- شريف قاسم: توصيل الدعم لمستحقيه عناوين حكومية زائفة
- حافظ منصور: إلغاء دعم البترول خطوة أولى نحو الخصخصة
- فرج عبد الفتاح: ضريبة ضمنية جديدة يفرضها النظام على الفقراء
- محمود عبد الحي: سياسة حكومية لتجويع الشعب ووضعه تحت ضغوط
- أشرف بدر الدين: ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات الفقر والبطالة والجريمة
تحقيق- أحمد الجندي:
"الخواجة لما بيفلس يقلب في دفاتره القديمة".. هذا المثل ينطبق تمامًا على سياسة الحكومة المصرية التي أفلست، فعكفت على البحث في كيفية جمع الأموال من الشعب المصري المطحون، فغمرته بموجة من القوانين الظالمة التي تعيدنا إلى عصور الظالمين الذين يجمعون الضرائب والجباية والمكوس من الشعب الضعيف المقهور، والتي أبى النظام إلا أن يتخذهم قبلة له في صياغة قوانينه المسلطة على رءوس العباد من قانون الضرائب العقارية الذي أثار جدلاً واسعًا في الشارع المصري، ومشاريع قوانين رفع الدعم الحكومي التي تحاول الحكومة بكل ما أُوتيت من قوة فرضها على الشعب، قبل نهاية مجلس الشعب الحالي مثل: مشروع قانون التأمين الصحي، ومشروع قانون التأمين الاجتماعي الموحد وغيرها.
هذا إلى جانب ما أعلنته الحكومة على لسان سامح فهمي وزير البترول برفع الدعم عن السلع والمنتجات البترولية على مدار السبع سنوات القادمة، بزعم ترشيد الدعم وتوصيله لمستحقيه، والمقرر أن يترتب عليه "كالمعتاد" انفلات أسعار جميع السلع والمنتجات الرئيسية، وزيادة الجحيم الذي يعيشه المواطن المصري في ظل الحالة الاقتصادية والمعيشية المتردية للمواطنين.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من هم مستحقو الدعم من وجهة نظر الحكومة؟ أصحاب المصانع والشركات الكبرى أم رجال الأعمال المقربون أم المواطن المطحون، وهل سيوجه هذا الدعم إلى خدمة قطاعات حيوية مهمة مثل: الصحة، والتعليم، والمرتبات، والمصروفات العامة، وتحسين مستوى الخدمات؟
(إخوان أون لاين) يجيب عن هذه التساؤلات في سطور التحقيق التالي على لسان نخبة من الخبراء والمتخصصين.. فإلى التفاصيل:
![]() |
|
د. شريف قاسم |
يقول الدكتور شريف قاسم الخبير الاقتصادي وعضو مجلس نقابة التجاريين: إن مصطلحات ترشيد الدعم وتوصيل الدعم لمستحقيه هي مجرد عناوين، ترفعها الحكومة لكسب التعاطف، أما الغرض الحقيقي من رفع الدعم هو التخلي كليًّا عن المواطن المصري، وتخفيف العبء عن الميزانية التي أثقلتها الديون التي تجاوزت الـ800 مليار جنيه، بعد أن باعت الدولة كل مصادر الدخل من المصانع والشركات التي ركبت قطار الخصخصة، ولم يعد لدى الحكومة أي موارد للتمويل، فلم يتبق أمام الحكومة سوى خيارين هما الاقتراض من الأغنياء أو فرض الضرائب وتقليل الدعم.
ويشير إلى أن هذا النهج ليس جديدًا على الحكومة، ولكنها سياسة متبعة لأكثر من 20 عامًا، تتجه إلى الانحياز للأغنياء على حساب الطبقة المتوسطة والفقراء.
وحول إمكانية توجيه هذا الدعم لقطاعات حيوية أخرى يقول د. قاسم: إن كلمة توصيل الدعم لمستحقيه هي "كلمة حق يُراد بها باطل"؛ إذ كيف يحول الدعم العيني للخبز إلى دعم نقدي؟ متسائلاً باستنكار: هل إذا تم رفع سعر الخبز إلى 25 قرشًا مثلاً سيعطون الناس الهائمين على وجوههم علاوة خبز؟!
ويوضح د. قاسم أن من يقوم باتخاذ القرارات وصياغة القوانين داخل الغرف المغلقة لا يشعرون بالمواطنين، ولا يعرفون شيئًا عن معاناتهم اليومية، ولم يركبوا يومًا "أتوبيسات ولا ميكروباصات"، وبالتالي فإن كافة القرارات والقوانين الحكومية لا علاقة لها بالمواطنين، بل تكون معظمها ضدهم، وتلقى على كاهلهم المزيد من الأعباء.
ويضيف أنه ليس من الذكاء أن تعمل الحكومة للقضاء على المواطنين المصريين وإفنائهم؛ لأن ذلك سيجعل الفقراء ومحدودي الدخل يديرون ظهورهم للحائط، ولا يجدون أمامهم سوى الثورة، محذرًا الحكومة من ثورة وهياج عارم تجتاح الشارع المصري، يتصدرها الفقراء ومعدومو الدخل.
إفلاس الحكومة
ويرى الدكتور علي حافظ منصور أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن الحكومة تقوم بتنفيذ مخطط لإلغاء الدعم عن كل شيء، وسلب المواطنين أبسط حقوقهم، مؤكدًا أن الحكومة أفلست، وتحاول تعويض إفلاسها من جيوب المواطنين؛ حيث وصل إجمالي الدَّين العام المحلي إلى 813 مليار جنيه، وتجاوز عجز الموازنة العامة للدولة حاجز الـ100 مليار جنيه.
ويضيف د. منصور أن الحكومة تتعامل مع الشعب المصري بنظرية "اضرب رأسك في الحيط، ولو المواصلات زادت امشي، ولو السكر زاد ما تأكلش حلويات ولا تشرب شاي"، موضحًا أن الحكومة تمادت في توسيع تطبيق تلك النظرية وتطورها من الحين إلى الآخر؛ بسبب سلبية الشعب المصري في التعامل مع القرارات الحكومية الجائرة ضده، واستسلامه والتزامه بتلك القرارات الجائرة تحت الشعار السلبي "يا عم خلينا نعيش وامشي جنب الحيط".
ويرى د. منصور أن رفع الدعم عن المنتجات البترولية يعد خطوة أولى في طريق خصخصة شركات البترول وبيعها، ومن ثم تحكُّم رجال الأعمال في أسعار الطاقة ورفعها كما يشاءون، مؤكدًا أن هذا ينذر بزيادة غير مسبوقة في معدل التضخم وارتفاع الأسعار بشكل قياسي.
ويحذِّر من خطورة مخطط رفع الدعم الذي تنفذه الحكومة، والذي من شأنه أن يزيد من معدلات الفقر والبطالة، ويساعد على تفشي الأمراض الاجتماعية؛ لانعدام الدخل وارتفاع معدلات الجريمة.
ضريبة ضمنية
ويستبعد الدكتور فرج عبد الفتاح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة توصيل الدعم المتوفر من رفع الدعم؛ بزعم إعطائه لمستحقيه عن طريق الخدمات الصحية والتعليمية أو الخدمات العامة، مشككًا في قدرة الحكومة على ذلك في ظل العجز المزمن في الموازنة العامة للدولة التي تحاول الحكومة تحميل الفقراء مسئولية علاجهم عن طريق إلغاء أو تخفيض الدعم؛ وهو ما يعتبره د. عبد الفتاح بمثابة ضريبة ضمنية يدفعها المواطنون دون سن قوانين أو فرض زيادات ضريبية أخرى.
ويضيف د. عبد الفتاح أن الحكومة تسعى لإلغاء الدعم وتتخذ من ترشيد الدعم وتوصيله لمستحقيه حجة لهذا الإلغاء، وشتان بين الأمرين، فترشيد الدعم وتوصيله لمستحقيه أمر مطلوب، ولكن إلغاءه يعد فشلاً للحكومة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي؛ لأن للدعم وظائف اجتماعية مهمة، في مقدمتها الحفاظ على نسيج المجتمع.
ويؤكد د. عبد الفتاح أهمية توصيل الدعم لمستحقيه من الفقراء ومحدودي الدخل بأي صورة؛ سواء كان نقديًّا أو عينيًّا، مرجحًا أن يقدِّم الدعم بشكل عيني؛ لأن هناك فئات كثيرة لا تعمل بقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص؛ مثل الحرفيين والعاطلين، ومن نطلق عليهم هؤلاء "على باب الله".
سياسة تجويع
ويقول الدكتور محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومي: يجب على الحكومة قبل أن تلغي الدعم عن المنتجات وتحاسب المواطنين بالأسعار العالمية؛ أن تعامل المواطن المصري كما تتعامل الدول التي تتخذها الحكومة المصرية "قبلة لها" مواطنيها في المرتبات والأجور، كما طالب بأن تقوم الحكومة بتحصيل المتأخرات الضريبية على كبار رجال الأعمال، والتي تجاوزت الـ60 مليار جنيه، وإعادة هيكلة الضريبة المفروضة على المشروعات الكبرى التي يمتلكها رجال الأعمال بأن تكون هناك شرائح تصاعدية حسب مكاسبهم وأرباحهم العالية، بدلاً من أن ينهكوا المواطنين الفقراء برفع الدعم عنهم.
ويؤكد د. عبد الحي أن النهج الذي تتبعه الحكومة في رفع الدعم بصفة عامة يغذِّي التضخم، ويرفع الأسعار، وينتج شرائح متزايدة من الفقراء، ويضع المواطنين تحت ضغوط لا تتيح لهم التفكير في شيء سوى "لقمة العيش".
ويتهم الحكومة بالكذب بشأن الأرقام المعلنة عن الدعم المقدم للمنتجات البترولية، قائلاً: إن الأرقام المعلنة غير صحيحة؛ حيث يقاس الدعم المقدم بتكاليف الإنتاج، وليس بالأسعار العالمية، كما تفعل الحكومة.
ويستنكر د. عبد الحي احتكار حكومة الحزب الوطني لكل شيء، وتعطيلهم للدور الرقابي لمجلس الشعب بأغلبيتهم المتواطئة، قائلاً: "طالما مفيش برلمان يحاسبهم؛ فمن حقهم أن يفعلوا بنا ما يشاءون".
ودعا أصحاب الأقلام الحرة إلى أن يقفوا في وجه هذه الموجة الطاغية من القوانين الجائرة التي تسلطها الحكومة على رقاب الشعب؛ حتى لا يقعوا تحت طائلة قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف).
المواطن أسهل
أشرف بدر الدين

ويؤكد النائب أشرف بدر الدين عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب أن الأموال التي ستوفرها الحكومة من رفع الدعم؛ بحجة توصيله لمستحقيه لن يصل للشعب المصري منها شيء، مستبعدًا توجه للقطاعات الحيوية المهمة مثل الصحة والتعليم والمصروفات العامة والمرتبات وغيرها.
ويرجع بدر الدين ذلك إلى زيادة عجز الموازنة بصورة كبيرة جدًّا وصلت إلى 100 مليار جنيه هذا العام، ومن المتوقع أن تزيد إلى 110 مليارات جنيه العام القادم، وكذلك زيادة الدَّين العام الداخلي والخارجي إلى ما يقارب الـ"تريليون" جنيه، وكذلك زيادة أعباء خدمة الدَّين التي وصلت إلى 45% من الموازنة؛ حيث تتحمل الموازنة 27 مليار جنيه كأقساط، و72 مليار جنيه كفوائد للدَّين العام، وهو ما لا تتحمله الموازنة على المدى القصير أو البعيد؛ فلذلك تلجأ الحكومة إلى تخفيض ورفع الدعم وهو الحل البسيط والسهل أمام الحكومة، وليس توصيله لمستحقيه، كما تزعم الحكومة.
ويقول بدر الدين: إذا أردنا أن نصدِّق توصيل الدعم لمستحقيه، فلا بد لنا أولاً أن نحدِّد من هم "مستحقوه" من وجهة نظر الحكومة؛ هل المواطنون الفقراء أم الأغنياء من رجال السلطة والمال؟ وهذا هو الجواب الصحيح؛ إما أن يصل إلى المواطنين في شكل خدمات صحية أو تعليمية أو غير ذلك، فلا أعتقد أن ذلك سيتم.
ويرى بدر الدين أنه على الحكومة قبل التفكير في إلغاء دعم المنتجات البترولية مثلاً للمواطنين المصريين أن توقف تصدير الغاز الطبيعي للصهاينة بـ"عُشر" ثمنه، وكذلك البترول المصري الذي يحصل عليه الكيان الصهيونى بـ6,8 دولارات للبرميل منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
ويضيف أن على الحكومة أيضًا إيقاف نزيف الأموال المصرية المنهوبة في شكل دعم منتجات بترولية للدول الغنية مثل أمريكا وأسبانيا والكيان الصهيوني، والعمل على استثمار الموارد المتاحة التي من الممكن أن توفِّر مئات المليارات؛ مثل توصيل الغاز الطبيعي للمنازل الذي يوفر الدعم المقدم للبوتاجاز المستورد،
ويقول بدر الدين أن هناك حلولاً أخرى أمام الحكومة، ولكنها ستأتي على حساب الأغنياء مثل تخفيض الدعم الموجه للصناعات كثيفة الطاقة، وتحصيل المتأخرات الضريبية لدى رجال الأعمال التي تبلغ 60 مليار جنيه؛ ولكن الحكومة لا تريد المساس برجال الأعمال، وتلجأ إلى الحل الأسهل وهو تحميل أعباء زائدة على المواطنين الغلابة، محذرًا من أن هذا قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة أعباء المواطنين وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار الجريمة والمشاكل الاجتماعية.
وردًّا على سؤال؛ هل من الممكن أن تؤدي سياسات الحكومة إلى ما نسميه بـ"ثورة الجياع"؟ حذَّر بدر الدين من أن الإجراءات الحكومية من الممكن أن تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه من هياج الشعب المصري ضد الحكومة، ودعا الشعب المصري أن يطالب بحقوقه من خلال القنوات القانونية والدستورية مثل انتخابات الشورى القادمة وانتخابات التشريعية والرئاسية من خلال ممارسة حقوقهم في التغيير السلمي.
