هل يجوز الجمع بين العصر والجمعة للمسافر؟

 

يجيب عنها فضيلة الشيخ عبد الخالق حسن الشريف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد كثر السؤال عن الجمع بين صلاة الجمعة والعصر للمسافر، وكنت أجيب السائل بالجواز، وتكرر هذا الأمر، فسألت عن سبب ذلك، فمن قائل: قال فلان، إلى أن أخبرني أحد السائلين أن فضيلة الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- قال: بعدم الجواز، والرجل- رحمه الله- من العلماء في مجالات العلم المختلفة خاصة الفقه وأصوله، وعندما ينسب لمثله مقالة فلا بد من التأكد من النقل والأساس الذي بنيت عليه الفتوى.

 

وبينما أشاهد القناة التليفزيونية المسماة باسم الشيخ قرأت على الشريط المار فتوى الشيخ في ذلك، وأنه يرى عدم الجواز لكونها صلاة مستقلة.

 

ومما لا شك فيه أن المسألة من فروع الفروع في الصلاة، ولكني أذكر وأحفظ الجواز في ذلك، وقول الشيخ- رحمه الله- لأنها صلاة مستقلة، يسر على مجال البحث، وهو الخلاف القديم عند العلماء، هل صلاة الجمعة صلاة مستقلة أم هي بدل عن صلاة الظهر وعلى هذا التأصيل نشأ الخلاف في فروع هذه المسألة من بينها:

 

في كتاب القواعد الفقهية للشيخ عبد الله بن سعد اللحجي (طبعة دار الضياء- ص 174) الباب الثالث- في ذكر عشرين قاعدة، وهي القواعد المختلف فيها، ولا يطلق الترجيح لاختلافه في الفروع- القاعدة الأولى- هل الجمعة ظهر مقصورة، أو بل صلاة على حيالها؟ قولان.

 

ثم أخذ يبين ذلك، ثم قال مبينًا الفروع التي لا تدخل في القاعدة فمستثنيات وذكر منها: هل له جمع العصر إلى الجمعة لو صلاها وهو مسافر؟ الأصح الجواز وإن قلنا إنها صلاة مستقلة.

 

ورجعت بعد ذلك للأشباه والنظائر للإمام السيوطي (ت: 911) المجلد الأول طبعة دار الكتب العلمية ص 354, قال بعد ذكر القاعدة مبينًا الخلاف في الفروع المبنية عليها: ومنها: هل له جمع العصر إليها، لو صلاها وهو مسافر؟ قال الصلابي: يحتمل تخريجه على هذا الأصل. فإن قلنا: صلاة مستقلة، لم يجز، وإلا جاز- أي إذا اعتبرناها صلاة غير مستقلة. قلت- أي الإمام السيوطي- ينبغي أن يكون الأصح: الجواز.

 

والذي دعاني إلى بحث الأمر عدة أمور:

أولها: حاجة الناس إلى معرفة الحكم الشرعي، خاصةً إذا علمنا أن هناك رأيًا بإلزام المسافر صلاة الجمعة، وأنها من المسائل المختلف فيها، وليس مجمعًا عليها ككون المرأة غير مخاطبة بصلاة الجمعة وإنما عليها أن تؤديها ظهرًا، أما أمر المسافر ففيه خلاف، وإن كان أكثر العلماء على أن المسافر ليس ملزمًا بصلاة الجمعة وإنما له أن يصليه ظهرًا.

 

ثانيًا: مكانة العالم الجليل ابن عثيمين- رحمه لله- فهو ممن يستمع إليهم ويأخذ عنه وهو حجة في بابه، ولما كان- رحمه الله- قد منحه الله هذه المحبة في القلوب، إذن لكلمته أثر كبير لذا لزم الوقوف معها والنظر فيها.

 

ثالثًا: إظهار الخلاف في المسألة ليكون المسلم في سعةٍ من دينه، فليس لأحد أن يغلق باب فيه سعة طالما لا يستند إلى أمر قطعي من أدلة الشريعة.

 

وفي نهاية الأمر أدعو الله أن يتقبله في عداد الصالحين، وأن يسكنه فسيح جناته فقد كان خيرًا حتى بعد مماته، وها هو أثر جميل أن بحث الأمر لتظهر حقائقه.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.