- العقوبات غير رادعة وتشجع الشركات الوهمية

- غياب أجهزة الرقابة والمحاسبة وراء الظاهرة

 

تحقيق- إيمان إسماعيل والزهراء عامر:

"ادفع بالتقسيط واستلم فورًا"، "بادر بحجز قطعتك، "10 دقائق فقط من مصر الجديدة"، "المواصلات والمعاينة مجانية وخصم خاص لحامل الإعلان".. إن لم تكن ضحية نصب لأحد هذه الإعلانات فقد مررت كثيرًا بتلك العناوين لإعلانات شركات عقارات وهمية تبيع ما لا تملكه بعقود مزوَّرة لأيٍّ من الحالمين بامتلاك شقة أو أرض بسعر معقول، خاصةً في المدن الجديدة ومحافظة حلوان.

 

ملايين الجنيهات سرقتها تلك الشركات من بيع مئات الأفدنة الوهمية بأسعار تتراوح بين 1200 جنيه و40.000 جنيه للفدان الواحد، ويضع محترفو عملية النصب أسوارًا حول قطعة الأرض التي يعاينها الضحية، فيما يقوم معظم تلك الشركات الوهمية بوضع يدهم على قطعة أرض تملكها الدولة لفترة معينة قبل أية دعاوى قضائية تطَالَب فيها بإثبات ملكيتها لها، وخلال هذه الفترة التي تمتلئ بالنزاعات القضائية تقوم بتقسيم قطعة الأرض وبيعها للضحايا من المواطنين.

 

وفي تخصيص الأراضي الزراعية يكون للأرض ملف كامل في وزارة الزراعة بموافقة جميع الجهات المعنية، وتقوم الشركة بتسديد جزء ضئيل من ثمن الأرض على أن تسدِّد باقي ثمنها عند زراعتها، وقبل هذه الخطوة تكون الشركة قد جمعت 10 أضعاف سعرها ثم تهرب، وتضع الضحايا في نزاع مع وزارة الزراعة.

 

أسباب عديدة يذكرها الخبراء لتزايد عمليات النصب تلك؛ أولها انشغال الشرطة بالأمن السياسي، وإغفالها تتبع شركات النصب التي تعلن عن نفسها بجرأة غير عادية، وكذلك ضعف العقوبات على تلك الجرائم؛ ما خفَّف من الردع العام والخاص لدى مرتكبيها.

 

(إخوان أون لاين) رصد بعض حالات النصب العلني على المواطنين، كما بحث مع خبراء القانون والاقتصاد سبل العلاج الواجب اتباعها لمواجهة تفاقم تلك الظاهرة.

 

فخ علني!

رشا فهمي (33 عامًا) تعرَّضت مع زوجها لعملية نصب منذ 10 سنوات من إحدى الشركات الوهمية بحدائق الزيتون، تقول: "دفعت 5 آلاف جنيه كمقدم شراء قطعة أرض بالطريق الدائري، وحين ذهبت في الموعد وجدت أن مكتب الشركة لا يتعدَّى كونه مكتب محاماة، ولا وجود للشركة"، وما زال القضاء ينظر دعواها المرفوعة أمامه فيما فقدوا الأمل في استرداد أموالهم.

 

إسلام شفيق (محاسب) تعرَّض لعملية نصب في قطعة أرض، مساحتها 300 متر بطريق حلوان، وبعد أن دفع ألف جنيه مقدمًا اكتشف بيع نفس قطعة الأرض لأكثر من شخص، وحال رجوعه إلى مقرِّ الشركة اكتشف أنه لا وجود لها، وتمَّ رفع العديد من القضايا في المحاكم، ولكن بلا جدوى.

 

أما أحمد ضياء (مهندس) فيروي أنه كان على وشك الوقوع فريسةً لإحدى تلك الشركات بجنوب حلوان على طريق "الأتوستراد"، وذهب فعلاً لمعاينة مجانية للأرض، وعند مطالبته بصورة من ملكية الشركة للأرض- للكشف عن الأوراق بالهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية- بدأت الشركة في التهرُّب منه ليكتشف أنها عقودٌ مزورةٌ وشركة نصب.

غياب الوعي!

 ويرجع علي كمال (المحامي المتخصص في شئون العقارات) تفاقم ظاهرة النصب العقاري إلى ضعف النظام القانوني الذي يسمح لأي فرد بإنشاء شركة والإعلان عنها بمجرد حصوله على بطاقة ضريبة وسجلٍّ تجاريٍّ، دون التأكد من حقيقة عمل هذه الشركة ومراجعتها مراجعةً أمنيةً، منتقدًا تعنُّت الحكومة فقط ضد الشركات الخاصة بالطباعة والكمبيوتر لتأمين مهمة الشرطة الأولى، وهي الأمن السياسي وأمن الرئيس.

 

ويوضح أن أساس شركات تقسيم الأراضي قانونيٌّ تمامًا بمجرد امتلاكها بطاقةً ضريبيةً وسجلاً تجاريًّا، والتي يستطيع صاحب الشركة أن يحصل عليها خلال 24 ساعة من بدء إجراءات التقدم، بالإضافة إلى شرط توافر مقرٍّ للشركة، والذي يسهل تحقيقه باستخدام قانون الإيجار الجديد.

 

ويضيف أن أصحاب هذه الشركات يتآمرون على المواطنين ويستخدمون أساليب وحيلاً مختلفةً لجذب الضحايا لشراء أراضٍ تملكها الدولة، مستغلِّين غياب الأمن لعمل معاينات في وضَحِ النهار لادِّعاء إثبات امتلاكهم هذه الأراضي، فضلاً عن سيل التسهيلات من قِبَل أصحاب الشركات الوهمية الذين يقومون بها من خلال التقسيط المريح للمستهلك؛ لجذبه بشتى الوسائل، وتحلية العرض في عينه ليُقبل على شراء هذه الأراضي والتورُّط فيها.

 

وفيما يتعلق بالعقوبة التي تقع على مرتكبي تلك الجرائم يقول: إن أصحاب هذه الشركات الوهمية بعد القيام بنهب أموال المواطنين والنصب عليهم لا يوقَّع عليهم سوى عقوبة بسيطة لا تتعدَّى 3 سنوات سجنًا؛ ما يشجِّع مزيدًا من النصَّابين على الخوض في تلك العملية؛ لاقتناعهم باستحالة كشفهم، وحتى إذا تمَّ القبض عليهم يوقَّع عليهم بالسجن سنوات قلائل، يكون قد كسب خلالها الملايين.

 

ويرى أن الجانب الكبير من المشكلة يقع على المستهلك؛ لأنه لا يلجأ إلى محامٍ متخصص قبل التعاقد حتى يتأكد من صحة الأوراق؛ فهو بتلك الطريقة يكون قد شارك هؤلاء النصابين في الوصول إلى هدفهم بعدم قيامه بالإجراءات القانونية المفترض اتباعها.

 

ويشير إلى أن التأكد من صلاحية الشركات يتم من خلال معرفة رقم تسجيل شركة الأراضي في الشهر العقاري، والذهاب به إلى الجهة التي تمَّ التسجيل بها، ويحصل طالبها على صورة من عقد التسجيل.

 

عشوائيات

 الصورة غير متاحة

 د. مجدي قرقر

وعلى الصعيد العمراني يقول الدكتور مجدي قرقر أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة إن تفاقم تلك الظاهرة وزيادة عمليات النصب على المواطنين في الأراضي الوهمية، يعود أولاً وأخيرًا إلى سوء تخطيط الحكومة وإدارة مساحات الأراضي الشاسعة التي تقع تحت سيطرتها؛ لدرجة أنها في كثير من الأحيان لا يكون لديها حصرٌ بأعداد أراضيها، ولا تدرك إذا كانت تابعةً لها أم لا، ثم تكتشف في وقت متأخر أن أراضيها تمَّ التلاعب بها وبيعها ممن لا يملكون إلى الضحايا من المواطنين.

 

ويشير إلى أن ذلك يفتح الباب أمام هؤلاء النصَّابين، الذين قاموا بالتلاعب بالعديد من المواطنين، وقاموا ببيع تلك الأراضي للكثير بأوراق مزيفة، والمواطن في النهاية دائمًا هو الضحية.

 

ويرى أنه على الجانب الآخر إذا كانت الحكومة على علم بعدد أراضيها فإن عمليات النصب تكون تحت رعايتها؛ حيث يقوم بعض المسئولين في الحكومة بالتواطؤ مع أصحاب تلك الشركات الوهمية في تسهيل عملية النصب على المواطنين، من توفير الأوراق وغيرها، ثم يقتسمون الغنيمة بعدها فيما بينهم.

 

ويُرجع أسباب تفاقم تلك الظاهرة إلى زيادة أسعار الأراضي؛ ما يجعل المواطنين ينساقون وراء أية إعلانات زهيدة، دون التأكد من مدى صلاحيتها، فضلاً عن زيادة لجوء المواطنين إلى المدن والتحام المحافظات ببعضها دون وجود فواصل بين الواحدة والأخرى، مؤكدًا أن كل ذلك يؤدي إلى مزيد من تلاعب النصابين بأموال المواطنين.

 

ويشدِّد على ضرورة أن تقوم الحكومة باتخاذ خطوات حقيقية في تلك المسألة؛ نظرًا لتفاقم تلك الظاهرة يومًا بعد يوم، ولأن الخسائر التي تعود على المواطن تُكبِّده آلافًا أو ملايين من الجنيهات؛ لأنه يكون قد دفع ما وراءه وما أمامه من أموال حتى يقوم بشراء تلك الأرض التي سيَبني عليها أحلامه، مستنكرًا عدم إدراج ذلك البند في جهاز حماية المستهلك إلى الآن وعدم موافقة مجلس الشعب عليه.

 

ويضيف أن هؤلاء النصَّابين يتفنَّنون في اختيار الأراضي حتى يقوموا بالنصب من خلالها على المواطنين، مشيرًا إلى أن أراضي الطريق الدائري من أكثر الأماكن التي يتركَّزون فيها، وهو ما يُغري المواطن في أن يُقبل عليها؛ نظرًا لأنه بمثابة شريان النقل للعديد من المناطق وربطه مواصلات لجميع المحافظات، وبذلك تقوم الشركات باستقطاب أكبر عدد ممكن من المواطنين حتى يقعوا في الفخ.

 

ويوضح أن الحكومة لا تقوم حتى بتحديد الأراضي وفرض العقوبات، مستشهدًا بطرق مثل طريق حلوان والمحور، على الرغم من انتشار شركات النصب العقاري بها فإن أغلبها لا يصلح للبناء، لا هندسيًّا ولا قانونيًّا؛ لعدم صلاحية الأراضي للبناء أو الزراعة، وعدم وجود تراخيص بناء، فضلاً عن غياب أي منافذ اجتماعية تُذكر تساعد على الحياة فيها، والحكومة في غيبوبة من ذلك أو تتعمَّد إغفاله.

 

وأكد استحالة وقف عمليات النصب إلا بسنِّ تشريعاتٍ جديدةٍ، تردع المجرمين، وتضع حدًّا للإعلانات المضللة، وطالب بسرعة إدراج تلك القوانين في جهاز حماية المستهلك، ملمحًا إلى أنه إذا ما ترك الوضع على ما هو عليه، فإن الظاهرة ستتفاقم إلى أبعد مدى، وستهدِّد مصر بعشوائيات جديدة كما حدث بالهجانة وغيرها من المناطق.

 

فريسة سهلة

 الصورة غير متاحة

رجب أبو زيد

ويوضِّح النائب رجب أبو زيد عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أن انتشار ظاهرة شركات النصب- سواء في الأراضي أو العقارات- سببه الرئيسي عدم تفعيل القوانين والعقوبات، من توقيع الحبس والغرامات، فيغيب الرادع لهؤلاء النصابين.

 

ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في وجود قانون عقوبات من غيره، وإنما تكمن في كيفية تفعيل ذلك القانون وتطبيقه، والآلية التي يتم التعامل بها مع ذلك القانون، مشيرًا إلى وضع اللجنة التشريعية للعديد من القوانين الرادعة لنصَّابي الأراضي والعقارات، إلا أن متابعة تنفيذ تلك العقوبات وملاحقة تلك الشركات الوهمية شبه منعدم.

 

ويشير إلى أن شركات الإعلان التي تعلن عن تلك الأراضي تُسهم بشكل كبير في انتشار تلك الجريمة؛ لعدم سعيها في التأكد من صحة الجهة التي تتعامل معها، مشددًا على ضرورة تكاتف الجهود لمواجهة عمليات النصب هذه؛ حتى تتمَّ حماية المجتمع فلا يكون فريسةً سهلةً لتك الشركات.

 

الاقتصاد الأسود

 الصورة غير متاحة

د. جهاد صبحي

ويُرجع الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر أسباب تفاقم تلك الظاهرة إلى ضعف سيطرة الدولة على كافة ممتلكاتها؛ ما جعلها لعبةً في أيدي العابثين، فضلاً عن عدم وجود حصر دقيق لممتلكات الدولة من الأراضي التي تتيح الفرصة لضعاف النفوس بالاستيلاء عليها وبيعها للمواطنين، بالإضافة إلى عدم وجود تشريعٍ رادعٍ لهؤلاء المفسدين وطول فترة التقاضي؛ ما يؤدي إلى ضياع حقوق أصحابها.

 

ويتهم د. صبحي "الواسطة" المتفشية في البلاد بتسهيل عمليات النصب واستخدام طُرُق غير مشروعة مثل الرشاوى لاستخلاص أوراق مزوَّرة لملكيات زائفة أو حقيقية.

 

ويؤكد أن الحكومة مسئولة عن تشجيع نصَّابي الأراضي، مشيرًا إلى قضية المستثمر المصري وجيه سياج؛ الذي باعت له الحكومة أراضي طابا وفي نفس الوقت قامت ببيعها لأشخاص آخرين؛ ما كلف الدولة ما يزيد عن 140 مليون دولار كتعويض، بناءً على التحكيم الدولي، مؤكدًا أن تلك الظاهرة تدخل ضمن مسمَّى "الاقتصاد الأسود"؛ لأنه دخل تحت طائلته فساد وضياع للمال العام.