ممدوح الولي يفتح الملف الشائك:
- إحصائيات للعشوائيات متضاربة
- الحكومة في ورطة وتخشى الاقتراب من الملف وحجمه مخيف
- مصر تنتظر انفجار قنبلة موقوتة في تلك المناطق وقودها الانتقام
- 1/2 مليون أسرة جديدة سنويًّا يقابلها 160 ألف وحدة سكنية فقط!!
حوار- إيمان إسماعيل:
تزايدت تحذيرات الخبراء من أن العشوائيات تمثل حزامًا ناسفًا حول مصر، وأنها قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومي لمصر، وتنذر بكارثة عظمى في مصر إذا لم يتم تداركها في أسرع وقت؛ حيث يوجد على أقل تقدير 1000 منطقة عشوائية في مصر، يسكنها ما يزيد عن 10 ملايين فرد؛ وذلك وفق إحصائيات المدن فقط.
يتزامن ذلك مع موجة الغضب التي تجتاح ساكني عشوائيات مصر، واحدةً تلو الأخرى، فما تكاد تسكن إحداها حتى تهب الأخرى غاضبة، وما إن تسكن تلك حتى يهبَّ عشرات المناطق غيرها ثائرين؛ إما مستنكرين تسميتهم منطقةً عشوائيةً، وهم لديهم كافة المرافق ويقومون بتحصيل فواتيرها شهريًّا تبعًا للحكومة، وغيرهم في بالغ الاستياء من قرارات الهدم والإزالة التي هبطت عليهم من سماء المسئولين دون أدنى إنذار، بعدما عاشوا في تلك المناطق داخل تلك المنازل لأكثر من 50 سنة مضت ولم يخبرهم أحد بأي مشكلات تحوم حول مساكنهم أو أي خطر يتهددهم، وغيرها العديد من المشكلات المشابهة.
(إخوان أون لاين) التقى صاحب كتاب "العشش والعشوائيات" والذي بمجرد صدور كتابه هذا قيل عنه: "إن كان لدى وزارة عاطف عبيد أي قطرة دم لاستقالت فور صدور ذلك الكتاب"؛ وذلك من خطورة الأوضاع في العشوائيات وتهديدها لمستقبل مصر الأمني التي قام بعرضها صاحب الكتاب، الكاتب الصحفي ممدوح الولي، مساعد رئيس تحرير (الأهرام) للشئون الاقتصادية والباحث المتخصص في شئون العشوائيات؛ فإلى الحوار:
* كثيرًا ما تردَّد في الآونة الأخيرة لفظ "خطر العشوائيات" أو "عشوائيات لا بد من إزالتها"، بدايةً متى نطلق على منطقة أنها عشوائية؟!
** عندما تخلو من شروط التنظيم؛ بمعنى أن المواصفات الهندسية لم تتحقق فيها، فلا بد من أن يكون المنزل ذات مساحة معينة تسمح بحركة الأفراد بداخله بشكلٍ طبيعي، فضلاً عن ضرورة وجود فتحاتٍ بشكل معين حتى يدخل الهواء والشمس إلى ذلك المسكن، بالإضافة إلى ضرورة وجود الشوارع بعرض معين لا يمكن تخطيه، وضرورة وجود مسافات بين المنازل وبعضها البعض، فعندما لا يتوافر كل ذلك أو جزء منها يطلق على المكان أنه منطقة عشوائية.
* وما السبب في تزايد العشوائيات عامًا تلو الآخر إلى أن أصبحت كابوسًا يطارد أمن مصر؟
** الناس في تكاثر وأعدادهم تتضاعف، وهم في حاجةٍ إلى أن يحيوا ويأكلوا ويشربوا، فيلجئوا وقتها إلى صناعة حلول من تلقاء أنفسهم للتكيف مع البيئة من حولهم، فيبدأ أحدهم مثلاً بعمل عربة لبيع الخضار على إحدى النواصي، ويقوم الأهالي من حولهم في تلك المنطقة بالإقبال عليهم للشراء؛ لاحتياج كلاهما إما للأكل وإما لمصدر رزق، ويتم ذلك دون وجود أي منذرٍ لهم بأن ما يقومون به مخالفٌ للقانون، أو دون وجود بدائل لهم، فمن هنا تنشأ العشوائية في الأسواق، وهكذا في بقية أنواع العشوائيات أخطرها عشوائيات السكن؛ حيث يبلغ المتوسط السنوي لعقود الزواج في مصر حوالي 500 ألف زيجة جديدة، أي أن نصف مليون أسرة جديدة تتكون في العام الواحد بحاجة على الأقل إلى نصف مليون وحدة سكنية جديدة، فضلاً عن أن هناك 70 ألف حالة طلاق في العام، وهؤلاء أيضًا بحاجةٍ إلى مساكن إضافية نتيجة استقلال كلٍّ من الزوجين، إلى جانب ذلك فإن هناك جزءًا من المباني مرَّ عليه فترة طويلة جدًّا، وأوشك أن ينهار، ولم يعد صالحًا للسكن، ويحتاج إلى تجديدٍ قبل أن ينهار، وهناك جزء آخر يهاجر من الريف إلى المدن بحثًا عن عملٍ أفضل، فأين دور صانع القرار والمسئولين في كل ذلك؟ وأين الخطط طويلة المدى لتدارك تلك الأزمة؟.. لا أعلم.
الغريب أنه في ظل ذلك فإن متوسط البناء سنويًّا أقل من160 ألف وحدة فقط - وفقًا للتقارير الرسمية- وفي أحيان كثيرة يكون أصحاب تلك المساكن من ذوي المستويات الفاخرة الذين لديهم العديد من المساكن البديلة، فبالتالي تتضاعف الفجوة بين الطلب والعرض، وبين احتياجات الناس والمتوافر لديهم، فيبدأ المواطنون إلى اللجوء لتدبير حالهم من أنفسهم، ويبدءون بالبناء في أي مكانٍ آخر حتى يحلوا مشاكلهم ويستطيعوا العيش.
80% عشوائيات!
* وما رأيك في مساكن بها كافة المرافق الحكومية من ماء وكهرباء وصرف صحي.. ثم يُقال عنها "منطقة عشوائية لا بد من إزالتها"؟!
** 80% من مساكن القاهرة تدخل بذلك في إطار العشوائيات؛ لأنها لا تراعي المواصفات الهندسية، ولا تراعي أيًّا من الاشتراطات الموضوعة، ولأن التنسيق بين الجهات المسئولة عن متابعة المواصفات الهندسية وإدخال المرافق منعدم فيكتشف بعد مرور سنوات طوال أنها مخالفة للاشتراطات المطلوبة، وأنها منطقة عشوائية بعدما يكون الأهالي استقروا فيها وكافة المرافق دخلت إليهم.
* كيف يتم تدارك ذلك الخطأ؟ ومَن يتحمَّل العواقب؟
** لأن تعامل الحكومة مع ملف العشوائيات غوغائي، فمن المستبعد أن يتم أي تطوير للعشوائيات بتلك المناطق، وبالطبع المواطن المطحون هو مَن يتحمَّل العواقب، وهو الخاسر طوال الخط.
فإلى يومنا هذا غير معروف ليس عدد سكان العشوائيات، بل حتى عدد المناطق العشوائية، فهناك رقم صادر من جهاز التعبئة والإحصاء، ورقم آخر لدى وزارة التنمية الاقتصادية، ورقم مغاير تمامًا في مركز بحوث الإسكان، وغيره لدى وزارة التنمية المحلية، أو في إدارة الحكم المحلي، فهناك حوالي ما يزيد عن 9 أرقام متضاربة لعدد المناطق العشوائية في مصر، وأنا أزعم أنها كلها غير صحيحة.
* لماذا؟
** لأنه عندما تمَّ آخر حصر للعشوائيات في عام 1992م، لم يكن التنميط المتبَع في عملية الحصر واحدًا، فلم يضع القائمون عليه تعريفًا محددًا للمنطقة العشوائية حتى يتم تطبيقه على الكل، وقياس ما إذا كانت تلك المنطقة تدخل في حيِّز العشوائيات من عدمه، فكان الحصر كله سريعًا وغوغائيًّا، وآخر حصر لعدد العشوائيات كان في عام 1992م، ومنذ ذلك التوقيت إلى يومنا هذا ظهرت بالطبع الآلاف من المناطق العشوائية، والتي هي خارج نطاق الحصر لدى الحكومة حاليًّا.
رقم مخيف
* معنى ذلك أن هناك عشوائيات لا تعرف الحكومة عنها شيئًا؟

** الجهات الحكومية من الممكن أن تكون على علمٍ بالعدد الحقيقي للمناطق العشوائية وعدد سكانها، لكنها لا ترغب في إعلان ذلك رسميًّا؛ لأن الرقم مخيف بلا شك، خاصةً أن الحكومة في "ورطة"، ولا تعرف آليةً محددةً للتعامل مع ذلك الملف؛ لذلك هو خارج نطاق الاهتمام لديها خوفًا من الانغماس فيه بلا قدرة على علاجه.
* ما مدى الخطورة التي تشكِّلها تلك العشوائيات على المناطق المحيطة بها؟
** الخطورة في أن العشوائيات تحدث انفصامًا بين قاطني العشوائيات والمجتمع من حولهم، فمثلاً كنتُ في إحدى العشوائيات في شبرا الخيمة، وكنت مرافقًا وقتها لأحد المواطنين فيها الذي هو في الثلاثين من عمره، ويسكن في عشة منذ أن وُلد، فأثناء سيرنا وجدنا عمارةً ضخمةً تحترق فقلتُ له: "هيا نساعد في إطفائها"، فردَّ عليَّ في عجالةٍ: "نساعد إيه، دا أنا أجيب جاز وأحطه عليها علشان تزيد"، فقلت له في تعجُّب: لماذا؟ أليس للمجتمع حقٌّ عليك؟، فردَّ عليَّ قائلاً: "المجتمع عمل لينا إيه، وبقي لي كام سنة مش لاقي لا سكن ولا شغل"، وشخص آخر قال لي عندما كنا نقوم بإرسال البطاطين للعراق: "مش إحنا أولى بالبطاطين دي؟، ده إحنا ولاد البلد".
فهؤلاء يجري الانتقام في دمائهم، فلا يمكن أن يُسهموا في بناء أو نهضة مجتمع بأي شكلٍ يُذكر، وهو ما ثبت في عام 1977م، عندما خرج آلاف المواطنين من المناطق العشوائية، وقاموا بتدمير مئات المنافذ التجارية، وقاموا بسرقة بضائعها، فما نخاف منه ونترقبه في القريب قيام ثورة مثل هذه لساكني العشوائيات في مصر نتيجة تفاقم الأوضاع لديهم.
قنبلة موقوتة
* وهل تتوقَّع أن يحدث هذا؟
** من المتوقَّع حدوثه قريبًا؛ لأن العشوائيات تلفظ آخر أنفاس الصبر لديها تجاه الحكومة، فإذا ما اتفقت أكثر من منطقة عشوائية فيما بينها، وخرجت ثائرةً على أوضاعها كما حدث في عام 77، فستكون وقتها مصر في أزمة حقيقية ولن تستطيع وقتها السيطرة على الأوضاع.
فأهالي المناطق العشوائية يشعرون بعدم الانتماء وعدم الاستقرار الدائم، فهم بلا أسرة وبلا عمل، ولا يستطيعون توفير المسكن ولا الزوجة، وفي نفس الوقت على الجانب الآخر يرى أمامه ساكني القصور والفلل والعمارات الفاخرة، فكل ذلك يخلق لديه نوعًا من الغل وروح الانتقام والتمرد على المجتمع الذي حوله.
فهو يرى الفساد ولا يستطيع الكلام، ولكن ذلك الصمت لن يطول كثيرًا؛ لأن العشوائيات بمثابة القنبلة الموقوتة التي من المتوقع أن تنفجر في أية لحظة، ووقتها ستقع مصر في أكبر كارثة وأزمة على مرِّ تاريخها.
* وكيف ترى وضع العشوائيات الآن في مصر ونحن في بدايات عام 2010م؟
** العشوائيات مع مرور كل تلك الأعوام ما زالت خارج نطاق أولوليات الحكومة، وليست في خريطتها أبدًا، خاصةً أن الحكومة المصرية منذ سنوات طوال ليس لديها رؤية بعيدة المدى ولا إستراتيجية تحكم وضع العشوائيات فيها، فهي تمضي من منطلق "اللي صوته أعلى نهتمّ بيه"!!
تمامًا مثلما حدث مع رجال الأعمال وعمال الضرائب، فما إن رفعوا أصواتهم وأعلنوا تضررهم من الضرائب، حتى تمَّ تخفيض الضرائب 20%، وهكذا.. فكلما كانت فئة في المجتمع ذات صوتٍ عالٍ فإن طلباتهم تصبح أوامر لدى الحكومة؛ ولأن سكان العشوائيات ليس لهم قوى سياسية وليسوا منظمين فإلى الآن لم يلتفت إليهم أحد.
* وماذا عن المظاهرات التي يقيمها من فترةٍ لأخرى بعض تلك العشوائيات.. ألا تمثل عامل ضغط على الحكومة؟
** إلى الآن لم يقع منهم حدث كبير يزعج السلطة، كلها فعاليات محدودة، وسرعان ما يقوم الأمن باحتوائها وقمعها في الحال؛ لأنهم ضعفاء ومقهورون، فلا يوجد أي أثر لما يقومون به، وبالتالي الحكومة لا تضعهم في الحسبان، فهي تمثل عامل ضغط إذا ما كان هناك عمل منظَّم وتنسيق بين عددٍ من المناطق؛ بحيث يكون لهم صوت قويٌّ ودويٌّ يُزعج السلطة، وتشعر تجاههم بخطرٍ حتى تخلق لهم الحلول وقتها وتسعى لاسترضائهم.
مسكنات وقتية
* وما تقييمك للسياسات التي تتبعها الحكومة في علاج تلك المشكلة؟
** منهج الحكومة المصرية دائمًا طوال حياتها هو الإدارة بالأزمات، أو ما يُسمَّى بمنهج إطفاء الحرائق، فهو منهج أثبت فشله التام، ولا يصلح اتباعه، فمثلاً عندما تغرق باخرة في البحر الأحمر تهرول في تلك الفترة بالاهتمام بالبواخر وإصلاحها وسن القوانين، وإنشاء الهيئات الخاصة بذلك، وإذا ما حدث صدام أحد القطارات تُسرع في الخطى لتطوير السكك الحديدية وتخرج بتصريحات براقة، وإذا ما تُوفي أحد بسبب أعمدة النور المكشوفة تعالج أعمدة النور وتقوم بتغطية الأسلاك المكشوفة، وهكذا.
فكلما انتقلت إلى مشكلة تنسى تمامًا ما قبلها من مشكلات، ولا تقوم بمتابعة ما صرَّحت به من مشاريع وقرارات في فترة سابقة، فالحكومة المصرية ليس لديها رؤية شاملة أو إستراتيجية محددة حتى تمضي في كل تلك الاتجاهات معًا.
ملف تائه!
* وماذا عن وضع ملف العشوائيات تحديدًا لدى الحكومة؟

** ملف العشوائيات تائه لدى الحكومة، وليس لديه صاحب أو مسئول، فلا يوجد جهاز داخل الوزارة يسمَّى جهاز متابعة العشوائيات، وكل ما تم من حصره لدى العشوائيات هو حصرٌ لعشوائيات المدن فقط، أما عشوائيات الريف فلا يوجد لها أي إحصائيات.
وسياسة الحكومة المصرية حتى تهرب من تلك الأزمات المتوالية عليها أن تقوم بالإعلان عن خلق كيان جديد لإبهار الرأي العام بأن المشكلة ستنحلُّ بذلك الكيان، مثال ذلك أنَّ مستوى التعليم متدهور، ويهرول المسئولون لإنشاء هيئة جديدة تحت اسم هيئة جودة التعليم، فالأَولى بدل خلق هيئة جديدة أن يتم تحسين التعليم من الأساس وتحسين مستواه لا تكوين كيان جديد.
فكلها مسميات جديدة كنوعٍ من تأجيل الحل؛ لأن المسئولين لا يعلمونه، فهم في ورطة ولا يعرفون الحل من الأساس.
* وماذا عن إسهام صندوق تمويل مشروعات تطوير العشوائيات في حل الأزمة، والذي بدأ بـ500 ألف جنيه كدفعة أولى؟
** الصندوق رغم مرور تلك الفترة على إنشائه إلا أنه ما زال في طور التسخين، فبعد أزمة الدويقة في عام 2008م خرج علينا رئيس الوزراء بفكرة إنشاء صندوق بنصف مليار جنيه، والذي أعلن خلاله أن ذلك المبلغ كبداية فقط لتشغيل الصندوق، إلا أن الصدمة الكبرى تأتي بالنظر في موازنة عام 2009/2010م، والتي تمثل مخصص الإنفاق لدى الحكومة حتى يتمَّ تحديد ما سيتم إنفاقه في كل قطاع على حدة.
فكانت الصدمة البالغة عندما قُرر أن صندوق تطوير العشوائيات محدد له 28 مليون جنيه فقط، منها 10 ملايين جنيه أجور، فما تبقى 18 مليونًا فقط، كيف سيتمُّ توزيعها على المناطق العشوائية؟ وكل منطقة كم المبلغ المخصص لها؟ وعلى أيِّ أساس؟، وكيف سيتمُّ تطوير المرافق بتلك المبالغ؟.
فلا يمكن أبدًا بذلك المبلغ الزهيد أن يتم معالجة أي شيء مطلقًا، فضلاً عن أن التعامل بمنطق "كل سنة نعالج جزءً بالقطارة" هو منطق فاشلٌ تمامًا ولن يؤتي بثماره؛ لأن إصلاح منظومة العشوائيات وعلاجها لا يأتي بقطرة الإصلاح تلك، فعدد سكان العشوائيات يتتضاعف يوميًّا، فبالتالي الأوضاع تزداد تدهورًا فيها، ولا يكون هناك أيُّ أثر ملموس لقطرة الإصلاح الحكومية تلك، بل يتضاعف الإهمال ويغطي على ما تمَّ إصلاحه فيبدءوا السنة التي تليها في إصلاح المشاكل من الصفر بعد أن تكون قد تفاقمت.
فتأجيل الحلول والمعالجة بالمسكنات الذي تتبعه الحكومة مع المبالغ الزهيدة لا يمكن أبدًا حل المشكلة معها.
معوقات حكومية
* ولكن الحكومة تُبرر أن الميزانية لن تسمح بأكثر من ذلك فما تعليقك؟
** الموازنة بالطبع بها عجز كبير جدًا يتعدى الـ100 مليار جنيه، لكن القضية الخطيرة في مصر أن هناك ما يسمى بالحتميات، وهي تشمل بداخلها أجور الموظفين، والتي من المفترض أن تتعدى الـ86 مليار جنيه، فضلاً عن الأموال الموجهة للدعم، وللمعاشات وللجيش، ولفوائد وأقساط الحكومة، فما يتبقى بعدها من أموال شيء بسيط جدًا في الموازنة، ويذهب هذا أيضًا إلى الاستثمارات لبناء الطرق والكباري والمدارس وغيرها، فضلاً عن أن 10% من الموازنة موجه للاحتياطات.
![]() |
فالأولويات في ميزانية الدولة أغلبها موجه للحتميات، ولا يتبقى بعدها أموال إضافية؛ لأن أولويات الإنفاق لدى الحكومة عديدة، والعشوائيات ليست من ضمنها.
فنحن لدينا العديد من الموارد، ولكن توجيها في حاجة إلى نوع من الدفعة السياسية، مثل ثورة أو مظاهرات قوية، وعلى الفور وقتها ستقوم الحكومة بكل سهولة بتوجيه جزء من الـ10% تلك إلى العشوائيات.
وأبرز دليل على ذلك عندما حدثت كارثة الزلزال في عام 1992م، لو ذهب أي فرد إلى محافظة القاهرة قبل الزلزال بيوم واحد لاحتياجه لمسكن لظروف ما لكان الرد الفوري عليه "اصبر 4 سنين قدام" ، ولكن بعد الزلزال قامت المحافظة بتسكين الآلاف لحدوث دفعة سياسية حركت سبات الحكومة العميق.
* وماذا عن إمكانية الجهود الشعبية في أن تحتوي الأزمة وتتداركها؟
** وقت الحل إذا ما أرادت الحكومة لن تكفي الحكومة لوحدها، فنحن في حاجة إلى الحكومة والمنظمات الأهلية؛ لأن المشكلة كبيرة وضخمة، ولكن أن تنوي جهة شعبية منفردة بحل مشكلة العشوائيات فهذا مستحيل؛ لأن الحكومة تخلق المعوقات لأي جهة تتبرع بأن تتبنى مشكلة العشوائيات.
فمثلاً البنك الأهلي عندما أعلن عن قيامه بإنشاء شركة لتطوير منطقة بولاق أبو العلا ظلَّت المحافظة تتبع خطواتهم إلى أن أغلقتها في وجههم، وخلقت لهم المعوقات إلى أن توقفت الشركة تمامًا، وتخلت عن قرارها.
وأيضًا خلال سنوات قلائل ماضية قدم رجال أعمال مصريين وسعوديين وقاموا بإنشاء صندوق بنصف مليار دولار لعلاج العشوائيات في مصر، وأعلنوا إنشائهم لهذا المشروع على نفس نمط شركة "سوليدير" التي عمرت وسط بيروت، ولكن لم يمر سوى شهرين أو ثلاثة حتى خلقت لهم الحكومة العقبات إلى أن توقف الموضوع تمامًا.
وكان هناك دكتور يسمى عبد الباقي إبراهيم كان رئيسًا لقسم العمارة بهندسة عين شمس، وكان لديه رغبة حقيقية في حل أزمة العشوائيات، فقام بعقد عدد من الجلسات لتبادل الخبرات مع تجارب مشابهه، مثل تجربة الهند وسيلانو وبعض الدول الأفريقية، فقام بمسح للتجارب، وبحث في سبل شتى لتمويل ذلك المشروع، وبحث في كيفية توفير مساكن بديلة بأسعار زهيدة تكون في متناول أيدي الأهالي، إلا أنه بعد كل تلك الجهود قامت المحافظة برفض مشروعه لخروج جمعية جديدة تسمى جمعية اسمها "إسكان المستقبل" تابعة لجمال مبارك!! فعلى الرغم من أن المشكلة كبيرة وفي حاجة إلى أكثر من 20 جمعية.
فالحكومة ليس لديها نية حقيقية لإصلاح مشكلة العشوائيات ولا تترك غيرها يعمل للإصلاح، وما تعلنه من تصريحات يقال في فترات معينة، كنوع من امتصاص غضب المواطنين، وحتى يشعروا بأن الحكومة تُجري شيئًا لصالحهم هناك فيتم تخديرهم وتسكنهم فترة ما.
حل من السماء!
* نفهم من ذلك أن حل أزمة العشوائيات منعدم ولا يوجد أي أمل في إصلاحها؟
** بلد لا يوجد فيها رؤية ولا إستراتيجية ولا اهتمام بحل مشكلات مواطنيها، هل متوقع أن يأتي حل من السماء لعلاج مشاكلها، فوضع العشوائيات سيبقى على ما هو عليه طالما أن الحكومة معرضة عنه، بل ستتفاقم الأوضاع وتتدهور أكثر من ذلك بمراحل.
* فما هي رؤيتك لحل الأزمة إذن؟
لا بد من تناول أي مشكله بشكل علمي، وبحث أسبابها وحجمها، حتى يمكن النظر في كيفية معالجتها، وفقًا لما يناسب قدرات الأهالي، بالإضافة إلى ضرورة أن لا يتم التخطيط من قبل المسئولين من أعلى كراسيهم، بل لا بد من النزول إلى قلب تلك المناطق والوقوف على رغبة واحتياجات الأهالي الحقيقية فيها.
