رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة لـ(إخوان أون لاين):
- القانون الجديد يحوِّل التأمين الصحي إلى مشروع تجاري
- الهدف تخفيف الأعباء عن الدولة ونقلها لكاهل المواطنين
- الحكومة استهانت بالقضاء عندما تجاهلت مجلس الدولة
- تقسيم الأمراض يضع المواطنين لعبةً وفق أهواء الوزارة
- "القادر وغير القادر" أسلوب مكشوف للتخلي عن تقديم الخدمة
- التمويل من صندوق الكوارث يفتح الباب للمحسوبية والانتقائية
حوار- إيمان إسماعيل:
شهد مشروع قانون التأمين الصحي الجديد رفضًا كبيرًا وهجومًا حادًّا على مواد القانون المطروحة، كان أبرزها رفض مجلس الدولة لمشروع القانون، واعتراضه على 12 بندًا فيه، فضلاً عن إعلان 63 جهةً على كافة المستويات الصحية والاجتماعية والدستورية رفضها القاطع للقانون.
(إخوان أون لاين) التقى الدكتور محمد حسن خليل رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، والرئيس الأسبق لمجلس إدارة جمعية التنمية الصحية والبيئية؛ للوقوف على بنود القانون المختلفة، والتعرف على أهم جوانب مشروع القانون.. فإلى تفاصيل الحوار:
* رغم المساوئ التي تكتنف بنود قانون التأمين الصحي الحالي، إلا أنكم ترفضون مشروع القانون الجديد؛ فهل هذا يعني التمسك بالقانون القديم؟
** نحن لا نتمسك بالقانون القديم، وفي نفس الوقت نرفض مشروع القانون الجديد لأن مصائبة أكبر، فلا أحد ينكر أن التأمين الصحي في حاجه ماسة إلى التطوير، ولكن القانون الجديد هو قانون هدم وليس تطوير؛ لأن التغيير الذى يرغب وزير الصحة في تمريره من خلال المشروع الجديد هو تغيير سيدمر التأمين الصحي، وسيدمر حقوق المواطنين في الحصول على أحقيتهم في العلاج.
* ما الفرق إذن بين قانون التأمين الصحي الحالي ومشروع القانون الجديد الذي يجعل بقاء الحالي أفضل نوعًا ما من تمرير الجديد؟
** قانون التأمين الصحي عبارة عن علاقة تعاقدية بين المنتفع وبين جهة تقديم الخدمة، وتلك الجهه هي التي ستحدد حقوق كل طرف، فالقانون الصحي هو الذي يحدد حقوق المنتفع بالتأمين الصحي وهي: (الأمراض التي سيتم معالجته منها)، كما يحدد ما واجباته، والتزامته، من الاشتراكات وغيرها.
والفرق بين القانون القديم والجديد؛ هو أن الجديد جعل أساس التأمين الصحي هو الاشتراكات، بمعنى الدفع المقدم لتكاليف الرعاية الصحية في صورة اشتراكات، يقوم بدفعها المريض قبل العلاج حتى تحميه في حالة مرضه من دفع مبلغ كبير يشق عليه أو يستحيل.
* رفضتم مشروع القانون الجديد.. ما أبرز البنود التي اعترضتم عليها؟
** مشروع القانون الجديد يتضمن 32 مادةً، وأبرز اعتراضاتنا عليه الخاصة ببند الاشتراكات، وبند إنشاء هيئة اقتصادية بدلاً من الهيئة الخدمية لتقديم الخدمة لمنتفعي التأمين، وكذلك البند الخاص بتحديد ماهية الأمراض التي سيتم المعالجة منها، بالإضافة إلى بند الكوارث الشخصية.
ويكفي أن مجلس الدولة عندما تمَّ عرض مشروع القانون عليه أبدى اعترضاته على 12 مادة فيه، وحتى عندما ذهب رئيس هيئة التأمين الصحي وهو مساعد الوزير لشئون التأمين، بالإضافة إلى وكيلي وزارة المالية وكبير مستشاري وزارة المالية لمجلس الدولة، في محاولة منهم لإقناعهم بتعديل بعض البنود، والموافقة على مشروع القانون؛ فاعترض المجلس لأن التعديلات ستنال من منطق القانون نفسه.
فمنطق القانون الصحي الجديد في نظر مجلس الدولة وفي نظري خاطئ؛ لأنه سيحول مشروع التأمين الصحي من اجتماعي إلى تجاري.
استهانة بالقضاء
* رئيس هيئة التأمين الصحي سعيد راتب صرَّح منذ أيام، قائلاً إن الحكومة قررت تجاهل اعتراضات مجلس الدولة وإن سلطة مجلس الدولة استشارية فقط.. فما تعليقكم على ذلك؟
![]() |
|
د. حاتم الجبلي |
الأمر الثاني هو أنه يجوز قانونًا ألا يقوم وزير الصحة بعرض المشروع على مجلس الدولة من الأساس، ولكن بعد عرضه على مجلس الدولة وإبدائها لاعتراضاتها عليه متمثلة في الـ12 بندًا المتعارض مع الدستور، فلا يليق لا لرئيس هيئة التأمين الصحي، ولا بأي مسئول تنفيذي، ولا حتى لرئيس الحكومة أن يقول إن سلطته استشارية ويهدر ملاحظات المجلس، ويبدي إصراره على تقديم القانون لأن ذلك فيه عدم احترام من السلطة التنفيذية لسلطة القضاء.
فوزير الصحة غير معني باعتراض مجلس الدولة، وغير معني بنقد المجتمع المدني لمشروع القانون، فضلاً عن ذلك أدعى في حديث له بإحدى القنوات الفضائية أن كل الجهات موافقة على المشروع، ولا يوجد من هو معترض عليه، وحتى إن المذيعة عندما ذكرت له أنها لديها بيان موقع صادر من 63 جهةً ضد القانون، فرد عليها قائلاً أغلبها منظمات ورقية!
* ذكرتم أن من ضمن اعتراضكم على مشروع القانون الجديد البند المتعلق بنوعية الأمراض التي سيعالجها التأمين؛ فما وجه الاعتراض عليه بشيء من التفصيل؟
** القانون الجديد قسَّم الأمراض إلى حزمتين من الأمراض، إحداهما: أمراض عادية، والأخرى: أمراض كارثية، فهو بذلك خلق نوعًا جديدًا غير موجود في القانون الحالي؛ فحزمة الأمراض العادية سيقوم بتقديمها لكافة المواطنين، أما حزمة الأمراض الكارثية لن تقدِّم لكافة الناس، فحسب نص القانون ستقدِّم لبعض من الناس الذين ستستنزف مواردهم المالية بالكامل إذا ما تمت المعالجة على حسابهم الخاص.
وفي القانون الحالي هناك أمراض لا يعالجها التأمين، ولكن يبقى كل الناس فيها سواء؛ فالتأمين الصحي الحالي لا يقيم عمليات زرع قلب؛ لأن تكلفته فوق طاقة الاقتصاد المصري وفوق طاقة المواطنين، ولكن كل المواطنين فيها سواء بلا تمييز.
ومن حق رئيس الوزراء تغيير حزمة الأمراض كيفما شاء، وبالتالي سيصبح المواطنون لعبة وفق أهواء الحكومة.
أمراض القانون
مطالب بوقفة جادة ضد المشروع الجديد للتأمين الصحي
* وماذا عن مفهوم القادر وغير القادر في مشروع قانون التأمين الصحي؟ وكيف يتم تحديدها؟ وعلى أي أساس؟

** هذه من النقاط التي تمَّ انتقادها بشدة من مجلس الدولة في مشروع القانون، وقيل إن هناك توسع شديد في السلطات الممنوحة للسلطة الإدارية، فهي التي ستحدد حزمة الأمراض التي ستعالج، ومن هم القادرون وغير القادرين، كما ستحدد المستحق للعلاج التابع لحزمة الكوارث، وتلك سلطات واسعة لا يمكن أن تترك في أيدي السلطات الإدارية.
فأقل إحصائية عن نسبة الفقر في مصر وفقًا لإحصائيات صندوق النقد الدولي، قيل إنها تعادل 43%، ووفقًا لمعظم الدراسات هي أكثر من 50%، بينما الحد الأقصى لنسبة غير القادرين التي ذكرها القانون من 3 إلى 3.5 ملايين أسرة، من إجمالي 15 إلى 20 مليون مواطن، أي ما يعادل ربع السكان، وعندما تمت مواجهة وزير الصحة بذلك قال نحن لا نقصد غير القادرين، بل نقصد المعدمين تمامًا.
فعندما يكون هناك اختصاصي قلب حاصل على ماجستير، إجمالي ما يتقاضاه 600 أو 700 جنيه، ولديه أسرة مسئولة منه فهو في حكم قانون الحكومة قادر، وفي ظل ارتفاع تكلفة العلاج لا يوجد قادر، فعلاج الفشل الكلوي يتكلف للمريض سنويًّا من 20 إلى 25 ألف جنيه؛ فمن هو القادر على دفع ذلك المبلغ؟!
فالقادر وغير القادر ما هي إلا طريقة انسحاب الحكومة من تقديم الخدمات للمواطنين، وحتى تكون وسيلة لحرمان عدد كبير من المواطنين من العلاج لأن الحكومة تدعي أنهم غير قادرين.
وساطة ومحسوبية
* وكيف ترى البند الخاص بالتمويل من صندوق الكوارث؟
** وزير الصحة قال في تصريح سابق له إن صندوق الكوارث سيسهم بنسبة في تكلفة زراعة الكبد؛ لكنه سيغطي تكلفة القسطرة والدعامة بالكامل بتمويل من صندوق الكوارث، وهي كارثة كبرى؛ لأنها لن تقدِّم لكافة المواطنين كما هو الوضع في القانون الحالي الذي يسمح بصرف قسطرة فورية لمن يحتاجها دون أن يقوم بدفع أي مبالغ إضافية، ولكن وفقًا للقانون الجديد؛ فإن أي مواطن سيكون في حاجة إلى قسطرة ودعامة لن يتم صرفها له إلا عندما يقدم طلبًا على سبيل الاستثناء لوزير الصحة، يقول له فيه إن ذلك العلاج سيستنزف موارده المالية بالكامل، فيوافق وقتها لبعض الأفراد على سبيل الاستثناء.
وحتى تقوم وزارة الصحة ممثلة في وزير الصحة ورئيس هيئة التأمين الصحي بمنع وجود أي ثغرات في القانون وحتى لا يكون العلاج بصندوق الكوارث ثغرة للتوسع في الأمراض التي سيتم معالجتها، فقيل إن صندوق الكوارث سيكون له نسبة ثابتة من موارد التأمين، والتي سيحددها رئيس الوزراء، من خلال تحديد عدد من سيتلقى العلاج لقسطرة القلب والدعامة، وغيرها من الأمراض التي لن يعالجها التأمين؛ بحيث ستكون محدودة بنسبة الـ5%، أو النسبة التي ستقرر لصندوق الكوارث.
وهنا نحن أمام مثل كبير لعدم المساواة والتفرقة بين المواطنين، وغياب للعدالة الاجتماعية، فمن الغريب أن يكون هناك تأمين صحي يعالج مواطنين دون غيرهم وأمراضًا دون غيرها، فتخيل لو مرض شخص مرضًا ليس من ضمن الحزمة المحددة ماذا يفعل.. يموت؟!، وهذا يعني أن التأمين الصحى الجديد سيكون تأمينًا انتقائيًّا، يعالج بعض الأمراض دون الأخرى، والمادة الخاصة بصندوق الكوارث مادة بالكامل موضوعة للاستثناءات فقط، ولو أُسيء استخدمها- وهو متوقع مع سياسات الحكومة الحالية– فسيعمل ذلك البند وفقًا للمحاسيب والوسايط فقط.
عقبات التمويل
* من بين مبررات الحكومة لطرح مشروع قانون التأمين الصحي الجديد؛ هو أنه يحمل الهيئة القومية للتأمين الصحي أعباء إضافية، وصلت إلى 266 مليونًا، أي أن مقدار العجز فيها يُقدر بـ172 مليون جنيه؟

** لو فرض أن ذلك العجز صحيح فهو ليس بالضخم، وزيادة موارد التأمين تأتي بتوحيد القوانين، وليست عن طريق الرسوم والإسهامات.
والتأمين الصحي عندما نشأ فى مصر في سنة 1964م، كانت مبررات إنشائه أن الحكومة تقوم بعلاج المواطنين مجانًا في مستشفيات حكومية؛ لكن مع زيادة تكلفة الرعاية الصحية، أصبحت الدولة تعجز عن العلاج المجاني، خصوصًا في ظل تزايد تكلفة العلاج بسبب التقدم التكنولوجي.
فالتأمين الصحي له موارد يقوم بدفعها المواطنون من مرتباتهم من خلال اشتراكات، فموظف القطاع العام والخاص يقوم بدفع متوسط 190 جنيهًا في السنة، في صورة خصم من مرتب المواطن 1%، ورب العمل يتكفل بـ3%، بالإضافة إلى أن رب العمل يقوم بدفع 1% إصابات عمل، فتلك الـ5% جزء من الـ40% التأمينات الاجتماعية التي يتم دفعها، وتلك الكتلة الأساسية من العاملين في القطاع العام والخاص وبعض الجهات الحكومية يقومون بدفع كل ذلك.
ومتوسط ما يُنفق على المواطنين أيضًا 190 جنيهًا في السنة، وبالتالي في ظل تلك الأوضاع الراهنة بمزاياها وعيوبها قطاع التأمين الصحي لا يعاني من عجز مالي، والدولة هي التي لا تقوم بتدعيمه، فقطاع التأمين الصحي يواجه مشاكل مالية ولكنه لا يخسر، فموارده ونفقاته في كل السنوات السابقة وحتى العام قبل الماضي كانت دائمًا ما يكون لديها فائض، وفي عام 2008- 2009م كان هناك عجز 172 مليون جنيه، بينما لديها فائض أكثر من نصف مليار خلال السنوات الماضية، وبالتالي لا يوجد عجز في إجمالي ميزانية التأمين.
ومشروع القانون الجديد صدر المشكلة المالية على رأس البنود، إلا أنه طرح زيادة الاشتراكات من 1% اإلى 1.5%، ونصيب أصحاب الأعمال من 3% إلى 4%، فبالتالي كل من يعمل في مكان عام أو خاص يخصم له من مرتبه 14% تأمينات اجتماعية، ورب العمل يقوم بدفع 26% من المرتب تأمينات اجتماعية، وتلك الـ40% يؤخذ منها 4% تأمين صحي، 1% إصابات عمل.
تأمين تجاري
* وما الضرر من الاشتراكات والمساهمات والرسوم التي سيقوم بدفعها المواطن في القانون الجديد؟ وما أوجه الخلل فيه؟
** صيغة القانون في المشروع الجديد تنص على زيادة الاشتراكات؛ فالعامل في القانون الجديد سيُخصم منه 1% كما هو، بينما رب العمل الذي يدفع حاليًّا 3% تأمين عمل، 1% تأمين إصابات عمل، سيصبح في القانون الجديد يقوم بدفع 3% فقط، شاملة إصابات العمل، فهو بالتالي خفَّض الأعباء من صاحب العمل بنسبة الربع.
الأمر الآخر أن ما سيقوم المواطن بدفعه لا يقتصر على الاشتراكات فقط، إنما جاء في نص القانون أنه سيقوم بدفع الاشتراكات والمساهمات والرسوم، فالمساهمات المقصود بها النسبة التي سيقوم المواطن بدفعها من تكلفة العلاج.
فالمواطن سيقوم بذلك بدفع الثلث من تكلفة الأدوية في العيادة الخارجية بحد أقصى 40 جنيهًا في المرة، وثلث الفحوص والإشاعات بحد أقصى 50 جنيهًا في المرة، فضلاً عن تكبده لتكلفة الرسوم الثابتة من رسوم الكشف وغيرها التي تتراوح ما بين 5 و7 و10 جنيهات، وذلك يعني أنه سيقوم بالدفع في كل زيارة ما يقارب 100 جنيه، ولو فرض أن العلاج يصرف في التأمين الصحي بشكل شهري، ولكن هناك كثير من المواطنين يعانون من أكثر من مرض؛ فهو في حاجه إلى أن يُصرف له علاج من عيادة القلب مثلاً، وآخر من عيادة السكر، وغيره من عيادة أخرى، فسيقوم بذلك وفقًا للقانون الجديد بدفع ما يقارب من 100 جنيه في الشهر لكل مرض على حدى.. معنى ذلك أنه لو وُجد شخص يعاني أكثر من مرض؛ فسيقوم بدفع أكثر من نصف مرتبه حتى يتم علاجهم، فذلك بالطبع ليس تأمينًا صحيًّا، وإنما مشروع تجاري.
أعباء الأسرة
العمال يطالبون باستمرار قانون التأمين الصحي القديم
* ذكرتم أن تطبيق القانون الجديد سيزيد العبء المالى على المواطنين .. فكيف ذلك؟

** القانون الجديد يهدف إلى تخفيف الأعباء عن الدولة وأصحاب الأعمال، وزيادة الأعباء على المواطنين بشكل غير محسوب، غير أن المواطن في الحقيقة سيدفع 5% من قيمة العلاج، وبذلك تزداد الأعباء عليه، فالتأمين الصحي مثلاً على طلبة المدارس في القانون الحالي يمول عن طريق أن كل طالب يقوم بدفع 4 جنيهات في السنة، والدولة تدفع في المقابل 12 جنيهًا سنويًّا لكل طالب، وهو في الواقع مبلغ ضئيل جدًّا؛ لأن مجموع الطلاب 18 مليونًا، فيكون المبلغ المدفوع من ميزانية الدولة بذلك يُقدر بحوالي 216 مليونًا، أي أقل من خمس ميزانية الدولة، والتي يُقدر إنفاقها الحكومي سنويًّا بـ400 مليار جنيه.
ومع ذلك القانون الجديد ستقوم الدولة بدفع تلك النسبة للطلاب القادرين فقط، أما باقي الطلاب؛ فسيقوم ولي الأمر بتحمل التكلفة هو، بالإضافة إلى أن ولي الأمر في القانون الجديد سيقوم بدفع 1% من مرتبه، و2% لعلاج زوجته، و0.5% عن كل طالب لديه، فبذلك القانون سيخفف العبء على الدولة ويزيد العبء على ولي الأمر؛ لأن من لديه أربعة أبناء سيدفع بالتالي 5% من مرتبه للتأمين الصحي.
* جاء في ملامح القانون الجديد أنه سيتم فصل التمويل عن الخدمة؛ فما تأثير تلك الخطوة على انتفاع المواطن بالعلاج؟
** فصل التمويل عن الخدمة، يحظر على هيئة التأمين الصحي تقديم الخدمات العلاجية بأي شكل من الأشكال، وتنشئ هيئة اقتصادية لتقديم الخدمات، وكان الاعتراض الذي وجهه مجلس الدولة هنا في ذلك البند هو أن تشكيل هيئة اقتصادية تعني أنها هيئة تسعى للربح، وليس لتوفير الخدمات الجيدة للمواطنين؛ مما سيؤثر بدوره على حق المواطن في العلاج.
وهي تمامًا مثل موضوع الهيئة القابضة القديمة، والتي أمر القضاء بوقف تنفيذها، كان الهدف الأساسي منها في قرار الإنشاء هو معاظمة العائد، وهذا يعنى زيادة الربح، فكل هيئات وزارة الصحة حاليًّا هي هيئات خدمية مثل هيئة التأمين الصحي، وهيئة المستشفيات والمعاهد العلاجية، وهيئة المؤسسة العلاجية، والمستشفيات الجامعية التابعة وزارة التعليم العالي.
* وهل هناك علاقة بين طرح فكرة القانون الجديد وبين وقف تنفيذ قرار إنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية؟
** بالطبع، فعندما صدر الحكم بوقف إنشاء الشركة في 2008م، قامت وزارة الصحة بخدعة جديدة لتمريره من خلال قانون التأمين الصحي الجديد، والمتمثل في البند الخاص بإنشاء هيئة اقتصادية ربحية.
ففي ظل تيار الخصخصة هناك سعي محموم لتحويل كل تلك الهيئات لخدمات ربحية، والوزير عندما طرح فكرة إنشاء الشركة القابضة للرعاية الصحية في أبريل 2007م؛ بحيث تملك تلك الشركة مستشفيات وأصول التأمين الصحي، أعلن في نفس الأسبوع أن هناك نيةً لتحويل هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية من (معهد القلب ومعهد السكر، ومعهد السمع ومعهد الكلى والأمراض المتوطنة وغيرها إلى شركة قابضة)؛ فهو تيار خصخصة كادح، يدَّعي ويتنكر أنه يدافع عن التأمين الصحي الاجتماعي، وإنما هو يخصخص كل شيء، ويفتح السكك أمام شركات التأمين الصحي الخاصة حتى تكون البديل الذي يؤمِّن على الأمراض التي لن يؤمِّن عليها التأمين ما دام أن التأمين لن يؤمَّن على كل الأمراض.
* وماذا عن أن راتب الطبيب سيزيد إلى 300 جنيه في القانون الجديد وفقًا لما أعلنه رئيس هيئة التأمين الصحي؟
** لا يوجد في القانون أي بند يشير إلى تلك النقطة أبدًا، فلقد أعلن الوزير أنه سيعطي 600 جنيه لأطباء التكليف الذين سيذهبون إلى مناطق نائية، وعندما ذهب فوج منهم إلى الغردقة فوجئوا أن 600 جنيه كل 3 شهور وليس كل شهر، وبالتالي أصبح البدل الحقيقي 200 جنيه؛ فادعاءات الوزير أغلبها باطلة.. وتلك هي ادعاءات وزارة الصحة بتحسين مستوى الدخل في القانون الجديد.
مشروع بديل
* اذا أتيحت لكم الفرصة فى وضع قانون جديد للتأمين الصحى فما هى أبرز الملامح التى ستسعون لتطبيقها؟

** سنسعى إلى زيادة الاشتراكات وليس الرسوم والمساهمات؛ حتى لا يتكبد المواطنون أعباء زائدة، فضلاً عن ضرورة توحيد القوانين، وأن تصب جميعها في صالح المواطن أولاً، ولا بد من زيادة موارد التأمين بطرق شتى بشرط أن لا تأتي على حساب المواطنين، من خلال توجيه أكبر عدد عوائد الضرائب لتصب في مصلحة التأمين الصحي، فالدولة تحصل على 10% ضريبة عن السجائر عن كل علبة، وتوجه عائدها إلى طلبة المدارس.
في القانون الجديد، سيزيد من الضرائب غير المباشرة ليجعلها 15% على كل علبة سجائر، بالإضافة إلى غيرها من الضرائب غير المباشرة التي توجه إلى مصلحة التأمين الصحي، مثل كل ملوثات البيئة، من المبيدات الزراعية وصناعات الإسمنت والحديد عن كل طن، وتراخيص السيارات الجديدة؛ فكل ذلك تمَّ حذفه من القانون الجديد، واكتفوا بالسجائر فقط.
وفي كل الدول لا بد من وجود نسبة من مساهمة الحكومة في نفقات الصحة، فكانت تصل في مصر إلى 22% وتقل عن ذلك، بينما في أمريكا تصل إلى 42%، على الرغم من أنها أكثر دولة رأسمالية، بالإضافة إلى أن توصيات الأمم المتحدة في قمة الألفية سنة 2000م، كانت تطالب بزيادة الإنفاق على الصحة أن يكون 15% من الإنفاق الحكومي، وهو شيء واقعي جدًّا، في بلد مثل مصر موارد الحكومة فيها من الضرائب وصلت إلى ما يزيد عن 110 مليارات الجنيهات، مصر تنفق حاليًّا على قطاع الصحة 3.2% فقط من إجمالي الإنفاق الحكومي، فادعاء أننا دولة فقيرة، هي ادعاءات كاذبة ليس لها معنى، فنحن نصرف على الصحة أقل من ربع ما يجب إنفاقه.
وسلوك وزير المالية في إعداد الميزانية يدعو للذهول؛ حيث إنه قام بتخفيض الإنفاق الحكومي من 3.4% من الإنفاق الحكومي العام الماضي إلى أن أصبح هذه السنة 3.2%، بينما دبر في نفس الوقت موارد استثنائية لمواجهة الأزمة المالية، على الرغم من وجدنا في موجة من الأمراض والأوبئة، فالقضية برمتها أولويات سياسية المواطن فيها خارج حسبان الحكومة.
فالحكومة تيسر لكبار المستثمرين، وتقطر على المواطنين في الاحتياجات الأساسية من تعليم وصحة التي لم تتجاوز نسبة الإنفاق عليها 15%، فهي أقل من ميزانية وزارة الداخلية، فهناك أولويات منحازة لغير مصلحة المواطنين في الميزانية العامة.
بالإضافة إلى ضرورة علاج غير القادرين من خلال تأمين صحي شامل عليهم، وليس جزئيًّا بحزمة انتفاع أساسية، وتدبر موارده من موارد الإنفاق الحكومين وكل هذا في الحدود المنظورة لن تصل إلى الـ15% التي تمثل حد أدنى، فلا بد من مضاعفة الإنفاق الصحي من 3.2% إلى 7% من إجمالي الإنفاق الحكومي، فضلاً عن ضرورة إصلاح الأوضاع، وتحسين مرتبات الأطباء والتمريض والعاملين في المجال الصحي؛ لأنه أول معايير الجودة.
فضلاً عن ضرورة إدماج كل مؤسسات وزارة الصحة غير الربحية "مع الاحتفاظ بطابعها غير الربحي" حتى لا يزيد من أعباء المؤمن عليهم.
