا دين بعد الإسلام، إلى يوم الدين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

 

وقد درجت-  منذ أن كنت شبلاً في الإخوان في بداية الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي-  على رؤية ومعايشة ما كانت تقوم به الشُّعب في كل القطر من إعداد الاحتفالات المناسبة بالمولد النبوي الشريف، وما تقدمه من أناشيد في هذه الذكرى، ومشاهد تمثيلية، واستعراضات للكشافة، تطوف أنحاء البلاد والقرى، وتذكر الناس بأمجاد الإسلام، وبالأمل في استعادة الماضي المجيد، لبناء مستقبل زاهر للأمة حيث تقيم الإسلام، وشرع الله، واقعًا حيًّا معاشًا في حياتها، وتسعد بذلك في دنياها وآخرتها.

 

وأحسب أن الاحتفالات بهذا الشكل قد طورت الأداء من أمور نمطية خالية من الروح والحياة وتقتصر على الشكليات ولا تدفع إلى العمل الجاد المثمر، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في واقع الحياة... أقول، قد تطور الاحتفال إلى شكل عملي إيجابي بعيد عن الانحراف والتهويم.

 

كيفية الاحتفال بالذكرى

أمتنا والحمد لله تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزره وتوقره، وتنزله المنزلة اللائقة به صلى الله عليه وسلم وكما يذكر الأستاذ محمد قطب في كتابه (قبسات من الرسول): "لا أحسب أحدًا من البشر نال من الحب والإعجاب ما ناله محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعه المؤمنين لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا نهى الله لهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه ومع ذلك فإن درجة الحب التي يتوجهون بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تكاد تفلت أحيانًا في قلوب بعض المسلمين فلا يمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد وإن بعضهم لتصيبه حالات من الوجْد في حب الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لينسى نفسه وتختلج مشاعره وقسمات وجهه وتنهمر عيناه بالدموع ثم لا يفيق من قريب، حتى بين أجف المسلمين قلبًا وأغلظهم مشاعر!!

 

ولن تجد منهم من لا يتوجه للرسول صلى الله عليه وسلم بالحب والتعظيم ولو كان يعبد الله على حرف ولا يقيم كثيرًا من قواعد الدين) ثم يقول (ومع ذلك فإني أحسب أن كثيرًا من المسلمين وخاصة في هذه الأعصر الحديثة لا يقدرون الرسول صلى الله عليه وسلم حق قدره حتى وهم يتوجهون إليه بالحب، بل حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس!! ذلك أنه حب سلبي لا صدى له في واقع الحياة، وإن صورة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب هؤلاء المؤمنين لتعاني عزلة إيمانية عميقة).

 

ومن هنا، نأتي إلى قضية هامة جدًّا، وهي قضية العلم والعمل والنظر والتطبيق والقول والفعل، وهذه إشكالية كبرى تواجه الدعاة، إذ إن تخلف الفعل عن القول، والعمل عن العلم، يحتاج منا إلى معالجة بهدوءٍ وتأنٍ، وإلى واقع عملي واقعي يتمثل أول ما يتمثل في الداعية نفسه كقدوة عملية (أصلح نفسك وادع غيرك) فإصلاح النفس يتحقق بأن يصل كل فرد إلى الجهد الذاتي الدءوب في أن تكون عقيدته سليمةً وعبادة صحيحةً وخلقه متينًا، وأن يكون مثقف الفكر واسع المعرفة وغير ذلك من الصفات العشرة التي ركز عليها الإمام البنا في بناء الفرد المسلم، ولا أحسب إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعهد أصحابه ويتفقدهم وهو يربيهم على مسار هذه الدعوة، ويأخذهم إلى سلم التكامل والشمول في هذه التربية، وهي بلا شك قد أنتجت جيلاً متميزًا وفريدًا، وهو جيل بفضل الله قابل للتكرار، إذا وُجدت العزيمة والإصرار، واتخذت الأسباب والمعايير التي تعين على تهيئة الظروف والمناخ المهيأ لبناء هذا النبت الطيب.

 

الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

نعم، إن خير ما نحتفل به في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتأسى به في كل شأن من شئون حياتنا، وأن نحيى سنته الشريفة في واقعنا العملي، ونتحرك بذلك في كل دوائر حياتنا مع أبنائنا وزوجاتنا ونوادينا وجيراننا وزملاء العمل، وفي مساجدنا ونوادينا ومنتدياتنا، إلخ.

 

ويهمنا في هذه المعالجة أن نقتبس من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوانب الآتية:

1- الإيمان بالدعوة التي شرفنا الله بها، وألزمنا إياها، إيمانًا تنجلي معه كل الشبهات وتزول به كل العوائق والمثبطات، ويكن ذلك من الوضوح والجلاء ما يشع نورًا في القلب وقوةً في اليقين ونعمل دائمًا على زيادة هذا الإيمان ونماء هذه الهداية، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد).

 

2- أن نفهم الإسلام بالصورة التي جاءتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تشتبك عندنا المعاني ولا تلتبس لدينا المصطلحات، ولا نتوه في دروب الفلسفات والتأويلات، وندور مع أحكام الشرع حيث دارت، ويسعنا ما وسع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تلقوا الفهم الصحيح والمنهج السليم في التعامل مع أحكام الشرع ومقاصد الإسلام في كافة مجالات الحياة دون غلو ولا تهاون، أو إفراط وتفريط، فهم بحق الأمة الوسط، وخير أمة أخرجت للناس.

 

3- الثبات على الحق، والتمسك به، وعدم التفريط في جزئية من أجزائه.. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)﴾ (الزخرف).

 

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74)﴾ (الإسراء).

 

والسيرة النبوية زاخرة بمواقف عظيمة من الثبات على المبدأ والتضحية من أجله، والانتصار له كما أن تاريخ دعوة الإخوان المسلمين وجهاد رجالها في الميادين المختلفة، تجعل رصيد التجربة والخبرات السابقة في مجالات الخير والفضل وعلو الهمة ماثلاً للعيان وقابلاً للتطبيق والتكرار بإذن الله.

 

4- والصبر من الدروس الرائعة التي نتأسى بها برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين وسائر العاملين الصادقين، إلى وقتنا هذا، ذلك أن الابتلاء سنة ماضية في الدعوات إلى قيام الساعة ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت).

 

وطريق الدعوة محفوف بالمكاره والمخاطر.. والصراع بين الحق والباطل مستمر ودائم.. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

ولا نجاة للمؤمن ولا منجى له إلا بالصبر، وقد خاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالتزام الصبر والتمسك به ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: من الآية 35).

 

ونحن نواجه دائمًا صعوباتٍ شتى في طريقنا وتربص قوى متعددة بنا، وليس لنا- والله- إلا الصدق والصبر، بل والصبر الجميل.. والعاقبة للمتقين بإذن الله.