اختتمت احتفالية جائزة شاعر مكة محمد حسن فقي مساء أمس فعاليات دورتها العاشرة والندوة العلمية المصاحبة لها تحت عنوان "المدينة المنورة في الشعر العربي".

 

تمَّ خلال الحفل تسليم الجوائز للمبدعين الثلاثة الذين فازوا في هذه الدورة، وهم: الدكتور يوسف نوفل أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس في فرع الإبداع في نقد الشعر، والشاعران مسعود حامد، وياسر أنور في فرع الإبداع في الشعر.

 

أكد الدكتور يوسف نوفل الفائز بجائزة نقد الشعر أن الشعر هو السند والدليل على وجودنا العربي أمام المتربصين به، والذين يحاولون تزييف تاريخنا.

 

وألقى الشاعر ياسر الفائز بجائزة الشعر "مناصفة" عن ديوانه، ورقة في بريد المتنبي؛ قصيدةً نالت استحسان الحضور.

 

وخلال جلستي اليوم الأخير للندوة العلمية المصاحبة لاحتفالية الجائزة، والتي ترأسها كلٌّ من الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، والدكتور محمود الربيعي، استعرض المشاركون ست أوراق بحثية.

 

وفي بحثها الذي حمل عنوان "مدرسة المدينة المنورة في عصر المبعث"، وألقاه نيابةً عنها الدكتور عبد الله التطاوي نائب رئيس جامعة القاهرة السابق، بيَّنت الدكتورة مي يوسف خليف رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة؛ أن شعر المدائح تحوَّل عند شعراء المدينة إلى صادق القول على نحو ما نرى لدى الأفذاذ من شعراء الجاهلية حتى أثنى عمر- رضي الله عنه- على زهير من دونهم حين رآه لا يمدح الرجل إلا بما هو فيه.. فكان منطق الصدق الأخلاقي هو الحاكم الأول لشعراء المدرسة الجديدة؛ لأنهم يقولون ما يفعلون، حتى لينطبق عليهم الاستثناء الوارد في سورة الشعراء من أن منهم فئة ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (الشعراء: من الآية 227).

 

وأوضحت في بحثها أن شعراء مدرسة المدينة المنورة كان لهم دور بارز في تطوير مسيرة الشعر العربي في ظل الإسلام من عدة نواحٍ، منها:

أن المعجم الإسلامي قد وجد سبيله من خلال فكر شعراء المدرسة ووجدانهم، فصدروا عنه وعيًا وفهمًا وإدراكًا واستيعابًا حتى بدا غالبًا على أشعارهم بقدر غلبته على فكرهم ووجدانهم، وربما بقيت لديهم بعض القسمات الجاهلية الفنية في مطالع القصائد، بما لا يؤثر سلبًا على مستوى التحول عبر معطيات الدين الجديد في محتوى النص الشعري وبناء محتواه في سياق مادة المعجم المستحدث.

 

ومنها أيضًا أن أخلاقيات شعراء المدينة ظلَّت على سموها وأصالتها؛ اقتداءً بالمصطفى عليه السلام حالة وجوده بين ظهرانيهم، فكان النموذج والأسوة والقدوة التي لا بد أن يظل دورها وقدرها مع انتشار الدين الجديد، وحتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ظلَّت أخلاقيات المدرسة في نفس الاتجاه من خلال تعامل الشعراء مع خلفائه الراشدين- رضي الله عنهم- ومع استمرار الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، ونشر قيم الصفح والتسامح والرحمة والعدل والحق والخير والجمال.

 

وكذلك حرص شعراء مدرسة المدينة المنورة على تصوير بيئتها الروحية وقيمها السامية، بقدر ما صوروه من وقائع مرحلة نشأة الدولة الإسلامية من خلال الغزوات المتلاحقة التي اعتدى فيها المشركون واليهود على المسلمين، فكان عليهم واجب الرد، وهو نفس المنهج الذي سارت عليه مدرسة الشعر المدني في رد العدوان بمثله بعيدًا عن الفحش والإقذاع.

 

وأضاف أن مدرسة المدينة جنحت- حينًا- إلى الفخر بالأنصار والمدح الديني لهم في مقابل تعنت شعراء الشرك في مكة، ومع هذا حاول بعض الشعراء الجمع بين الأمريْن على طريقة كعب بن زهير؛ حين شغله مدح المهاجرين وهو في معكسر الأنصار، ومع هذا حدث التوازن في مدائح المدرسة من المنظور الأخلاقي الإسلامي بشكلٍ متميز.

 

 وقال إن كل موضوعات الشعر في مدرسة المدينة صارت قابلةً للتجديد والتحديث بدءًا من قيم المديح والفخر إلى سالبها في الهجاء، إلى ماضيها في الرثاء، إلى ما حدث من تحولٍ في رقة النسيب ونقاء الغزل بعيدًا عن التشبيب والغزل الصريح، إلى ما غلب على سلوكيات الشعراء من أدب الحوار والترميز أحيانًا، مع تواصل التيار مع منظومة القيم الإسلامية الحاكمة لعلاقة الرجل بالمرأة على أساسٍ من الاحترام والعفة والطهر والنقاء من جانب آخر.

 

حسان بن ثابت

وأكد الدكتور عثمان موافي الأستاذ بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية، في بحثه بعنوان "الموقف النقدي من شعر حسان بن ثابت، أن إنتاج حسان بن ثابت الشعري، قد حظي باهتمام كثيرٍ من النقاد والباحثين قديمًا وحديثًا، ولعل من الشواهد التي تدل على ذلك هذه التحقيقات والطبعات الكثيرة التي حظي بها ديوان هذا الشاعر، في جميع قارات الأرض، وبلغت تسع طبعات.

 

ومن أوائل النقاد الذين أطلقوا أحكامًا نقديةً على شعر حسان، الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني، الذي كانت تُضرب له قبةً حمراء من أدم في سوق عكاظ، وتأتيه الشعراء لتعرض عليه أشعارها، ثم يُبدي رأيه النقدي فيما سمع منها.

 

ومن الشعراء الذين وفدوا عليه، الأعشى، والخنساء، وحسان بن ثابت، الذي عرض عليه شعره، بعد أن أنشدته الخنساء (فقال له: إنك لشاعر، وإن أخت بني سليم لبكّاءة).

 

واستعرض د. موافي في بحثه عددًا من أبرز قصائد حسان بن ثابت التي حظيت برؤى نقدية قديمًا وحديثًا، كما ناقش صحة وأسباب، مقولة إن شعر حسان في الإسلام كان ألين من شعره في الجاهلية.

 

الشعراء "الرسوليون"

وقدَّم الدكتور يوسف بكار، الأستاذ بجامعة اليرموك الأردنية، بحثًا بعنوان "الثلاثي الشعري المدني الرسولي، بين الأصمعي وابن سلام الجمحي"، وقال بكار في بحثه إن الثلاثي المقصود هم حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك الأنصاريّ، وعبد الله بن رواحة، والثلاثة "رسوليون"، لأنهم أضحوا، بعد أن أسلموا، شعراء الدّعوة الإسلاميّة، وشعراء الرسول، فهو الذي ندبهم دون غيرهم، بعد أن قدَّم إلى المدينة؛ لأن يتصدوا لمَن تناوله بالهجاء من شعراء قريش، وقال "لعبد الله بن رواحة: رُدَّ عنّي، فذهب في قديمهم وأوّلهم، فلم يصنع في الهجاء شيئًا.

 

فأمر كعب بن مالك، فذكر الحرب...، فلم يصنع في الهجاء شيئًا، فدعا حسَّان بن ثابت، فقال: اهجهم، وائتِ أبا بكر يُخْبْرك- أي بمعائب القوم؛ لهذا، أصبح حسّان شاعر الرسول الأول.

 

واستعرض د. بكار في ورقته البحثية سيرة كل شاعرٍ من الثلاثة، ومميزاته الشعرية، ونماذج من شعره بعد الإسلام، وموقف كلا الناقدين- الأصمعي وابن سلام- من شعر هؤلاء الشعراء الرسوليين.

 

وأوضح الدكتور عالي سرحان القرشي، الأستاذ بجامعة الطائف بالمملكة العربية السعودية، في بحثه "اختلاف المدينة المنورة وتميزها في وجدان الشعراء عن بقية المدن"، وقدَّم خلاله قراءة في نصوص شعراء معاصرين، كتبوا عن المدينة المنورة، سواء ممن أقاموا فيها، أو تعلَّقت أرواحهم بطيبها.