يذكر التاريخ البطولات النادرة التي سجَّلها رجال الشرطة المصرية ضد الاحتلال الأجنبي وسقط الشهداء وحفظ الشعب الجميل لجهاز الشرطة، لكن الآن وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذا الحدث تبدَّلت الأوضاع، وبات جهاز الشرطة المدافع عن الوطن وحشًا رهيبًا يرهب المواطن.
"ليه يا بيه.. حرام عليك كده... بموت يا جدعان".. هذه عينة من استغاثات وصرخات آلاف الضحايا الذين تكتظ بهم أقسام الشرطة والسجون ومقار جهاز مباحث أمن الدولة في وزارة الداخلية، ولكنها لا تجد آذانًا مصغية، ويواصل الجلادون مسلسل التعذيب وانتهاك الحرمات دون أدنى وازع من ضميرٍ ولا حتى محاسبة من المسئولين الكبار.
تردي حقوق الإنسان في مصر على يد جهاز الشرطة الذي يحتفل بيومه غدًا وصل إلى حد إلقاء المواطنين من أعلى المباني، مثلما حدث مع فارس بركات المواطن الذي ألقاه ضابط أمن دولة بمحافظة البحيرة من الدور الرابع منذ شهرين تقريبًا فتهتكت عظامه وتفتت أحشاؤه، وحمادة عبد اللطيف؛ المصاب بشللٍ رباعي وتهتُّك في القفص الصدري نتيجة ضربه بأسلوبٍ همجي بأحذية الضباط وأيدي المخبرين، والإعلامي بلال عبد الرحمن الذي رقد في وقتٍ سابقٍ بين الحياة والموت؛ لمجرد اعتراضه على "ناصر بيه" الذي جاء ليعتقله وهو يستعد لتصوير حلقات مع الدكتور عبد الرحمن البر، وعبد الله عوض الشاب السيناوي الذي أجرى جراحتين في المخ نتيجة التعذيب، وعماد بركات الذي انتهك ضابط أمن الدولة كرامته، وغيرهم كثير في قائمة تطول، ويصعب ذكر جميع من فيها من ضحايا التعذيب في مصر.
وبحسب تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان فإنه خلال السنوات التسع الماضية وقع نحو 285 حالة تعذيب تسببت بوقوع 118 حالة وفاة، بلغ نصيب عام 2007م منها ثلاث حالات وفاة وأربعين حالة تعذيب، ارتفعت إلى 17 حالة وفاة و46 حالة تعذيب في عام 2008م، و15 حالة وفاة وتعذيب خلال الشهور الأربعة الأولى من العام 2009م.
![]() |
|
التعذيب منهج رجال الشرطة في مصر |
وقالت المنظمة إنه إضافةً إلى حالة الاعتقال هناك الاختفاء القسري؛ حيث تم رصد اختفاء 73 شخصًا بصورة قسرية في الفترة بين عامي 1992م و2009م، تم معرفة مصير 17 منهم بينما ما زال 56 شخصًا في عداد المفقودين.
وأشار التقرير إلى أن إجمالي عدد حالات الاعتقال السياسي في مصر بلغت العام الماضي 7555 حالة، منها 912 حالة في محافظة الشرقية و731 حالة في الجيزة، فيما كان نصيب القاهرة 682 حالة.
ورصد التقرير 76 نوعًا من أنواع التعذيب قال: إن السلطات المصرية تستخدمها في استجواب المعتقلين، كان منها الخنق بالمياه، وتكسير الضلوع، والضرب الوحشي، والتعرية من الملابس، والشبْح تحت المطر، والحرمان من النوم، والوقوف ساعات طويلة، والصعق بالكهرباء، إلى غير ذلك من أساليب.
وأضافت أنه بعد المناشدات المتعددة للحكومة بضرورة وقف تلك الممارسات إلا أن كل ما قامت به أنها قدمت لنا بتاريخ 13 أكتوبر 2009م ضحية جديدة هو يوسف أبو زهري البالغ 38 عامًا شقيق سامي أبو زهري القيادي في حركة حماس، وأب لستة أولاد، والذي توفي في سجن برج العرب الغربانيات، وأفاد شهود عيان وتقرير الطبيب الشرعي بأن سبب الوفاة المباشر التعذيب الشديد.
ويبدو أن الحكومة وصلت إلى درجة عاتية من الإرهاب والقوة الغاشمة إلى الحد الذي لم تفرق فيه بين المعارضة والمواطنين العاديين؛ حيث شهدت مدينة المنصورة في مايو الماضي تشييع جثمان المواطن الحسيني مصطفى مسعد أبو زيد (34 سنة)، الذي تُوفي إثر تعذيبه داخل مقر قسم شرطة طنطا ثان.
![]() |
|
مرفت ضحية اعتداء الشرطة في سمالوط |
وفي أبريل 2008 شهد مقتل حميدة سليمان عبد التواب (19 سنة) فتاة بني سويف التي سقطت جثةً هامدةً داخل ديوان قسم شرطة بندر بني سويف نتيجةَ تعرُّضها للتعذيب والصعق الكهربائي بمنطقة الصدر.
كما توفيت ميرفت عبد السلام في أكتوبر 2008م هي وجنينها متأثرةً بجراحها بعد التعذيب الذي تعرَّضت له على أيدي رجال شرطة مركز سمالوط بمحافظة المنيا بأمرٍ من الضابط أحمد عبد العزيز الشهير بأحمد عزوز أثناء قيامهم بتفتيش منزلها.
وتوفي مرعي رمضان الصعيدي (21 سنة) في 3 يناير 2008م من عزبة اللحم بمحافظة دمياط؛ نتيجة التعذيب بأحد مراكز الشرطة في دمياط.
كما توفِّي السجين مصطفى محمد حسين (43 عامًا) في 2005م داخل سجن أبو زعبل؛ بحسب جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، واستلام أهالي الضحية الجثة بعد اتصالٍ هاتفي من قسم شرطة الأزبكية.
وشهد الأهالي الجثة وبها كدمات في وجهه وكدمات تحت الإبط الأيمن والأيسر، ووجود نزيف في الأنف، وشاهدت زوجته آثار دماء في مؤخرة الرأس.
الطفل محمد ممدوح أحد ضحايا تعذيب الشرطة
وشهدت قضية الطفل محمد ممدوح عبد الرحمن (13 عامًا) المعروف إعلاميًّا بـ"قتيل شها" رواجًا إعلاميًّا كبيرًا عقب وفاته في أغسطس 2007م، بعد أن جرى تعذيبه وحرقه حروقًا واضحةً بمنطقة الصدر وبعض المناطق الحساسة بالجسم وإصابته بقيء دموي.

ولم يتوقف مسلسل القتل؛ حيث شهدت قرية تلبانة التابعة لمركز وبندر المنصورة بمحافظة الدقهلية حادثًا مأساويًّا بعد قيام قوة من الشرطة بالاعتداء على مواطن يُدعى ناصر أحمد عبد الله الصعيدي (يعمل نجَّارًا ويبلغ من العمر 37 سنة) بالضرب والسحل حتى الموت أثناء تدخله لإنقاذ ابنة شقيقه من بين أيدي رجال الشرطة الذين انهالوا عليها.
ولقي الشهيد مسعد قطب أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين حتفه بعد تعذيبٍ في جهاز أمن الدولة في عام 2005م، وقد بدت آثار التعذيب الشديد عليه؛ حيث وجد أهله رأسه مهشَّمًا تمامًا ومُعوجًّا، وعينيه تقريبًا غير موجودتين، وأذنه مقطوعة، ورأسه مفتوحًا من قمته مرورًا بالعنق إلى الصدر.
وفي 13 يناير 2004م لقي مواطنٌ يُدعى محمد السيد نجم (30 عامًا) مصرعه إثر تعذيبه بأحد مقرات مباحث أمن الدولة بمحافظة القليوبية بعد يومٍ واحدٍ من الإفراج عنه؛ وذلك بعد اعتقاله لمدة 8 أيام؛ قضاها المجني عليه في مقر مباحث أمن الدولة بمدينة بنها محافظة القليوبية.
الاعتقالات
الداخلية اعتقلت 30 ألفًا من الإخوان خلال 10 سنوات
نبتعد قليلاً عن دائرة التعذيب إلى دائرة أخرى يشكل المظلومون فيها أكثر عددًا، وهو سيف الاعتقال الذي يظل مصلتًا على رقاب الإصلاحيين، دون غيرهم، طالما استمرَّ العمل وفق قانون الطوارئ.

وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين هي الفصيل الذي تحمَّل العبء الأكبر ودفع أثمانًا غاليةً مقابل إصراره على إصلاح أحوال البلد؛ حيث طالت يد الداخلية الباطشة أكثر من 30 ألفًا من قيادات وأعضاء الجماعة خلال السنوات العشر الأخيرة فقط، هذا فضلاً عن المحاكمات العسكرية لعشرات القيادات وسجنهم مئات السنين خلف أسوار الظلم والاستبداد.
وتحدت وزارة الداخلية في هذا المشوار الطويل من الاعتقالات آلاف الأحكام القضائية بالإفراج عن قيادات وأعضاء الجماعة.
ويقول عبد المنعم عبد المقصود محامي جماعة الإخوان المسلمين إن عام 2009م هو عام الاعتقالات والانتهاكات وتأميم الشركات والتعدي على الحريات وتصفية الحسابات مع جماعة الإخوان؛ حيث شهد العام أرقامًا قياسيةً في تلك الحالات، إذْ وصل عدد الأشخاص المحبوسين احتياطيًّا 1923 شخصًا، وعدد المعتقلين طبقًا لقانون الطوارئ 3102 شخص، بإجمالي 5025 شخصًا تم القبض عليهم في عام 2009م، وهو ما يزيد بنسبة 27% عن عام 2008م، والذي بلغ عدد المعتقلين فيه 3674 معتقلاً، وبنسبة 47% عن عام 2007م، والذي بلغ عدد المعتقلين فيه 2669 معتقلاً.
ويشير إلى أن اعتقالات 2009م طالت ثلاثة من أعضاء مكتب الإرشاد بالجماعة هم د. عبد المنعم أبو الفتوح, د. محمود حسين, د. أسامة نصر الدين وأحدَ عشرَ من مسئولي ونواب مسئولي المكاتب الإدارية بالمحافظات، بالإضافة إلى أكثر من 20% من أعضاء مجلس شورى الجماعة.
ويؤكد أن إجمالي عدد الشركات التي تم التحفظ عليها وتم إغلاقها هذا العام 21 شركةً؛ وذلك في وقتٍ تعاني فيه البلاد معاناة شديدة بسبب الأزمة المالية العالمية، وتحتاج إلى توفير المناخ الملائم للاستثمار من أجل جذب الشركات العربية والغربية للاستثمار في مصر، مثلما يحدث في الصين والبرازيل وغيرها من الدول النامية.
بالإضافة إلى ذلك قيام الأجهزة الأمنية بالتحفظ على كمية كبيرة من المبالغ المضبوطة بمنازل المقبوض عليهم، بلغت نحو 15 مليون جنيه مصري.
ويضيف أن أكبر المحافظات عرضةً لاعتقال الإخوان فيها هي محافظة الشرقية؛ حيث بلغ إجمالي مَن تمَّ القبض عليهم هذا العام 691 معتقلاً، ثم محافظات الدقهلية والفيوم والجيزة، حيث بلغ عدد المعتقلين فيها على التوالي: 447، 412، 405، بينما كانت أقل المحافظات هي محافظة أسوان، والتي اعتقل منها 19 شخصًا.
تدخلات سافرة
ولم تقف وزارة الداخلية عند هذا الحد، بل تعدته بمراحل؛ حيث واصل جهاز مباحث أمن الدولة تدخلاته السافرة في العمل السياسي والنقابي والطلابي؛ حيث شطب أسماء المرشحين في انتخابات نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة في سابقةٍ لاقت رفضًا عارمًا من قوى المجتمع المدني.
كما شطبت الداخلية طلاب الإخوان من كشوف انتخابات الاتحادات الطلابية بالجامعات، وشهد العام الماضي فصل وشطب واعتقال ما يقرب من 1500 طالب، منهم 252 طالبًا تم فصلهم من الجامعة، و600 طالب تم شطبهم من الانتخابات، و400 طالب تم إحالتهم إلى التحقيق بسبب تعبيرهم عن رأيهم، و150 تم اعتقالهم، إما لمشاركتهم في الانتخابات الطلابية، أو قيامهم بتعليق لافتة للتعبير عن غضبهم تجاه ما يحدث للمسجد الأقصى من انتهاكات.
وتعدى تدخل الداخلية إلى دعم وتعيين أعضاء بعينهم في عددٍ من النقابات المهنية القوية بعد أن عطلت انتخابات نقابة المحامين لمدة عام كامل لصالح مرشحي الحزب الوطني الحاكم، وتدخلت في عدم إجراء انتخابات نقابات المهندسين والمعلمين والأطباء وغيرهم.
ضباط الشرطة.. ناس وناس
هدية المصورين في عيد الشرطة
"حركة ترقيات وتنقلات الشرطة" هي كلمة السر والفساد معًا في أوساط ضباط الشرطة؛ حيث إن العمل بهيئة الشرطة المصرية يتراوح بين عشرات الجهات التي تتفاوت في مدى أهميتها والسلطات التي يتمتع بها القائمون على هذا المنصب أو ذاك.

وتتحدث دراسة لعبد الخالق فاروق الخبير الاقتصادي حول لهفة عدد كبير من ضباط الشرطة إلى التعيين في إدارات بعينها مثل مكافحة المخدرات والكهرباء والجمارك وأمن الدولة، وتشير الدراسة إلى أن عدد الضباط الذين وصلوا إلى أماكن حساسة داخل الوزارة قد بلغ 30 ألف ضابط ما بين لواء وعميد وعقيد يتقاضون مرتبات خيالية؛ حيث يحصل الضابط في منصب مساعد وزير الداخلية على راتب شهري يُقدَّر بـ20 إلى 25 ألف جنيه بخلاف المكافآت المقررة لبعض اللواءات في قطاعات مؤثرة مثل الأمن العام وأمن الدولة ومكافحة المخدرات، كما تتراوح النسب التي يتقاضاها بعض اللواءات في منصب مدير الأمن إلى ربع مليون جنيه شهريًّا وفقًا للدراسة.
وتتوزع مرتبات وزارة الداخلية على ثلاثة قطاعات رئيسية؛ هي ديوان عام الوزارة، والتي يحصل ضباطها على أعلى مخصصات مالية خاصة في قطاع مباحث أمن الدولة الذي يضم ما يقرب من 60 ألف ضابط وأمين شرطة وأفراد، بينما يصل عدد الضباط في جميع قطاعات وإدارات وزارة الداخلية ما يقرب من 100 ألف في مختلف الرتب، بالإضافةِ إلى 800 ضابط برتبة ملازم تحت الاختبار، تخرجهم أكاديمية الشرطة سنويًّا.
والمرتبات والمكافآت الضخمة لا تعرف طريقها إلى إدارات مثل المطافئ والمرور والأحوال المدنية والمراسم؛ حيث لا يتجاوز الضابط برتبة لواء فيها ثلاثة آلاف جنيه، أضف إلى ذلك قطاع المباحث وضباط الأقسام وشرطة النجدة؛ حيث لا يتعدى مرتب الملازم 450 جنيهًا، وتزيد بمقدار الثلث من رتبةٍ إلى أخرى، فيتقاضى الضابط في رتبة نقيب 600 جنيه والرائد 750 جنيهًا، والمقدم 1100 جنيه، وهو نصف مرتب اللواء فيها تقريبًا، بينما هناك إدارات أخرى غير معلوم رواتب الضباط فيها ومكافآتهم مثل أمن الدولة.
الأمن يتعمد استخدام العنف ضد الاحتجاجات السلمية
هناك إدارات مثل الأمن المركزي والأمن العام تسببت في رفع ميزانية وزارة الداخلية من 300 مليون جنيه عام 1981 إلى 818 مليون جنيه في عام 1992 وتضاعفت حتى وصلت إلى مليارين و920 مليون جنيه في عام 2002م.

ويرجع المراقبون تضاعف ميزانية وزارة الداخلية إلى الأحداث السياسية التي مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي اعتمدت الدولة في التعامل معها على قوات الأمن المركزي ومكافحة الشغب وأمن الدولة، وهو ما أدَّى لزيادة رواتب الضباط في تلك الإدارات، ولكن هناك إدارات أخرى يحصل ضباطها على مرتبين، الأول من وزارة الداخلية والثاني من الوزارة التي تشمل مهام عمله مثل الكهرباء والسياحة والمرافق والآثار.
إلا أن ضعف مرتبات عدد كبير من الضباط جعل البعض منهم يتقدم باستقالته ويتجه للعمل في أماكن أخرى، بينما لجأ ضباط آخرون إلى ممارسات غير مشروعة مثل الرشوة في حين أصيب عدد كبير منهم بحالة من الإحباط ربما وصلت إلى الاكتئاب بسبب تدني مستواهم المعيشي، وهو ما دفع إلى تصاعد المطالب في الفترة الأخيرة للبدء في إصلاح شامل فيلا وزارة الداخلية.

